لم يبق سوى بضعة اشهر حتى تزحف امواج الانتخابات الامريكية على الولايات المتحدة فتصبح هي الشاغل الاكبر لكل الامريكيين, من هم في السلطة ومن يتطلعون اليها, الديمقراطيون والجمهوريون وما بينهما , ومن يقومون بادوار الكومبارس, وحتى من يكتفون بمشاهدة العرض على شاشة التلفزيون حتى يوم التصويت. وقد يعطون اصواتهم وقد يمتنعون لمجرد الكسل او على سبيل الاحتجاج.. المهم ان قضية الشرق الاوسط سوف تتراجع خطوات في جدول اهتمامات الادارة الامريكية لحين الانتهاء من مولد الانتخابات. وبعدها تدخل دوامة جديدة حسب ما تأتي به نتيجة التصويت.. فاذا كان الفائز ال جور ــ وهو يبدو حتى الان ارجح الاحتمالات في قائمة ترشيحات الحزب الديمقراطي ــ فإنه قد لا يحتاج الى وقت طويل كي يرتب اوراقه ويجدد سياساته ازاء هذه المنطقة, لانه كان قريبا جدا منها كنائب للرئيس ولديه كل التفاصيل والمواقف. ولكن المشكلة سوف تصبح اكثر تعقيدا لو فاز الجمهوريون.. فان الادارة الجمهورية في هذه الحال ستحتاج فعلا الى وقت طويل قد يمتد ستة او ثمانية اشهر حتى تضع لنفسها استراتيجية تتبعها واهدافا واضحة تسعى اليها.. فرصة كلينتون ايا كان الامر فان الرئيس بيل كلينتون لديه الان فرصة خلال الاشهر الباقية قبل ان تكتسح ادارته دوامة الانتخابات, لكي يدخل التاريخ, ويحجز لنفسه مقعدا الى جوار الرؤساء العظام الذين تركوا بصماتهم في تاريخ الولايات المتحدة الامريكية, بدلا من ان يكون الشيء الوحيد الذي سيذكر عنه بعد ذهابه هو مغامرات المراهقة في الغرفة الخاصة الملحقة بالمكتب البيضاوي بالبيت الابيض, والبقعة اياها في فستان مونيكا الازرق.. نعم.. باستطاعة كلينتون ان يمحو هذه الوصمة او على الاقل ان يسترها ويغطيها بعمل عظيم يظل هو الباقي بعد زوال سلطانه.. ذلك هو ان ينجز خلال الفترة القريبة المقبلة عملية السلام في الشرق الاوسط.. فيقدم لبلاده بذلك خدمة استراتيجية تعفي امريكا من القلق على مصالحها في هذه المنطقة, وتوفر لها عنصر الاستقرار الذي لا غنى عنه من اجل الحفاظ على هذه المصالح.. هذا فضلا عن الصورة الانسانية التي سيكتسبها باعتباره صانعاً للسلام. وهو ليس بحاجة الى معجزة لكي يفعل ذلك. كل المطلوب هو ان يتحرر مرة واحدة والى الابد من عقدة الفزع من اللوبي الصهيوني الناشب اظافره في جسد المجتمع الامريكي.. ام ان هذا مستحيل؟ انه لن يكون مستحيلا الا في حالة واحدة. هي ان يتعارض مباشرة مع المصالح الامريكية ومع الاستراتيجية التي ترعى هذه المصالح وتعمل على حمايتها وتنميتها.. فالمفروض ان هذه هي مهمة الادارة الامريكية التي تضعها دائما نصب عينيها ولا تحيد عنها لاي سبب من الاسباب.. فهل التخلص من ضغوط اللوبي الصهيوني او بمعنى اصح التخلي عن ظاهرة الانحياز الكامل لاسرائيل يضر بالمصالح الامريكية؟ او يمكن طرح السؤال بصيغة اخرى: هل الانحياز لاسرائيل صيغة ضرورية لابد منها لحماية المصالح الامريكية؟ ربما كان هذا صحيحا في فترة الحرب الباردة حينما كانت الادارة الامريكية تعتبر اسرائيل حاملة طائراتها الثابتة في مواجهة الزحف الشيوعي من جهة, واداتها لاستنزاف القوى الوطنية العربية الصاعدة ــ والتحالف بشكل او آخر مع الاتحاد السوفييتي من جهة اخرى. ولكن الان, بعد انتهاء الحرب الباردة واختفاء الخطر الشيوعي حتى من روسيا ذاتها, فما الذي يمكن ان تستفيده الولايات المتحدة الامريكية من اسرائيل؟ بل ان العكس هو الصحيح... لقد اصبحت اسرائيل في واقع الامر عبئاً على الولايات المتحدة الامريكية وعلى سياستها, ودبلوماسيتها وعلاقاتها مع العالم العربي... ومصالح الولايات المتحدة مع العالم العربي اكبر واوسع واشمل كثيرا منها مع اسرائيل وهي مصالح قابلة للنمو وليس للانكماش. ولعل هذا يفسر ظهور علامات تدل على الضيق باسرائيل في اواخر عهد نتانياهو, لدى الادارة الامريكية والتي وصلت الى حد مقاطعته اثناء زيارة الولايات المتحدة اواخر عهده قبل الانتخابات الاسرائيلية وهي المقاطعة التي دقت المسمار الاخير في نعش حكومته وادت ــ ضمن عوامل اخرى بالتاكيد الى سقوطه المدوي... خط احمر المشكلة ان هناك في دوائر النخبة الامريكية, لدى الديمقراطيين والجمهوريين, عناصر تتصور ان هناك خطأ اخر في العلاقات مع اسرائيل فلا يجوز تجاوزه بأية حال من الاحوال. بمعنى انه مهما بلغت الخلافات بين الحكومتين لأي سبب من الاسباب. فانها لا ينبغي ان تتجاوز سقفا متفقا عليه بحيث لا تؤثر الخلافات على اتفاقية التعاون الاستراتيجي الموقعة في عهد ريجان والتزام خطى لحماية امن اسرائيل منذ ايام نيكسون وكيسنجر. اما عن اتفاقية التعاون الاستراتيجي فقد عقدت في ظروف مختلفة تماما ولم تعد قائمة الآن, واما الالتزام بحماية امن اسرائيل فهو لا يجوز ان يمتد الى حماية عدوانها واحتلالها لارض عربية وعصيانها لقرارات الامم المتحدة. وهذا يصل بنا الى بيت القصيد: ما هو المطلوب بالضبط من الرئيس كلينتون خلال الشهور القليلة المقبلة, حتى يبرىء نفسه من شبهة الرضوخ للابتزاز الصهيوني والانحياز لاسرائيل على نحو ضار بالمصالح الحقيقية للولايات المتحدة الامريكية؟ ان احدا لا يطالبه بالانحياز للحقوق العربية بدلا من الانحياز لاسرائيل, فنحن نعلم ان المطالبة بذلك كالنفخ في بالونة مثقوبة. ولكن ما نطلبه بالتحديد هو... اولا التمسك باتفاقية واي بلانتيشن والتعجيل بتنفيذها بعيدا عن المناورات الاسرائيلية ونحن نرحب بالطبع بقرار الرئيس كلينتون بإرجاء تنفيذ مسعى الكونجرس لنقل السفارة الامريكية الى القدس, ونجد في هذا مبادرة مبشرة بموقف امريكي افضل عند محادثات الوضع النهائي فيما يتصل بالمدينة المقدسة, ويشجعنا على هذا المطلب ان اتفاقية واي بلانتيش كانت تحت رعايته وبمبادرة منه... ثانيا: استئناف المفاوضات على المسار السوري من عند النقطة التي توقفت عندها قبل وصول نتانياهو الى السلطة. ولقد كانت الولايات المتحدة طرفا ثالثا في هذه المفاوضات ممثلة بوفد يرأسه المنسق دنيس روس والرئيس الامريكي يعلم تماما ان اسرائيل اقرت بمبدأ الانسحاب الكامل من مرتفعات الجولان السورية, وان النقاط الوحيدة التي كانت لاتزال محلا للتفاوض كانت: 1ــ مسألة محطات الانذار المبكر حيث طالبت اسرائيل بوجود محطة اسرائيلية للانذار المبكر فوق جبل الشيخ وهذا مطلب مرفوض رفضا قاطعا من جانب السوريين. 2ــ مسافة المنطقة منزوعة السلاح على كل من جانبي الحدود, حيث طالبت اسرائيل ان تكون المسافة متناسبة تناسباً طرديا على اساس البعد الجغرافي لكل من البلدين, بينما تمسكت سوريا بأن تكون المسافتان متساويتين. 3ــ جنسية قوات حفظ السلام, حيث طالبت اسرائيل بان تكون امريكية, واصرت سوريا على ان تكون تابعة للامم المتحدة. وفي تصورنا ان هذه النقاط الثلاث المتبقية على المسار السوري كانت ولاتزال من السهل التوصل الى اتفاق بشأنها: طالما المشكلة الاساسية وهي الانسحاب الشامل الكامل من مرتفعات الجولان قد انتهت... وما من شك في ان التغير الذي حدث في قمة السلطة باسرائيل وتولي باراك الحكم بدلا من نتانياهو سوف يساعد كلينتون كثيرا على هذا الانجاز... لو اراد. ان الفرصة السانحة لتسوية شاملة للنزاع العربي الاسرائيلي لن تعوض وهي ليست فرصة للعرب بقدر ما هي فرصة لامريكا واسرائيل. ولا يعيبنا ان نعترف بانها ما كان يمكن ان تتاح لولا حالة التمزق التي عصفت بالصف العربي, خاصة بعد الغزو العراقي للكويت وما ترتب عليه من تداعيات لم تنته حتى الآن... غير ان هذا التمزق لا يمكن ان يستمر, فالعرب لن يستطيعوا دخول القرن الحادي والعشرين في معزل عن الحركة العالمية التي تعتمد على التكتلات الكبرى. ونحن لدينا كل المقومات التي تؤهلنا لكي نكون شركاء للكبار في العولمة بدلا من ان نكون فرائس للقسمة بين الكبار... وهذا امر تحتمه غريزة البقاء... وعندما نأخذ بطريق ضم الصفوف ستتغير كل موازين القوى... وعندئذ, سيكون لكل حدث حديث. وقد يثير الانتباه ان هناك قوى في اسرائيل تدرك هذه الحقيقة, وهذا هو مغزى ستارهم (السلام الآن) لانه فعلا اذا لم يدرك الان... فلن يدرك ابدا. ان تسوية النزاع العربي الاسرائيلي واقرار السلام في الشرق الاوسط, بعد اكثر من خمسين عاما من الحروب والعدوان والخسائر التي لا آخر لها في الارواح والممتلكات سيعتبر انجازا تاريخيا هائلا بكل المقاييس. ولاشك ان الرئيس الذي سيحققه سيحتل مكانا في بلده وفي العالم كله لا يقل عن اعظم الرؤساء الامريكيين, ان لم يضعه في مرتبة اعلى... وفي تصورنا, ان كلينتون لو فعلها لاستحق جائزة نوبل للسلام... ان لم يكن من ناحيتها فعلى الاقل من ناحية الذين يضعون مقاييس هذه الجائزة ومعاييرها. ولو فعلها, فمن ذا الذي سيذكر (مونيكا جيت) ؟