رغم الترحيب الرسمي العربي بفوز ايهود باراك زعيم حزب العمل الاسرائيلي في الانتخابات الاسرائيلية الاخيرة, الا ان الفعاليات السياسية الاردنية وخاصة في صفوف المعارضة ترى خلاف ذلك, حيث ترى ان سياسات حزب العمل أكثر خطورة على الأمة العربية من مواقف حزب الليكود, ذلك لأن حزب الليكود واضح في عدائه للعرب, بينما يلبس حزب العمل ثوبا ناعما ولكن في داخله أفعى تريد التخلص من كل ما هو عربي. في هذا التحقيق يستطلع (الملف السياسي) آراء رموز المعارضة على الساحة الاردنية حول مواقف باراك ونهجه السياسي المنتظر. العمق العربي يقول النائب د. نزيه عمارين: لا أعتقد انه سيكون هناك فرق جوهري بين نتانياهو وباراك وان اختلفا في الاساليب فأهدافهما واحدة, وكافة الحروب الاسرائيلية العدوانية التي تمت على الأمة العربية في الماضي كانت بقيادة اركان حزب العمل الاسرائيلي, اضافة الى ان أهداف الاسرائيليين عامة واضحة وواحدة, فهم لا يكنون الا العداء المقيت لأمتنا العربية. الفرق بين ساسة الليكود وساسة حزب العمل, ان الليكوديين أكثر وضوحا وفظاظة في طروحاتهم الصهيونية من ساسة حزب العمل, ومن هنا فإن ساسة العمل هم الاخطر علينا من فريق حزب الليكود. وعلينا ألا ننسى ان استراتيجية حزب العمل لا تختلف في كافة مضامينها وابعادها عن استراتيجية حزب الليكود الاسرائيلي, فكلاهما يهدفان الى بسط السيطرة الصهيونية على المنطقة العربية, وكلاهما يناديان بالقدس الموحدة عاصمة ابدية لدولة العدوان والاحتلال الاسرائيلي, وقد جاء هذا على لسان رئيس وزراء اسرائيل العمالي السابق اسحاق رابين هنا في عمان اثناء القائه كلمة في المؤتمر الاقتصادي الاقليمي نهاية عام ,1995 دون ان يراعي مشاعر الاردن البلد الضيف. ومن جانب آخر فإن اركان حزب العمل هم من الذين ساهموا في بناء المستوطنات وارساء قواعد السياسة الاستيطانية في الضفة الغربية والجولان. وهم ليسوا على استعداد للتخلي عن هذه المستوطنات, كما انهم عملوا على بناء جيش قوي قادر على مواجهة الدول العربية مجتمعة, ولم يخفوا مطامعهم في الضفة الشرقية (الاردن), وهم لا يوافقون على عودة اللاجئين والنازحين, كما ان موقفهم من الجولان العربي ليس واضحا, ويرفضون العودة الى حدود عام 1967. وفي ظل هذا يحق لنا ان نتساءل: بماذا يختلف اركان حزب العمل عن ساسة الليكود, في نظرتهم العدوانية من حيث التوسع الاستيطاني, ونظرتهم العدائية الموحدة تجاه امتنا العربية؟ انا أعتقد جازما بأننا لا نستطيع مواجهة نوايا دولة العدوان والاحتلال, ومن ورائها دول العالم الغربي الحاقدة على امتنا وتاريخها, ولا نستطيع ان نقابل هذه الهجمة الا من خلال العمق العربي والتضامن العربي الجاد. * من جانبه, قال د. سعيد ذياب الأمين العام لحزب الوحدة الشعبية: لا نستطيع اهمال ما يجري على الساحة الاسرائيلية من تغيرات, ولكننا لا نعتقد بأن هناك اختلافا جوهريا ما بين العمل والليكود (باراك ونتانياهو), وان كليهما ينفذان أهداف المشروع الصهيوني. وبالرغم من هذه الصورة فإن علينا ان نلحظ التباينات الطفيفة بينهما, فالعمل مثلا سيقوم بانجاز ما تبقى من المرحلة الانتقالية على المستوى الفلسطيني. ولكن قضايا المرحلة النهائية المتمثلة بالقدس, والمستوطنات وحق العودة والسيادة فإننا نعتقد بأن هناك اجماعا صهيونيا حول هذه المواضيع. ان غياب البديل العربي للدفاع عن حقوقه هو الذي يدفع بعض العرب للرهان على الانتخابات الاسرائيلية وتحميلها أكثر مما تحتمل. تباين طفيف ويرى سالم النحاس الأمين العام لحزب حشد ان نجاح باراك سوف يحرك عملية التسوية التي جمدها نتانياهو, وهناك خطط للانسحاب من لبنان خلال عام, واستعادة المفاوضات على المسار السوري, واخراج اتفاق (واي بلانتيشن) من الجمود. وقد شكل هذا مصدر سعادة بالغة أظهرها الرسميون العرب باعتباره مرشحهم لتحريك عملية التسوية. لكن الأهم من ذلك كله هو ماذا سيقدم باراك, وهو الذي أعلن فور نجاحه عن أربع نقاط يعتبرها غير قابلة للنقاش, وهي ان القدس عاصمة موحدة ابدية لاسرائيل, والتمسك بالمستوطنات, ورفض الانسحاب حتى حدود الرابع من يونيو ,1967 ورفض أي سيادة فلسطينية على الأرض. هذه النقاط الأربع توضح ان باراك ليس رجل سلام, وانما يتمسك بثوابت الاجماع اليهودي, بصرف النظر عن الانتماء الحزبي. فما هي التنازلات التي ستقدمها اطراف التسوية العربية أكثر من ذلك؟ اننا نخشى من ان يستعيد التطبيع المجاني زخمه كما كان أيام بيريز, وهو التطبيع الذي تجمد وتراجع أثناء فترة نتانياهو, خصوصا فيما يتعلق بفتح مكاتب تمثيل اسرائيلية في بعض الدول العربية. ونخشى كذلك من خلق أوهام متزايدة يبثها بعض المسؤولين العرب في أوساط الرأي العام العربي مما سيزيد من حدة التوتر في الاقطار العربية, وتحديدا في دول الطوق. وهذا يعني مزيدا من التضييق على الحركة الجماهيرية التي تدرك ان السلام المتوازن والشامل لا يمكن الوصول اليه دون تحقيق مبدأ الأرض مقابل السلام وتطبيق قرارات الشرعية الدولية فيما يتعلق بالاراضي العربية المحتلة والقدس واللاجئين. ان الحل الوحيد الممكن هو قمة عربية تدعم الموقف الموحد لدول الطوق, والتخلص من الصفقات المنفردة, واعادة النظر في مسيرة التسوية كلها, وعلى أسس جديدة. * ويقول د. ربحي حلوم المسؤول الفلسطيني السابق: ان المرحلة الاخطر في تاريخ القضية الفلسطينية تتمثل بتقنين التنازلات وتوثيقها تعاقديا بين طرفي المعادلة وفق وثيقة عباس ـ بيلين التي حان الآن وقت ايقاظها من الادراج التي حفظت بها منذ توقيعها. لا يجوز ان نغفل التاريخ, وننسى ان ايهود باراك هو قاتل أبويوسف النجار, وكمال ناصر, وكمال عدوان في مجزرة الفردان, وهو قاتل الشهيد أبوجهاد حيث قاد بنفسه العمليتين الاجراميتين. ان منهجية عمل ايهود باراك للمرحلة المقبلة تستند الى الأمن مقابل السلام وان القدس هي العاصمة الابدية لاسرائيل, والاصرار على بقاء المستوطنات تحت السيادة الاسرائيلية, والسيطرة الاسرائيلية على غور الاردن, وان أي اعلان لدولة فلسطين يعتبر عملا احادي الجانب وهو مرفوض كليا, وهذه الأسس هي ذاتها التي أعلنها باراك بنفسه قبل وبعد الانتخابات, وتضمنها خطابه بعد الفوز. ومع ذلك اعتبره الكثيرون من عربنا بمثابة (محمد الفاتح) . ان المرحلة المقبلة باختصار هي احرى بأن تسمى مرحلة تطبيق وثيقة عباس ــ بيلين, وفق التعديل الذي أدخل عليها في مناقشات العمل والليكود في ربيع عام 1998 وأذيع في بيان مشترك لنوابهما. وستبدأ هذه المرحلة بادخال الجانب الفلسطيني في متاهات جديدة تضمنتهاوثيقة عباس ــ بيلين التي تشبه سما زعافا ملفوفا بورق سوليفان لماع. وسنرى في القريب العاجل على أرض الواقع خطوات متسارعة باتجاه الشرق أوسطية التي وضع نظريتها شيمون بيريز, وباتجاه اغلاق ملف اللاجئين وانجاز تهويد القدس, وتكريس واقع المستوطنات وتحويل أبوديس الى عاصمة للدولة الفلسطينية, بديلا عن القدس. الأسس ذاتها * أما فؤاد دبور الأمين العام المساعد لحزب البعث العربي التقدمي فيقول: لا يهمنا التفاصيل والاسلوب بين هذا وذاك, وإنما تهمنا الأساسيات والجوهر, والحكم من خلال المعطيات المتوفرة بين ايدينا والمعلنة من قبل باراك. ففيما يخص المسار الفلسطيني هناك مجموعة قضايا مؤجلة لمرحلة الحل النهائي, وهي بشكل أساسي تختص بموضوع القدس. وباراك يعلن ليل نهار مؤكدا على ان القدس هي العاصمة الموحدة والابدية للكيان الصهيوني. ولا فرق في هذا بين باراك ونتانياهو وغيرهما من الصهاينة. وفي موضوع المستوطنات فإن باراك وحزب العمل يرى ان هذه المستوطنات منها ما هو سياسي, ومنها ما هو أمني, كما يرى انه يمكن تجميع هذه المستوطنات وليس تفكيكها واخراجها سواء من الضفة أو القطاع أو الجولان. اما من حيث الالتزام بقرارات الشرعية الدولية 242 و338 و425 والعودة الى خطوط الرابع من يونيو, وعلى كافة الجبهات سواء كانت في فلسطين أو في سوريا وجنوب لبنان, فهو يعلن ان لا انسحاب أو عودة الى خطوط الرابع من يونيو, وان امن اسرائيل بالنسبة اليه شيء هام ومقدس. وفيما يخص موضوع اللاجئين فإن حزب العمل يؤمن بأن حل قضية اللاجئين الفلسطينيين يمكن ان يتم من خلال استيعابهم وتوطينهم حيث يتواجدون. ويمكن ان تساهم اسرائيل في تحسين أوضاعهم المعاشية, كما فعلت حين استوعبت اليهود المهاجرين اليها من الاقطار العربية. وهذا يعني ألا عودة للاجئين الفلسطينيين الى أراضيهم ووطنهم, ولا فرق في هذه الامور الأساسية والهامة بين نتانياهو (الليكود) وبين باراك (العمل), فكلهم يعمل لمصلحة كيانه وأهدافه التوسعية بالطريقة التي يراها مناسبة اما بخصوص الجولان فإن باراك لم يعلن موقفا واضحا يؤكد البناء على ما تم التوصل اليه مع حكومة العمل السابقة التي توقفت في فبراير 1996. ولم يطرح بأنه سيسحب قواته من الجولان, بل أبقى الموقف غامضا تجاه هذا الأمر. وبالنسبة لجنوب لبنان فقد أعلن انه سينسحب منه خلال سنة, ومن الواضح ان باراك يهدف من هذه المهلة الدخول في مساومات ومناورات. ولم يعلن باراك هذا الا انصياعا لرغبات العديد من الناخبين الاسرائىليين, وبسبب الضغوط المتزايدة لنضال الحركة الوطنية اللبنانية. ومن هذه الاساسيات لانرى فارقا بين الطرفين, واذا كانت هناك فروق فهي في التفاصيل الصغيرة وليست في الاساسيات. * ويؤكد الدكتور احمد قادري نقيب اطباء الاسنان ان نتانياهو وباراك وجهان لعملة واحدة, ولن تكون هناك تغييرات جذرية في الرؤية الاستراتيجية للنهج الصهيوني. فهو نهج مبرمج ومدروس, وتختلف الآراء بين الاثنين حول طريقة الوصول الى هذه الاهداف وتحقيقها على الواقع, ولكنهما لايختلفان على الاهداف والنتائج نفسها. انا اعتقد بأن مراجعة التاريخ الحديث تؤكد ان الحروب التي شنتها اسرائىل على الدول العربية جاءت على ايدي القيادات العسكرية الصهيونية التي عادت الان الى سدة الحكم, وللاسف فان الجميع يصفق لها باعتبارها من دعاة السلام. قد يكون هذا التغيير في صورة القيادة الصهيونية, يهدف الى ادخال عناصر جديدة للعملية السلمية, واستكمال طوق المحاصرة لكل من ينادي بحتمية سقوط هذه العملية من قوى وطنية وعربية وعالمية. حوارات: خليل خرمة