لعل ادق, وربما اشمل, تعليق صحفي على نتائج الانتخابات الاسرائيلية الاخيرة, وفوز زعيم حزب العمل, ايهود باراك برئاسة الحكومة خلفا لزعيم الليكود السابق بنيامين نتانياهو هو ان تغييرا جوهريا حدث في اسرائيل لكن محصلته الجوهرية ايضا هي انه يجعل الموقف العربي في المرحلة المقبلة اكثر صعوبة مما كان في المرحلة السابقة . اما تفسير ذلك فهو ان نتانياهو كان واضحا جدا, بل وبالغ الوضوح, في مجمل سياساته تجاه القضايا العربية على اختلافها, من احتلال الارض في لبنان وسوريا الى مستقبل الاراضي الفلسطينية ومدى (الحكم الذاتي) فيها الى قضية العلاقة مع الدول العربية الاخرى, بينما يختلف الامر مع خليفته باراك الذي تحيط بسياساته تجاه المنطقة سحب من الغبار الكثيف, وحتى من الدخان المتعمد, بحيث يصبح التعامل معه نوعا من (الرجم بالغيب) أو ربما الحفر في الصخر عندما تبدأ عملية التفاوض التي لا يشك احد في انها ستبدأ في الاسابيع القليلة المقبلة. اكثر من ذلك فقد اعتمد نتانياهو سياسة رفض التفاوض بالمطلق او اقله تجميد هذا التفاوض بكل الوسائل التي توفرت لديه, وان ادعى عكس ذلك على الدوام, بينما استبق باراك معركته الانتخابية بحملة واسعة جدا ـ في الداخل والخارج على السواء ـ لم يترك فيها مناسبة إلا وكرر فيها استعداده للتفاوض مع الجميع ومع سوريا تحديدا (حتى من النقطة التي توقفت فيها المفاوضات معها في العام 1996) كسبيل من ناحية لسحب قوات الاحتلال الاسرائيلي من جنوب لبنان وبقاعه الغربي خلال عام, وللوصول من ناحية اخرى الى تسوية لانهاء احتلال هضبة الجولان السورية. والفرق كبير جدا في هذا المجال فضلا عن انه واضح جدا ايضا بين الخلف والسلف, خصوصا عندما يتعلق الامر بالحاجة الى صياغة موقف عربي يكون مستعدا لدخول مرحلة جديدة من التفاوض اولا, كما انه يستطيع ثانيا انتزاع الحقوق العربية من براثن (المفاوض الصعب والعنيد) وفق الوصف الذي يطلقه الاسرائيليون على رئيس وزرائهم الجديد. مؤشرات مستقبلية الى أين من هنا؟ يتساءل البعض. الواقع ان اية قراءة متأنية للمواقف التي اتخذها باراك في حملته من اجل الانتخابات ثم بعد اعلان فوزه فيها, تكشف عددا من المؤشرات للمستقبل يمكن ادراجها كما يأتي: * فيما يتصل باتفاق اوسلو, الذي وافق عليه باراك شخصيا في العام 1993 ثم اعترض على برنامجه التنفيذي تحت اسم (اتفاق طابا) بعد ذلك, والاتفاق الآخر الذي وقعه نتانياهو مع رئيس السطة الفلسطينية في (واي ريفر) ثم عمد الى وضعه في الثلاجة بعد تنفيذ جزء يسير منه, تتحدث اجهزة الاعلام الاسرائيلية عن توجه باراك الجدي الى استئناف تنفيذ الاتفاقين وخاصة الاخير منهما (برغم اعلانه ان سيعيد دراسة اتفاق (واي ريفر) تحت شعار انه لم يقرأه بتفاصيله ولم يعرف ماذا نفذ وماذا لم ينفذ منه). وذلك ان لم يكن لشيء فمن اجل ان يتجاوز مرحلة سوء التفاهم بين اسرائيل والولايات المتحدة الامريكية بسبب الضرر الكبير الذي الحقه نتانياهو بسمعة الدولة العظمى الوحيدة في العالم وسمعة الرئيس الامريكي بيل كلينتون شخصيا نتيجة تجميده المتعمد لمسيرة هذا الاتفاق. لكن ذلك لن يكون بالسهولة التي يظنها البعض في كل حال, اذ لا يعني الحديث عن (اعادة درس الاتفاق.. لعدم معرفة تفاصيله) إلا السعي للدخول في نفق جديد من المفاوضات الصعبة مع السلطة الفلسطينية, وحتى مع الولايات المتحدة نفسها, سيحاول فيها باراك انتزاع المزيد من التنازلات الفلسطينية الجوهرية ان لم يكن في مجال رقعة الارض التي يتناولها الاتفاق فأقله في مجال الحقوق السياسية والتجارية والاقتصادية والمائية تحديدا, فضلا عن الحقوق الامنية عشية بدء المفاوضات حول الوضع النهائي للاراضي الفلسطينية المحتلة كما تصر الولايات المتحدة حاليا. عندما يضع باراك المفاوض الفلسطيني ومنذ اللحظة الاولى امام جدار مثلث هو (قدس موحدة والى الابد) و(لا عودة بأية طريقة الى حدود العام 1967) و(لا جيش اجنبيا بين اسرائيل ونهر الاردن) فهو انما يعبر عمليا عن حقيقة طرحه امام هذا المفاوض في المرحلة المقبلة. * فيما يتصل بالمفاوضات مع سوريا يبدو شبه مؤكد حتى قبل اجراء الانتخابات ان لدى باراك نية للتعامل مع المسارين اللبناني والسوري على قاعدة انهما مسار واحد, وان لم يكن من زاوية المفهوم اللبناني والسوري لهذه الوحدة واعلان احد نواب حزب (العمل) الجدد افرايم سنيه, قبل يومين ان (الاولوية الاولى لباراك هي بدء التفاوض مع سوريا) ليس سوى اشارة بالغة الوضوح, خصوصا اذا بدأت المفاوضات السورية ـ الاسرائيلية في وقت قريب, الى هذه النية. العامل الاهم لكن عامل الضغط الاهم هنا يكمن عمليا فيما يطلق عليه الاسرائيليون علنا اسم (المستنقع اللبناني) وفي الرغبة الملحة لدى الاطراف الاسرائيلية على اختلافها في اخراج جنود الاحتلال من هذا (المستنقع) في اقرب فرصة ممكنة, وعمليا فلدى باراك, كما لدى واشنطن ايضا, قناعة شبه ثابتة بأن لا قدرة على ايجاد حل لهذه المشكلة من دون التفاهم مع دمشق ان على موضوع الجنوب اللبناني او على موضوع الجولان السوري, ومن هنا يصبح مفهوما ما نشرته صحيفة (يديعوت احرونوت) الاسرائيلية عن خطة باراك القائمة على خمسة بنود يتم فيها التفاوض مع سوريا حول الجولان, في الوقت الذي تتحرك فيه الدولة الراعية لمؤتمر مدريد (الولايات المتحدة الامريكية) اضافة الى الاتحاد الاوروبي وروسيا وقوات الامم المتحدة الموجودة في الجنوب اللبناني, لضمان فترة من الهدوء في الجنوب ـ عبر وقف العمليات التي تقوم بها المقاومة اللبنانية ـ تمهيدا لاعادة انتشار القوات الاسرائيلية في المنطقة ثم انسحابها تدريجيا منها. ولان الموقف السوري كان ولايزال يصر على ضرورة استئناف المفاوضات من النقطة التي انتهت اليها في (واي ريفر) قبل وصول نتانياهو الى السلطة في اسرائيل, فإن المقربين من باراك يلمحون الى امكان الموافقة على هذا المطلب السوري, وان كانوا يسربون في الوقت ذاته معلومات متباينة جدا عن (الغموض) الذي يحيط بتلك النقطة. وعمليا ففي سياق الغبار الكثيف الذي يطلق بشكل متعمد هنا, تتحدث بعض اجهزة الاعلام الاسرائيلية صحيفة (يديعوت احرونوت) عن الخطة الخماسية المشار اليها بينما تتحدث اجهزة اخرى صحيفة (صاندي تايمز) البريطانية, عن خطة اخرى تفيد بإمكان الانسحاب من الجولان كله ولكن الى الحدود الدولية وليس الى حدود 4 يونيو كما تطالب سوريا, في الوقت الذي تقول اجهزة ثالثة, صحيفة (هآرتس) الاسرائيلية, ان لاخطة جاهزة لدى باراك او لدى الفريق الذي يعمل معه بعد بخصوص جنوب لبنان او بخصوص الجولان. واذن فالمفاوضات هي المطروح حاليا ولكن مرة اخرى هي (المفاوضات الصعبة) بل والصعبة جدا. * بناء على ذلك كله, اي على استئناف المفاوضات مع السلطة الفلسطينية من ناحية وسوريا ولبنان من ناحية اخرى تحت شعار اعادة احياء مؤتمر مدريد ومسيرة التسوية التي انطلقت منه سيدعو ايهود باراك بدعم من واشنطن طبعا الى اعادة احياء المفاوضات متعددة الاطراف وربما انجاز خطوات جدية وسريعة على مسارها. هذه المفاوضات لمن يحتاج الى ما ينعش ذاكرته بعد ثلاث سنوات من الجمود في عملية التسوية, تتعلق بالتعاون المباشر في المجالات الاقتصادية والمالية والتجارية فضلا عن تبادل مكاتب التمثيل والمشاريع التنموية المشتركة الخ.. على امتداد المنطقة كلها, وخاصة بين اسرائيل والدول العربية التي لا حدود لها مع اسرائيل ولا ترتبط مباشرة بالصراع العربي الاسرائيلي. ومما لا شك فيه ان من شأن اعادة طرح هذا الموضوع في المرحلة المقبلة ان تضع الدول العربية امام سؤال مباشر عن جدوى المرحلة السابقة كلها وبالذات عن جدوى بعض الاشارات الايجابية التي قدمتها بعض هذه الدول لاسرائيل (والبعض يقول لواشنطن اساسا) في ما يتصل بفتح الباب امام الزيارات المتبادلة او بفتح مكاتب التمثيل او حتى بالتلويح بمشروعات مشتركة في مجال استثمار الغاز او غيره. واذا اخذ في الاعتبار ان واشنطن كانت المبادر الاول والمحرك الاساسي لهذا النوع من المفاوضات تحت شعار (السعي لاقناع الرأي العام الاسرائيلي بجدية توجه العرب نحو التسوية) فمن المؤكد انها ستكون مرة اخرى الآن عامل الضغط الاول وربما الاكثر عنفا على الدول العربية من اجل انجاح هذه المفاوضات. ما يبقى هو ان ايهود باراك يختلف عن سلفه بنيامين نتانياهو اساسا في نقطة واحدة وربما تكون الوحيدة هي انه لا يريد, كما كان امر سلفه طيلة الفترة الماضية, تجميد المفاوضات على المسارات المختلفة.. إلاانه قد لا يختلف عنه كثيرا في تصور النتيجة النهائية لهذه المفاوضات. اذن فهي مفاوضات صعبة, وربما صعبة جدا, تلك التي ستشهدها المنطقة في المرحلة المقبلة, وعلى المسارات كلها, الثنائية منها ومتعددة الاطراف على حد سواء. نائب رئيس تحرير (السفير) اللبنانية