يبدو ان قدر العرب ان يكون السلام الذي يبغونه رهنا بالهوى الخاص والمزاج النفسي لمن يجلس على مقعد رئيس الوزراء في اسرائيل, فبينما ادار نتانياهو ظهره للمسارين السوري واللبناني , جاء باراك برياح مختلفة حولت الدفة والشراع معا الى المسارين السوري واللبناني وهددت القارب الفلسطيني بأن يبقى تائها في عرض بحر من الاحتمالات المتباينة وكشفت ان شاطىء عرفات مازال بعيدا جدا. تحولات باراك كشفت عن نفسها سريعا في وعوده التي اطلقها حول الانسحاب من لبنان, ثم في رسائل الغزل المتبادلة بينه وبين الرئيس السوري حافظ الاسد والتي حملت معها توقعات بانفراجة في التسوية بشأن الجولان, ومخاوف فلسطينية عميقة بان تأتي التسوية السورية واللبنانية على حساب المسار الفلسطيني. وسط هذه التشابكات والتناقضات تبرز عشرات الاسئلة حول مستقبل المسيرة السلمية للصراع العربي الاسرائيلي, فالى اي مدى يمكن ان تؤدي توجهات باراك الجديدة الى تسوية حقيقية وفق الرؤية التي ترضى عنها دمشق؟ وهل تتحقق بالفعل المخاوف الفلسطينية ويحتل مسار التسوية الخاص بهم مع اسرائيل ذيل اهتمامات الحكومة الجديدة في ضوء اللاءات الشهيرة التي كشف عنها رئيس الوزراء الجديد؟ والى اي مدى يمكن ان ينجح الفلسطينيون في مواجهة تلك التحديات قبل ان يأتي اليهم نتانياهو آخر في الانتخابات المقبلة؟ وما هو دور الدول العربية المعنية والاطراف الدولية الكبرى في حسم ملف السلام في الشرق الاوسط الذي يبدو لجميع دول العالم بما فيها الولايات المتحدة الامريكية انه طال اكثر من اللازم؟ (الملف السياسي) حملت هذه الاسئلة لاثنين من خبراء الصراع العربي الاسرائيلي في مصر ينتميان الى مرجعيات سياسية وفكرية مختلفة: الاول هو الدكتور عبدالعليم محمد خبير الشؤون الاسرائيلية بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية في الاهرام, والذي كانت له مواقفه العلمية والسياسية المتعددة ضد توسيع هامش التطبيع مع تل ابيب, الى جانب اعتراضاته التي ابداها في محافل عديدة على حجم التنازلات التي قدمها الفلسطينيون على طاولة المفاوضات. والثانية هي الدكتورة نازلي معوض, استاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة ورئيسة مركز البحوث السياسية بجامعة القاهرة وواحدة من رواد المدرسة الواقعية في التعامل مع مسيرة التسوية السلمية في الشرق الاوسط. المفاجأة في هذه المواجهة ان الخبيرين, ورغم اختلافات مدارسهما الفكرية وقراءتهما للصراع العربي الاسرائيلي, يتفقان في العديد من وجهات النظر, وفي تقدير المواقف ازاء مستقبل المسيرة السلمية, كما تتطابق رؤيتهما عند تحديد الدور الذي ينبغي على العرب ان يلعبوه في الفترة المقبلة لفرض الحد الادنى من الحقوق العربية على خريطة التسوية. باراك مختلف بالتأكيد, هذا ما يجمع عليه الخبيران المصريان في تقديرهما لشخصية رئيس الوزراء الاسرائيلي بالمقارنة مع سلفه بنيامين نتانياهو لكن هذا الاختلاف من وجهة نظر الدكتور عبدالعليم محمد لايعني انه سوف يطيح بنظرية الامن الاسرائيلي من اساسها لصالح الحقوق الفلسطينية والعربية, لكنه بصورة او باخرى سوف يحاول تحقيق التوازن بين صورته كرجل سلام وبين الالتزام بالخطوط الحمراء لامن اسرائيل. الرؤية نفسها تتفق معها الدكتورة نازلي معوض مشيرة الى ان هناك مبالغة احيانا في تقدير التشدد او الاعتدال داخل اسرائيل, فمسألة التسوية السلمية ليست ترفا من جانب الدولة العبرية ولكنها احتياج حقيقي وقومي تفرضه عليهم الظروف الاقليمية والدولية الى جانب الظروف الداخلية داخل اسرائيل, بداية من الوضع الاقتصادي وحتى جماعات المقاومة سواء داخل الاراضي الفلسطينية المحتلة او في الجنوب اللبناني, وبالتالي فإن مسألة التسوية تعبر عن توجه عام داخل الدولة وليست مطلبا لحزب معين دون الآخر, والدليل على ذلك ان حزب الليكود هو الذي شارك في انطلاق هذه المسيرة حين بدأت في مدريد عام 1991 وشارك حينها, اسحق شامير, احد الصقور الاسرائيليين في المفاوضات مع العرب. لكن الأزمة حاليا هي في قيمة الثمن الذي يريد الاسرائيليون دفعه من أجل السلام, ومن هنا تأتي الخلافات بين العمل والليكود. والراجح لدى العرب أن حزب العمل يعرض ثمنا أفضل للسلام مما يطرحه الليكود, ويؤمن قادته بضرورة تحقيق تقدم أفضل من تيارات اليمين داخل اسرائيل, على اعتبار ان تشدد الليكود يمكن أن يؤدي إلى توقف العملية برمتها وبالتالي الاضرار بالمصالح العليا لدولة اسرائيل. ووفق هذه الخلفية فإن التغير الحادث في اتجاهات الرأي العام الاسرائيلي ضد نتانياهو لم يكن طلبا للسلام في حد ذاته عن ايمان وقناعة بقدر ما هو تأكيد للحرص على مصالح الدولة التي يضرها هذا القدر من التشدد, وفي ضوء ذلك يعتقد الخبيران ان باراك قد يبدي قدرا كبيرا من الليونة بالمقارنة بسلفه الا ان هذه الليونة لن تصل بالضرورة إلى المستوى الذي يتطلع إليه العرب. السلام السوري أما فيما يتعلق بتوجيهات باراك بين مسارات التسوية المختلفة, فيرى الدكتور عبدالعليم ان باراك بحكم انتمائه لحزب العمل سوف يكون أقرب لمنهج رئيس الوزراء السابق اسحق رابين الذي كان يعطي أولوية خاصة للمسار السوري, انطلاقا من رؤية استراتيجية مفادها ان حالة الاسترخاء والاطمئنان لن تحل على الشرق الأوسط إلا إذا نجحت اسرائيل في تحقيق السلام مع سوريا ولبنان, لعدة أسباب أولها ورقة المقاومة المشتعلة في الجنوب اللبناني والتي تهدد أمن سكان شمال اسرائيل بصورة مستمرة, إلى جانب النفوذ السوري الكبير بين الدول العربية والتعاطف الذي يحظى به المساران السوري واللبناني بين الشعوب العربية. ويفكر حزب العمل حاليا في أن اتفاق سلام مع سوريا كفيل بأن يخلص المنطقة من التوترات بصورة كبيرة وربما يؤدي إلى توقف عمليات المقاومة في الجنوب اللبناني. الدكتورة نازلي تضيف, مؤيدة لهذا التصور, ان ايهود باراك يهتم شخصيا بالمسارين السوري واللبناني حتى من قبل أن يتم انتخابه رئيسا للوزراء في الدولة العبرية, وكان على اتصال بالرئيس حافظ الأسد, وأرسل له رسائل متعددة في مناسبات مختلفة, ولذلك لم يكن غريبا أن تبدأ موجة (ما تسمونه أنتم الغزل المتبادل) بين البلدين, وتحمل الفترة المقبلة مؤشرات عن انفراجة قريبة على هذا المسار. على أن هذه الانفراجة, من وجهة نظر الدكتورة نازلي معوض, لا يجب أن تأخذنا إلى أحلام بعيدة ومتعجلة, خاصة ان ملف التفاوض بين دمشق وتل أبيب لا يخلو من محطات متفجرة وشديدة التعقيد, وهناك خلافات عديدة بين الطرفين على مستوى الاجراءات الأمنية التي ينبغي العمل على وقفها في الجولان بعد الانسحاب الاسرائيلي, وتل أبيب طلبت العديد من الترتيبات الأمنية التي لم ترض عنها سوريا حتى في عهد اسحق رابين, ولا تبدو الموافقة على هذه الاجراءات أمرا سهلا في ضوء القراءة المتأنية للموقف السوري. كما ان هناك خلافات على محطة الانذار المبكر التي تطالب بها اسرائىل ولا تبدي رغبة في التنازل عنها, فيما تعتبرها دمشق استمرارا لحالة الاحتلال بصورة مختلفة كما توجد خلافات أخرى حول قوة حفظ السلام الدولية وعددها ومهماتها في المنطقة. الدكتور عبدالعليم محمد يضيف إلى هذه التعقيدات قضية أخرى, مشيرا إلى ان المدى الذي يمكن أن يصل إليه التطبيع بين دمشق وتل أبيب لا يزال محل خلاف واسع بين العاصمتين. فدمشق ترى ان الرأي العام السوري ليس مهيأ بصورة كافية للبدء في عملية التطبيع, وليس سهلا على هذا الشعب الذي قاسى طويلا من الحروب والاحتلال لأراضيه أن يرى الاسرائيليين في يوم وليلة في شوارع المدن السورية, أو يرى البضاعة الاسرائيلية في الأسواق والمحلات. وإذا كانت تلك هي وجهة النظر السورية فإن اسرائيل لا تتصور سلاما دون التطبيع أو التبادل التجاري أو الزيارات المتبادلة, فهي تريد للسلام مع سوريا أن يكون نقطة لصالحها تساهم في تدفئة سلامها البارد مع القاهرة, وتريد من دمشق أن تساعد على فتح باب التطبيع مع مختلف الدول العربية بأن تبدأ بنفسها. هذا هو ثمن السلام الحقيقي من وجهة نظر الدولة العبرية والمقابل الذي يمكن من أجله أن تترك الأرض لتحصل على العلاقات الطبيعية على المستويات الرسمية والشعبية. وإذا كان التطبيع والاجراءات الأمنية ومحطة الانذار المبكر وقوات حفظ السلام هي ملفات يمكن أن تعطل المسار السوري, الا انها لن تعترض الطريق نحوه نهائيا خاصة ان الولايات المتحدة الأمريكية تقدمت بالعديد من المقترحات لحل هذه الخلافات بين الجانبين, كما تقول الدكتورة نازلي معوض. وتهتم واشنطن بصفة خاصة بالمسارين السوري واللبناني على اعتبار ان المسار الفلسطيني ما زالت تعترضه بعض المشكلات المعقدة, كما ان كل ملفات الوضع النهائي المتفجرة كقضية القدس واللاجئين تتركز على المسار الفلسطيني, وبالتالي فإنه من الضروري أن يصل الاسرائيليون إلى تسوية مع سوريا تضمن عدم حدوث مشكلات كبيرة عند مناقشة الوضع النهائي بصورة تطيح بمسيرة التسوية برمتها. وفي تقدير واشنطن أن دمشق سوف تتعامل مع هذه القضايا بارتياح أكبر حين تكون هي نفسها قد وصلت إلى تسوية تحقق الحد الأدنى من مطالبها في الجولان. ويختلف الخبيران السياسيان في تقدير المدى الذي يمكن أن تذهب إليه سوريا عند الجلوس على مائدة المفاوضات, فبينما يرى الدكتور عبدالعليم ان مسألة التطبيع سوف تبقى عقدة اسرائيل على هذا المسار وان سوريا سوف تسعى إلى الوصول لصيغة قريبة من الحالة المصرية بأن تسترد أرضها كاملة فيما تمنح الاسرائيليين تطبيعا شكليا ونظريا دون تعميق العلاقات بين البلدين, ترى الدكتورة نازلي ان الوصول لسلام مع سوريا سوف يفتح الباب لتغييرات أخرى سوف تؤثر دون شك على مسألة التطبيع, فالولايات المتحدة الأمريكية سوف تسعى في هذه الحالة إلى احياء صيغة الشرق أوسطية, وسوف تعمل على نفخ روح جديدة في المؤتمر الاقتصادي للشرق الأوسط وشمال افريقيا, وليس من المستبعد أن تمارس واشنطن ضغوطا على دمشق في أن تشارك في هذه الصياغة الجديدة طالما التزمت اسرائيل بالانسحاب من الجولان. وترى الخبيرة السياسية أيضا ان تحقيق التقدم على المسار السوري سوف يرفع الحرج عن بعض البلدان العربية التي اضطرت لوقف تعاونها مع اسرائيل إلى أن تعيد النظر في هذه السياسة, وتفتح من جديد القنوات التي جمدها عهد بنيامين نتانياهو. وتضيف الدكتورة نازلي انه رغم تعطيل المؤتمر الاقتصادي والمشكلات التي تفجرت عند انعقاده في الدوحة عام ,1997 فإن المسؤولين عن منتدى دافوس الاقتصادي لم يجمدوا نشاطهم في المنطقة وما زالوا يعملون بدعم أمريكي على ابقاء نظرية التعاون الشرق أوسطية نابضة الحياة بين عواصم العالم العربي واسرائيل. ومن جهة أخرى فإن الشرق أوسطية ليست الصيغة الوحيدة التي تشارك فيها سوريا واسرائيل, فهناك معبر آخر لهذا التطبيع قد تصعب مقاومته أو وقف آثاره وهو التعاون الأوروبي المتوسطي, وكل من دمشق وتل أبيب متوسطية وشريكة في هذا التعاون. من هنا فإن سوريا نفسها قد تدرك انه من الصعب مقاومة القنوات المختلفة لهذا التطبيع على اعتبار انه يجب عليها الاستجابة لمتطلبات وشروط السلام المرتقب. المسارات الموسيقية لبنان أيضا يشكل ورقة مختلفا عليها على مائدة المفاوضات ورقما كبيرا في الحل السوري الاسرائيلي من وجهة نظر الدكتور عبدالعليم محمد, فالاسرائيليون الذين عرضوا مرارا خيار (لبنان أولا) , ووقوف غالبية الرأي العام في الدولة العبرية وراء الانسحاب من الجنوب اللبناني, لا يمكنهم أن ينسحبوا من دون الوصول إلى اتفاق أمني مع الحكومة اللبنانية وفق ما يطرحه القادة الاسرائيليون. والمطلب الاسرائيلي واضح في هذا الطريق إذ يتطلعون إلى سيطرة الجيش اللبناني على الشريط الحدودي عند الانسحاب, وتقديم الضمانات الكافية التي تحول دون ان تواصل المقاومة اعمالها في هذه المناطق. وتبدو مسيرة التسوية عند منعطف كبير في هذ النقطة فالى اي مدى يمكن ان يتجاوب حزب الله وجماعات المقاومة مع ترتيبات امنية تفرض عليهم وقف المقاومة وتسليم اسلحتهم والى اي مدى ايضا يمكن ان تؤدي هذه الخطوة الى خسارة كبيرة للعرب عند الوصول الى مفاوضات الوضع النهائي, اذ يذهب المفاوضون العرب الى طاولة المفاوضات بدون ورقة المقاومة في الجنوب اللبناني؟ وهذا بالضبط ما ترغبه اسرائيل حتى تتمكن من فرض شروطها لتسوية هذه الملفات. ولايستبعد الدكتور عبدالعليم ان يكون الوصول الى هذه النقطة احد الاهداف الاسرائيلية من (لعبة المسارات الموسيقية) التي يقوم بها باراك فهو يريد احياء المسارين السوري واللبناني حتى يأمن الجانب السوري, ويلزم دمشق باتفاقات امنية محددة, ثم يعمل على عزل المقاومة اللبنانية واجبارها على القاء اسلحتها في اطار اتفاق امني مع لبنان, ومن ثم تكون فرصته افضل في مفاوضات الوضع النهائي وفيما يتعلق بمسألة الدولة الفلسطينية التي يرغب عرفات في اعلانها. ويرى الخبير السياسي ان هناك احتمالات كبيرة لان يقوم باراك بتعطيل المسار الفلسطيني الى حد ما اذا ما نجح في التوصل الى اتفاق على المسارين السوري واللبناني, وهناك مؤشرات عديدة نحو هذا التوجه اولها اللاءات الشهيرة التي اطلقها باراك فور فوزه بمنصب رئيس الوزراء وكانت جميعها تتعلق بالتسوية مع الفلسطينيين وباراك لايريد دولة فلسطينية بالمعنى الذي يسعى اليه عرفات, لكنه يطمح في ان تستقر الصيغة الفلسطينية على الحكم الذاتي وفق صلاحيات محدودة وبنفس الشروط الامنية التي كان يعمل نتانياهو على تمريرها كما انه ليس على استعداد لوقف المستوطنات او التنازل عن خيار القدس كعاصمة ابدية لدولة اسرائيل ولايقبل بعودة اللاجئين. ولذلك فإن باراك يدرك جيدا ان المحطات التالية على المسار الفلسطيني اصبحت اكثر تعقيدا من المسارين السوري واللبناني, فليس لديه في الجولان حركة استيطان واسعة على غرار ما يجري في الاراضي الفلسطينية المحتلة كما ان الامريكيين يؤيدون نسبيا المطالب الامنية الاسرائيلية في الجولان والجنوب اللبناني, ولذا فإن الوصول الى تسوية بشأنهما اسهل كثيرا من العبور بالمسار الفلسطيني الى محطته الاخيرة. ويشير الدكتور عبدالعليم محمد الى ان الفلسطينيين يسيطر عليهم هذا الهاجس بقوة ويشعرون بالخطر من توجهات باراك الجديدة نحو سوريا ويخشون بعمق من تأثير هذه التوجهات على مشروعهم للتسوية في ضوء قراءاتهم للواقع في الضفة وغزة وقد كشفت المخاوف الفلسطينية عن نفسها في اكثر من مناسبة سواء على لسان بعض القيادات الفلسطينية او في التحليلات السياسية التي يحررها متخصصون قريبون من دوائر صنع القرار في السلطة الوطنية الفلسطينية والامر الذي يعزز المخاوف الفلسطينية ان علاقاتهم مع دمشق لاتزال تعاني من النتائج السلبية للحل المنفرد الذي اختاره الفلسطينيون في اوسلو والشعور الذي انتاب دمشق حينها من انهم تعرضوا لخيانة حقيقية من جانب عرفات الذي لم يلتزم بوحدة المسارات التي اتفق علىها العرب منذ انعقاد مؤتمر مدريد. ويدرك الفلسطينيون جيدا انهم في حاجة الى استمرار الدعم السوري لمسار التسوية على الصعيد الفلسطيني, وان اي اتفاق بين تل ابيب ودمشق يلزم سوريا ببعض القيود الامنية ويدشن حالة (عزلة المسارات) التي بدأها الفلسطينيون انفسهم ولذلك فإن المسار الفلسطيني سوف يكون اول المتضررين من هذه النتيجة ولهذا فإن الجهود الفلسطينية تمضي حاليا نحو اصلاح العلاقات مع سوريا من جانب, والضغط على الولايات المتحدة الامريكية حتى تدفع المسار الفلسطيني من جانب اخر. وفي حين تتفق الدكتورة نازلي في ان الرياح في المنطقة تدفع الاسرائيليين نحو دمشق بقوة, لاتعتقد ان المسار الفلسطيني سوف يكون قربانا للسلام مع سوريا بمعنى انه لن يتم تجاهل هذا المسار بالصورة التي يتصورها البعض والسبب ان الحكومة الاسرائيلية تلتزم ابتداء بعدد من الاتفاقيات مع الفلسطينيين تحظى برعاية ودعم دوليين سواء تلك التي وقعتها حكومة حزب العمل قبل نتانياهو في عهد رابين وبيريز, او الاتفاقات التي وقعها نتانياهو نفسه في الخليل وفي واي بلانتيشن بالولايات المتحدة الامريكية قبل اسابيع من الاعلان عن الانتخابات الاسرائيلية المبكرة وهذه الاتفاقات تحظى بدعم دولي خاصة من الولايات المتحدة الامريكية. وتضيف رئيسة مركز البحوث السياسية بجامعة القاهرة ان هناك نقطة اخرى يجب ان نأخذها في الاعتبار وهي مسألة الدولة الفلسطينية التي اجل الرئيس عرفات الاعلان عنها في الرابع من مايو الماضي بناء على تدخلات دولية متعددة, وهذا الموقف الذي اتخذه عرفات لم يكن بالمجان ولكن كانت امامه وعود كثيرة بتحقيق تقدم افضل على المسار الفلسطيني وان كان هذه الوعود لم يكشف عن جميع تفاصيلها بعد الا ان الدبلوماسية الفلسطينية النشطة لن تضيع هذا الموقف دون ان تحقق منه بعض النتائج الايجابية لصالح المسار الفلسطيني. وتضيف الدكتورة نازلي معوض, ان فكرة اعلان الدولة الفلسطينية من طرف واحد لاتزال تشكل ورقة ضغط جيدة في ايدي الفلسطينيين وتدرك اسرائيل ان هناك عشرات الدول على استعداد للاعتراف بهذه الدولة فور الاعلان عنها كما ان قادة اسرائيل والبيت الابيض يعلمون جيدا حجم الدور الذي لعبه عرفات لاستيعاب العناصر المتشددة داخل الاراضي المحتلة وتحجيم حركة حماس وتنفيذ بنود الاتفاق الامني الموقع عليها في واي بلانتيشن وبالتالي فإنه في حالة وصول المسار الفلسطيني الى مأزق حاد فإن هذه الصيغة قد تتعرض للانهيار وسوف يتهدد اسرائيل خيار العودة للمقاومة داخل الاراضي الفلسطينية المحتلة دون ان تملك توجيه اللوم لعرفات في هذه الحالة. وتدرك اسرائيل ايضا ان مسألة الصراع مع العرب ترتبط عاطفيا في وجدان الرأي العام العربي بالمسألة الفلسطينية ورغم تعاطف العرب مع الجولان والجنوب اللبناني كأراض محتلة الا ان الحل الحقيقي وفق المشاعر العربية يتمثل في تحقيق تقدم على المسار الفلسطيني باعتبار ان القضية الفلسطينية هي جوهر هذا النزاع الممتد واصل كل المشكلات التي طرأت بعد ذلك منذ عام 1984 كما تدرك اسرائيل ايضا ان الزعماء العرب لن يتنازلوا عن دعم المسار الفلسطيني ومساعدة الرئيس عرفات حتى المحطة النهائية من هذه التسوية. وحسب تقديرات الدكتور عبدالعليم محمد, فإن المفاوضات بين دمشق وتل ابيب قد تبدأ فور استقرار حكومة باراك, وان هذه المفاوضات سوف تحظى بدعم امريكي رفيع المستوى خاصة ان الرئيس كلينتون كان قد كشف عن رغبته في الوصول الى تسوية على المسار السوري قبل ان تنتهي فترته الرئاسية الثانية في البيت الابيض وكانت قد ترددت معلومات في هذا الاتجاه بأن واشنطن تعمل على تفعيل المسار السوري حتى من قبل ظهور نتائج الانتخابات الاسرائيلية. وتضيف الدكتورة نازلي انه في الوقت الذي تترسخ فيه حقيقة انه لاسلام بدون سوريا وعلى خلفية التطورات الايجابية بين اسرائيل ودمشق فإن المفاوضات بين البلدين قد تمضي بخطى اسرع بالفعل, الا ان المسار الفلسطيني سوف يتحرك ايضا بصورة ملائمة لكن خبيرة العلوم السياسية تؤكد انه لاينبغي على العرب ان يتوقعوا الكثير من باراك, وعليهم ايضا ان يدرسوا جيدا نظرية الامن الاسرائيلية حتى يتبينوا حدود الخطوط الحمراء الاسرائيلية ويعملوا على تحريكها لصالحهم, وبما يملكونه من اوراق, لا بالرهان على الصقور والحمائم داخل الدولة العبرية. مكتب (البيان) القاهرة