تعددت الاشارات وتزايدت التكهنات بشأن استئناف عملية السلام أو (التسوية) في الشرق الاوسط, منذ الانتخابات الاسرائيلية الاخيرة وما افرزته من فوز (الجواد الجديد في الحلبة)يهود باراك , وخاصة بعد التصريحات المتزامنة لكل من الرئيس السوري حافظ الاسد ورئيس الوزراء الاسرائيلي المنتخب (باراك) . فقد رأى البعض في هذه التصريحات مؤشرات ايجابية بالغة الاهمية, سواء من حيث المستوى الذي صدرت منه على الجانبين أو من حيث التوقيت الذي لا يمكن بأي حال اعتبار انه تم اعتباطيا أو مجرد مصادفة غير محسوبة, والاهم انها المرة الاولى التي تصدر فيها تصريحات علنية وواضحة إلى هذا الحد, خاصة من الجانب السوري. غير انه رغم التفاؤل الذي اطلقته هذه التصريحات, الا أن المتشككين في النوايا الاسرائيلية الحقيقية والمدركين لمدى تعقيد القضايا الجوهرية للصراع العربي الصهيوني, مازالوا كثرا, فالمسألة ليست مجرد نزاع حدودي أو اختلاف بين وجهتي نظر متعارضتين, وانما هو صراع عميق الجذور وبعيد المدى, ليس فقط من وجهة النظر العربية, وانما ايضا من وجهة نظر الاسرائيليين انفسهم الباحثين عن اي وسيلة لاستيعابهم في المنطقة وتقبلهم من قبل شعوبها ومجتمعاتها. وهذا الاختلاف الجذري هو ما عبر عنه مؤخرا, بعنجهية ولكن بوضوح, رئيس الوزراء الاسرائيلي الاسبق والصهيوني العتيد اسحق شامير, عندما اعاده إلى (القرن الثامن عشر والتاسع عشر وحتى الى عهد معاوية) , على حد تعبيره. اذن, القضية اكبر بكثير من ان تكون مجرد (ترف ايديولوجي) أو فورة عاطفية, مرتبطة بظرف مؤقت أو حالة آنية, وبعدها تعود الامور إلى طبيعتها وتنساب المياه في مجاريها من جديد, وكأن شيئا لم يكن. ان الصراع العربي الصهيوني, بكل ابعاده الدينية والقومية والتاريخية والاستراتيجية, وبكل التضحيات والضحايا التي قدمتها الامة العربية وعبر اجيال متعاقبة, لا يمكن ان يصل إلى نهاية حقيقية وسلام كامل الا بمعالجة القضايا الجوهرية الاساسية التي كانت وراء اندلاعه اصلا, والا فالنتيجة لن تكون سلاما دائما, وانما تسوية مؤقتة إلى حين, وقد يمتد هذا (الحين) سنوات أو عقودا, لكنه يبقى قصير الامد وقصير النظر ايضا. فعلاج الاعراض الجانبية قد يخفف حدة الالم أو يجمد الاحساس به لبعض الوقت, الا انه لا يشفي من المرض ابدا, خاصة اذا كان هذا المرض من النوع الذي يتسلل بهدوء داخل خلايا الجسم ويفتك بها واحدة بعد الاخرى, كالسرطان مثلا, أو مرض نقص المناعة (الايدز) الذي قد تكمن فيروساته فترة طويلة في الجسم قبل ان يظهر مفعولها في وهنه وتحلله, وحينها يكون قد فات الاوان على المعالجة والشفاء.