على مدى خمس سنوات تصر عيدة حدالين على الحفر في صخرة صلبة باستخدام اداة لا تزيد عن كونها معولا صغيرا وفي ذهنها امر واحد هو رشفة ماء بارد لتروي ما تكابده من ظمأ . وتبدأ المرأة البدوية البالغة من العمر 63 عاما في حفر بئر بالقرب من خيمتها كل يوم عند الفجر. وهي تجيب بنفس العبارة في كل مرة يوجه اليها السؤال عن السبب وراء تجشم كل هذه المشقة. واجابتها هي (لانني اشعر بالعطش) . ماتفعله هذه المرأة البدوية رمز لمحنة مئات الالاف من الفلسطينيين الذين اصبح العثور على قطرة مياه بالنسبة لهم هاجسا وامتلاكها رفاهية. وتسبب تضاؤل هطول الامطار الى ثلث الكمية المعتادة والتي كانت الاسوأ خلال 60 عاما في اصابة الارض المقدسة بجفاف شديد والفلسطينيون رغم انهم يقتصدون في استخدام المياه الا انهم كانوا اكثر المتضررين. وفي الضفة الغربية يجد القرويون الفلسطينيون انفسهم غير قادرين على تهيئة الظروف لاستحمام اطفالهم بينما يستمتع المستوطنون اليهود الذين يعيشون على مقربة بحمامات سباحة فاخرة. ونقص المياه بين الفلسطينيين حاد للغاية في منطقة الخليل بجنوب الضفة الغربية. وفي مستشفى عالية بمدينة الخليل لا يتمكن الاطباء والممرضات الذين يحرصون على غسل اياديهم على استخراج قطرة ماء واحدة من الصنابير. وتراكمت الاغطية والمناشف المتسخة بالدماء وراء باب في انتظار اليوم الذي تتوفر فيه المياه لغسلها. وقال الدكتور عدنان مسودة رئيس قسم الجراحة (لم نحصل على مياه عبر الانابيب منذ شهرين) ويحاول المجلس البلدي تعويض النقص من خلال ارسال اربعة صهاريج مياه يوميا لكن مسودة يقول ان هذه الكمية ليست كافية. وقال (في بعض الاحيان يسبب نقص المياه في حدوث وفيات في قسم الغسيل الكلوي) . ووفقا للاحصائيات الاسرائيلية يستخدم الاسرائيلي في المتوسط اكثر من اربعة امثال متوسط الكمية التي يستخدمها الفلسطيني سنويا. ويقول خبراء عرب ان اسرائيل تتطلع الى الموارد الفلسطينية لسد نقص المياه في الدولة اليهودية. وتسيطر اسرائيل على جميع موارد المياه داخل حدودها وفي الضفة الغربية التي استولت عليها من الاردن في حرب عام 1967. ويقول خبراء فلسطينيون ان خزانات المياه الجوفية في الضفة الغربية توفر 680 مليون متر مكعب من المياه وهى كمية كافية لتلبية الطلب الفلسطيني لكن اسرائيل تستقطع لنفسها 80 في المئة لاستخدامها الخاص. وقال عبد الرؤوف محتسب بالخليل (كان اجدادنا يستعينون بالسقاء الذي كان يحمل المياه في دلوين ويبدو ان الاسرائيليين سيعيدوننا الى تلك الايام) . وكل يوم يرسل محتسب اطفاله الى حمامات المسجد في المكان الذي يقيم فيه لملء دلاء واوعية وزجاجات. ويهز المصلون اثناء الوضوء رؤوسهم في تعاطف مع الاشخاص الذين ينقضون على صنابير المياه وهم يهمسون (كان الله في عوننا) . ويخرج السكان صباح كل يوم الى ينابيع المياه الطبيعية والابار القديمة التي تنتشر في المنطقة لاغتسال اطفالهم وغسل ملابسهم وملء حاويات بالمياه حتى تشرب اغنامهم ايضا. وقال حسن جابري (27 عاما) وهو يجفف نفسه بعد غسل شعره في ينبوع بيت عينون (انظر الى وجهي. لا يوجد ماء يمكنني استخدامه في الحلاقة) وحوله اشخاص يحملون مياه في حاويات على رؤوسهم وعلى ظهور الدواب. والامر الذي يثير سخط الفلسطينيين هو المخصصات السخية التي تقدمها اسرائيل للمستوطنين اليهود. وفي الاسابيع الاخيرة وافقت اسرائيل على سداد تكاليف انشاء مجمع جديد لحمامات سباحة في مستوطنة ايلي بشمال الضفة الغربية التي يبلغ عدد سكانها 2100 نسمة. وقال الفلسطيني محمد بكري وهو يشير الى جيب يهودي في منطقة الخليل (انهم (المستوطنون) يغسلون وجوههم بملء دلوين بينما كل ما نأمل فيه هو ان نري بعض المياه. ان كلابهم تروي ظمأها بينما نعاني نحن من العطش) . وقال كمال دويق مسؤول المياه في الخليل ان خمسة الاف مستوطن يهودي في الخليل يحصلون على 17 الف متر مكعب من المياه يوميا بينما يحصل 400 الف فلسطيني على كمية اجمالية لا تزيد على سبعة الاف متر مكعب. وفي قطاع غزة اكثر المناطق ازدحاما بالسكان يقترن الجفاف بالافراط في حفر ابار جوفية. وتسربت مياه البحر المالحة الى طبقات المياه الارتوازية واصبحت المياه مالحة بدرجة يتعذر معها استخدامها للاستهلاك الادمي. وبالاضافة الى ذلك فان معدات توزيع المياه في الضفة الغربية وغزة والتي لم يتم تغيير بعضها منذ الاربعينات تتسبب في فقدان المياه بنسب تتراوح بين 30 و55 في المئة. وقال خبراء في (هيدرولوجي جروب) وهو مركز ابحاث فلسطيني في القدس الشرقية العربية انه لا توجد حلول على المدى القصير.ــ رويترز