منذ ان نشر الصحفي والكاتب البريطاني المعروف باتريك سيل تصريحات للرئيس السوري حافظ الاسد وايهود باراك رئيس وزراء اسرائيل وفي وقت واحد , ووكالات الانباء والصحف العربية والعالمية والعديد من المراقبين والسياسيين عربا واجانب يتحدثون بشيء من التفاؤل عن قرب استئناف محادثات السلام على المسار السوري.. وهناك من رأى في التصريحين اشارات تعنى ان الجانبين السوري والاسرائيلي عادا بشكل او بآخر الى فترة ما قبل اغتيال اسحاق رابين رئيس الوزراء الاسرائيلي الاسبق, حيث كانت المفاوضات بينهما بشأن التسوية السلمية قد وصلت الى مراحل متقدمة. بلا ادنى شك انه ومع مجيء ايهود باراك الى رئاسة الحكومة الاسرائيلية فتح الباب امام العديد من التكهنات والاجتهادات, منها الايجابي ومنها السلبي.. فهناك من يرى وباقتناع تام ان باراك لن يكون افضل حالا من سلفه نتانياهو الذي فعل كل ما يستطيع لتدمير عملية السلام, في حين هناك من يرى عكس ذلك ويؤكد ان باراك يضع في سلم اولوياته ليس استئناف محادثات السلام على المسارات كافة ومن حيث توقفت وحسب, بل انه مصمم على انجاز عملية السلام في وقت قصير جدا قد لا يتجاوز العام على ابعد تقدير. ودون الدخول في التفاصيل او الوقوف مع هذا الرأي او ذاك, فان معظم العرب يميل الى اعتبار باراك رجل سلام ويسعى لتحقيقه, او هو الاكثر قدرة على العمل لاحياء عملية السلام وانجاز اهدافها الموضوعة.. وعلى هذا لابد من اعطاء باراك فرصة, لكن بشرط ان نقرأ بدقة ما يصدر عنه ومجموعته بشكل موضوعي بعيدا عن التشنج واطلاق المواقف المسبقة, ربما يكون جادا في العمل من اجل سلام حقيقي يستند الى الشرعية الدولية وقراراتها 242 ـ 338 ـ 425 كما اورد هو شخصيا. صحيح ان باراك وبعد فوزه بالانتخابات مباشرة اطلق مجموعة (لاءات) تعني اذا ما بقي متمسكا بها انه لن يكون فعلا احسن حالا من سلفه نتانياهو.. غير انه من الصحيح ايضا التريث قليلا الى ما بعد تشكيل حكومته, حيث يفترض ان يعلن برنامجه بوضوح لنرى ماذا سيكون وماذا سيفعل. وعند ذلك نقرر.. فاذا اكد التزامه بعملية السلام وفق مرجعية مدريد ومبدأ الارض مقابل السلام, فعلى الجانب العربي عندها ان يرحب بذلك ويلتقيه في منتصف الطريق.. اما اذا قرر السير في خط سلفه نتانياهو واصر على سياسة التوسع وعدم التسليم بالحقوق العربية, فمن واجب العرب عند ذلك العمل على اتخاذ كل ما من شأنه تعزيز موقفهم لاستعادة حقوقهم كاملة. صحيح ان الرئيس الاسد اشار في حديثه للصحفي البريطاني باتريك سيل الى ان باراك بعد فوزه الكاسح في الانتخابات لديه القدرة على تحقيق السلام اذا ما رغب بذلك, غير ان الرئيس الاسد لم يجزم بان باراك سيفعل ذلك.. ثم ان ما قاله الرئيس الاسد عن موقف سوريا ليس بجديد اطلاقا, بل انه عاد واكد على الثوابت السورية المعروفة من عملية السلام لا أكثر.. ايهود باراك من جانبه اكد على اهمية سوريا واهمية السلام معها, وان على اسرائيل ان تبذل جهدا فائقا للتوصل الى معاهدة سلام مع سوريا, لانه كما يرى فالسلام مع سوريا يعني التوصل الى نهاية شاملة لعقود من الصراع في الشرق الاوسط ومع ذلك لم نسمع من باراك ما يشير بوضوح الى انه سينسحب من الجولان الى خطوط الرابع من يونيو عام 1967 وهذا هو شرط سوريا الاكيد لتفعيل عملية السلام. المحك العملي والواقع انه ليس باراك وحده الذي سلم بموضوع اهمية السلام مع سوريا ولم يقدم على تنفيذ ما هو معتقد به, بل سبقه الى ذلك اسحاق رابين وشمعون بيريز.. فاسحاق رابين رئيس الوزراء الاسرائيلي الاسبق قال مرارا ان من يتحدث عن السلام مع سوريا دون الانسحاب من الجولان انما يكذب على نفسه, ومع ذلك لم يفعل. وكذلك شمعون بيريز رئيس وزراء اسرائيل الاسبق, والاثنان على كل حال من حزب العمل, عاد وكرر قبل ايام ان السلام مع سوريا يعني السلام مع العرب جميعا.. وعندما كان في رئاسة الحكومة قال هو الاخر ان السلام مع سوريا يعني الانسحاب من الجولان, لكنه لم يفعل.. وسوريا لم تقل ان باراك سيعمل لتحقيق السلام المفترض, لكنها في ذات الوقت قالت انه قادر على ذلك اذا ما رغب.. نعم.. هذا الواقع, فسوريا في القضايا الحساسة لا يبهرها اي شيء فالثابت انها تتعامل مع الواقع كما هو تماما.. وعودة الى عام 1996 اي قبل مجيء نتانياهو الى الحكم, فلا اسحاق رابين ولا شمعون بيريز اللذان تحدثا كثيرا عن اهمية السلام مع سوريا فعلا ما يجب فعله.. وبقيت الامور على ما هي عليه في عهد نتانياهو وجمدت عملية السلام نهائيا.. والان مع مجيء باراك وبعد ان اطلق بعض التصريحات بشأن رغبته في العمل من اجل السلام, فقد تفاءل المراقبون والمهتمون بعملية السلام بقرب التوصل الى تسوية بين سوريا واسرائيل. قد يكون ذلك امرا طبيعيا, لكن يخشى ان يكونوا قد اخذوا بالكلام المعسول وتجاهلوا ان باراك حتى هذه اللحظة لم يكن واضحا في اي طرح فيما يخص عملية السلام بشكل عام.. وهنا يصح القول بان مجمل مواقفه وتصريحاته الى الان يلفها الغموض بل وتدعو الى الريبة في بعض الاحيان.. لاسيما وان (لاءاته) المعروفة التي اطلقها اثر فوزه بالانتخابات مباشرة قد تكون ذاتها برنامج عمله المستقبلي.. واذا ما صح ذلك فهذا يعني لا خلاف على الاطلاق بينه وبين سلفه نتانياهو.. وعندما نطالب العرب جميعا بضرورة الحذر واليقظة اكثر واكثر, نقول بصراحة ان ما يدفعنا الى ذلك هو تودد باراك الزائد الى حزب الليكود.. هو يبرر ذلك بانه يريد حكومة موسعة تستطيع اتخاذ القرارات الصعبة, لكن ما هي هذه القرارات؟ لم يفصح.. هل تعني الانسحاب من الاراضي العربية المحتلة لاقامة سلام عادل وشامل في المنطقة ام ماذا؟ في الحقيقة لم يوضح.. ما من شك ان هناك قوى في اسرائيل اخذت تعمل بقوة لاقامة سلام شامل مع العرب, حتى ان نتانياهو قد اعترف متأخرا او مرغما بعد هزيمته اذ قال: ان الفكرة الصهيونية التي تعني اقامة اسرائيل الكبرى سقطت, وان غالبية الاسرائيليين يريدون السلام.. وهنا نذكر ايضا ما قاله يوسي بيلين الذي يعتبر منظرا لحزب العمل الذي يتزعمه باراك, فقد قال: (ان الارض اقل اهمية في عصر الصواريخ والقنابل المتطورة, ودعا الى الانسحاب من الارض مقابل الوعد بعلاقات جوار معقولة ووجود تدابير انذار مناسبة. في مطلق الاحوال.. ما يدور في اسرائيل من جدل حول السلام من المهم جدا الاهتمام به وتشجيع الايجابي منه لاننا كعرب دعاة سلام, لكن يبقى الاهم هو التريث في اطلاق الاحكام لاسيما وان الموضوع الاهم بالنسبة لنا نحن العرب وهو الانسحاب من الارض المحتلة, لم يحسم بعد من قبل الجانب الاسرائيلي كما هو مفترض او كما يجب. تكهنات واشارات صحيح ان بعض الاشارات التي صدرت هنا وهناك وتحديدا من الجانب الامريكي قد تشير بشكل او بآخر الى ان موضوع استئناف محادثات السلام اصبح قاب قوسين, لاسيما بعد المحادثة الهاتفية التي اجراها الرئيس الامريكي بيل كلينتون مع الرئيس حافظ الاسد بعد فوز باراك في الانتخابات.. الا ان المؤكد هو ان الموقف السوري ينطلق في موضوع الصراع العربي الاسرائيلي من ثوابت محددة يستحيل على اي كان تجاوزها فهي في حكم المقدسات.. ثم ان الذين يعرفون سوريا وقيادتها السياسية عن قرب يدركون ولاشك ان السياسة السورية لا تبنى على العواطف اطلاقا.. فلكل حدث حساباته الدقيقة, ويخطىء كثيرا من يرى غير ذلك. والصحفي البريطاني باتريك سيل كان في غاية الوضوح عندما نقل عن الرئيس حافظ الاسد قوله: ان سوريا على استعداد لاستئناف المفاوضات من نقطة توقفها وصولا الى سلام يوفر الامن والاستقرار للجميع.. والسلام المعني هنا: الانسحاب من الجولان الى خط الرابع من يونيو 1967, ومن ثم جاءت تصريحات جيمس بيكر وزير خارجية امريكا الاسبق الذي التقى الرئيس الاسد قبل ايام لتعزز ذلك حيث قال هو الاخر: ان الموقف السوري واضح للجميع ومعروف.. السوريون مستعدون لاستئناف المفاوضات من حيث علقت فالسلام بالنسبة لهم خيار استراتيجي. وعما اذا كانت تصريحات باراك واضحة فيما يخص المسار السوري قال بيكر: هناك محاضر للمفاوضات السابقة تعرض بشكل واضح الموقفين السوري والاسرائيلي الى جانب مساهمة الولايات المتحدة التي كانت حاضرة جميع مراحل المفاوضات في واي بلانتيشن بواشنطن.. وهكذا فالمواقف واضحة لجميع الاطراف, وموقف سوريا في واقع الامر واضح منذ ان بدأت عملية السلام في خريف عام 1991 وحتى اللحظة.. فليس لديها اسرار في هذا الموضوع وكل شيء معلن.. فهي تؤكد باستمرار انها مع السلام العادل والشامل المستند الى الشرعية الدولية ومرجعية مدريد ومبدأ الارض مقابل السلام.. وشعار سوريا المعروف هو: (الارض مقابل السلام) . بلا ادنى شك قد يكون من الممكن جدا استئناف محادثات السلام في وقت قد لا يتجاوز شهر اغسطس المقبل كما ترى مصادر عديدة ومن حيث توقفت, هذا اذا صدقت حكومة باراك في توجهاتها واستجابت لمتطلبات السلام الحقيقي.. ومع ذلك فهذا لا يعني ان كل شيء سوف يسير كما هو مفترض.. فمن السابق لأوانه هنا الحديث عن امكانية التوصل الى اتفاقية سلام كما يروج بعضهم, اذ هناك من يرى ان الاتفاقية قريبة جدا.. بالتأكيد هذا تفاؤل في غير محله.. على اي حال كل شيء فيما يخص هذا الموضوع, اي الوصول الى معاهدة سلام, يتوقف بالمطلق على الموقف الاسرائيلي على اعتبار ان الجانب العربي قدم كل ما لديه لانجاز عملية السلام باعتراف العالم كله.. وبالنسبة لسوريا ولبنان فان سياستهما واضحة وثوابتهما اكثر وضوحا.. اما الجانب الاسرائيلي الذي يكثر الحديث هذه الايام عن السلام واهميته فمازال غير واضح في مواقفه.. بل ان بعض المؤشرات لا تبشر بالخير ولا تدعو الى التفاؤل اطلاقا.. وعلى سبيل المثال لا الحصر, فالعدوان الوحشي الواسع الذي نفذته الطائرات الاسرائيلية مؤخرا والذي استهدف البنى التحتية اللبنانية وقتل وجرح العشرات من اللبنانيين.. بالتأكيد مثل هذه الاعمال لا يمكن ان تخدم عملية السلام ولا تساعد في الجهود المبذولة لاحياء العملية السلمية.. واذا ما استمرت مثل هذه السياسة بعد تشكيل حكومة باراك, فهذا يعنى ان المنطقة مقبلة على دورة جديدة من العنف وليس على السلام. وعلى هذا فسوريا ولبنان باعتبار ان موقفهما واحد من عملية السلام, فقد جددا تأكيدهما على ان القضية ليست بهذه البساطة.. عملية السلام ووصولها الى اهدافها الموضوعة تحتاج الى موقف جدي وواضح من حكومة باراك.. وهذا يجب ان يكون معلنا اذ من غير الجائز الذهاب الى المفاوضات دون معرفة حقيقة الموقف الاسرائيلي من مستقبل عملية السلام. الموقف الأمريكي بعد انتخاب باراك لرئاسة الحكومة الاسرائيلية اعلنت الادارة الامريكية اغتباطها وانها تضع في سلم اولوياتها احياء عملية السلام على الاسس التي قامت عليها اصلا في مدريد والادارة الامريكية التي انتهت للتو من (ورطة) حرب البلقان حيث حققت معظم ما سعت اليه, يفترض بها كما يؤكد مسؤولون امريكيون ان تؤكد مصداقيتها وتقدم على الخطوة الاولى التي طال انتظارها والمتمثلة باعادة العملية السلمية الى مسارها الطبيعي بالسرعة المطلوبة بعيدا عن المعايير المزدوجة نظرا لان الوقت يلاحق ادارة كلينتون حيث الانتخابات الرئاسية على الابواب. قد تكون الادارة الامريكية الحالية حريصة كما تقول على تحقيق سلام كامل في المنطقة خلال فترة وجيزة مما قد يساعد في انتخاب آل جور للرئاسة الامريكية, لكن هناك من لا يزال يشكك في قدرة الادارة الامريكية الحالية في احداث الاختراق المطلوب على الجانب الاسرائيلي لانجاز عملية السلام كما هو مفترض وتحقيق اهدافها الموضوعة. في كل الاحوال.. مثل هذا التشكيك قد يكون في مكانه وقد لايكون واقعيا, لاسيما وان ادارة كلينتون كانت قد ساهمت بشكل او بآخر باسقاط نتانياهو الذي سبب لها حرجا كبيرا, وهنا يجب ألا ننسى ان نتانياهو هو الذي كان هدد باحراق واشنطن. وهناك نقطة اخرى يسوقها المراقبون, الا وهي ان باراك الذي لم يكشف عن اوراقه بعد قد يكون اكثر تفهما لتوجهات الادارة الامريكية ويستجيب لطروحاتها التي لاتختلف كثيرا عن طروحات شرائح كبيرة في المجتمع الاسرائيلي, تلك الطروحات التي ترى ان السلام في صالح اسرائيل كما هو في صالح العرب ان لم يكن اكثر. خلاصة القول.. ليس مهما ما يقوله باراك او غيره من الاسرائيليين, بل ان المهم بالنسبة لسوريا والعرب عموما هو ترجمة القول للفعل.. اي تنفيذ القرارات الدولية والانسحاب من الاراضي العربية المحتلة. وسوريا كما خبرناها عبر احداث كثيرة لا تؤخذ بالعواطف عندما يكون الامر متعلقا بالقضايا الوطنية والقومية.. فسوريا لها رؤيتها الثابتة لمجمل اوضاع المنطقة ولاسيما قضية الصراع العربي الاسرائيلي, وهذه الرؤية تقوم على ثوابت محددة.. ثم ان سوريا يستحيل ان تراهن الا على ذاتها وعمقها العربي, ويخطىء كثيرا من يظن انها قد تؤخذ هكذا كما يحلو للبعض ان يتصور. صحيح ان دمشق قد تمارس تكتيكا معينا من وقت لآخر حسب الظروف, لكن المؤكد ان كل ذلك في اطار الاستراتيجية الاساسية المحددة, وفق المعايير الوطنية والقومية التي يستحيل ان تحيد عنها بوصة واحدة مهما وايا كانت الظروف. مدير تحرير جريدة (البعث) السورية