(ونسيت اني امرأة) عنوان احدى الروايات العظيمة للأديب الراحل احسان عبدالقدوس, وعنواني أنا أيضا.. فقد أحببت الفن وضحيت من أجله بالمال والصحة, وأهملت حقوقي كأنثى لها مشاعر وأحاسيس وقلب ينبض, ولكني لم أندم أبدا . وحكايتي مع الفن ليست حكاية عادية.. انها حكاية العمر كله.. حكاية امرأة متمردة ومقاتلة عنيدة قررت ان تُحارب بكل قوة حتى تحصل على حريتها وأحلامها. والحكاية تبدأ فصولها عندما وضعت أقدامي على أعتاب الحياة الفنية في مطلع الخمسينات وقوبلت بحرب شعواء.. حربي كانت على جبهتين.. الأولى مع أسرتي العريقة التي كانت ترى في اتجاهي إلى الفن مصيبة وعارا لا يمحوه إلا الدم, والثانية كانت من داخل الوسط الفني بهدف عدم ظهور بطلة جديدة يكون لها نصيب في الأفلام والأدوار الجيدة. تحويشة العمر الأمر لم يكن سهلا مثلما يحدث الآن مع وجود التلفزيون وشركات انتاج الفيديو ومسارح القطاع الخاص, خلال المرحلة الأولى راوحت أعمالي بين البطولة الثانية في أفلام كبيرة كدور (سناء) في (لحن الخلود) مع فريد الأطرش وفاتن حمامة, أو البطولة المطلقة في أفلام كوميدية عادية مثل (الناصح) أو (الآنسة حنفي) مع اسماعيل ياسين. وكلا النوعين كنت أرفضه في أعماقي وأرى في نفسي قدرات وطاقات تفوق ما أقدمه, ومن هنا اتجه تفكيري للانتاج, وبدأت أبحث وأنقب حتى عثرت على قصة احسان عبدالقدوس (أين عمري) . انتجت (أين عمري) بتحويشة العمر كله, بعد ما دفعني اليأس من العثور على منتج أو مخرج يؤمن بي ولا يُجامل أحداً على حسابي إلى التفكير في الانتاج.. طبعا وقتها كانت التكاليف أقل ولكن المال لم يكن متوفرا, خصوصا بعد ان منعني أفراد عائلتي من بيع أرضي, فباعت أمي رحمها الله مصاغها وأثاث بيتها وبعض التحف القديمة, و (دبرت الميزانية بالعافية) , فطموحي لم يكن مجرد البطولة ولكن انتاج فيلم كبير, وبصراحة الكل كان ينتظر خيبة أمل ماجدة عقابا على جرأتها, ولكن الصدمة جاءت لهم والنصر والنجاح كانا من نصيبي. الانتاج حقق لي البطولة المحترمة ووضعني في الطريق الصحيح, وفتح عيني على شيء كنت أحسه ولا أتبينه ألا وهو حبي للقيادة, فأنا امرأة شكلا وتكوينا ولكني أحمل جرأة وعقل رجل بداخلي, فضلا عن ان احلامي وطموحاتي كانت أكبر من حدود فيلم واحد, ولذلك استمرت رحلتي كمنتجة لمستوى معين من الأفلام. ثورة انسانية ومن حسن حظي وحماسي وايماني بالسينما الذي دفعني للغوص في القضايا الانسانية والاجتماعية والدينية والوطنية, واكبه اندلاع ثورة يوليو 1952 التي امتد شعاعها من مصر إلى كل شبر في الأرض العربية والأفريقية, تلك الثورة العظيمة التي تركت في نفوسنا جميعا أبلغ الأثر, فانفعلنا بها, وتفاعلنا معها وجعلتنا ندرك خطر الدور الذي سنلعبه في استنهاض الوجدان العربي, فالفن ليس وسيلة امتاع وترفيه فقط, بل هو يأخذ من المجتمع وعليه بالتالي ان يُبادله العطاء. ومن هنا تحرك وعيي لتقديم فيلم (جميلة) الذي يحكي قصة كفاح المناضلة الجزائرية جميلة بو حيرد ضد الاستعمار الفرنسي, الفيلم كان وثيقة ضد الاستعمار, وورقة ادانة لممارساته المتوحشة والهمجية, ووسام شرف على صدري كفنانة ومواطنة عربية مسؤولة. فـ (جميلة بو حيرد) بنضالها واصرارها وصمودها (كأنثى ضعيفة مهانة في كرامتها وكبريائها وآدميتها) على تحدي دولة مستعمرة بما عندها من جيوش وأسلحة, فجرت في أعماقي ثورة انسانية خلاَّقة, وشعرت أمامها بحتمية مساندتي لها بأي وسلة فأنتجت الفيلم وأخرجه الصديق العبقري يوسف شاهين. وكالعادة وضعنا ميزانية خرافية واستقطبنا للعمل عمالقة السينما والمسرح, لتخرج الوثيقة عالمية المستوى والصدى. (جميلة بو حيرد) فتح أسواقا عالمية جديدة تماما أمام الفيلم المصري, في الاتحاد السوفييتي والهند والصين واليابان والمجر, وحصل على أكثر من جائزة عالمية, اذكر منها جائزة الاتحاد النسائي الدولي لأفضل دور نسائي, وكان له تأثير على الرأي العام العالمي لتحرير الأرض المغتصبة, ووقتها وضعت فرنسا اسمي على القائمة السوداء. وفي مصر نلت عن (جميلة) كل جوائز التمثيل والانتاج الأولى, كما فازت الزميلة زهرة العلا والاستاذ يوسف شاهين بالعديد من جوائز التمثيل والاخراج, وكذلك نال الزميل الراحل رشدي أباظة جائزة أيضا, ومع (جميلة) طفنا العالم وشاركنا في مؤتمرات وندوات ولقاءات فكر ونضال دُعينا إليها وأثبتنا فيها ان دور الفن هو خدمة المجتمع. متغيرات جديدة (جميلة بوحيرد) حققت لي السعادة والرضا عن النفس, وأوصلتني إلى مرحلة العطاء بلا حدود وبلا مجاملة أو خداع, ولو لم ألعب هذا الدور لعشت طول عمري أحلم به وأتمنى ان أكون جميلة بو حيرد. وثورة يوليو ساهمت في اذكاء روح المغامرة والجرأة عندي ولولاها ما كان ازدهار السينما والفن عموما, فـ (يوليو) فجرت الابداع, بعكس ما يحدث الآن, حيث أفرزت المتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في مجتمعنا طبقات جديدة, لها فكر وثقافة استهلاكية لا تتفاعل في معظم الأحوال مع القيمة بقدر ما تندمج في موجات الفن الغرائزي المسف, فهذه الثقافة سطحت الفكر وسفهت الفن باستثناء أسماء وأعمال نادرة انحني لها احتراما. وأنا راضية عما حققته طوال مشواري, ولو لم أكن ماجدة الصباحي بكل ما عاشته وحققته لتمنيت فعلا أن أكونها.