أتاحت لي الزيارة الأخيرة التي قمت بها لطوكيو الوصول لفهم أفضل حول سياسة اليابان ومواقفها تجاه موضوعات وقضايا الشرق الأوسط, ولما كان والواضح بأن اليابان تقوم بضبط سياستها الخارجية بحيث تنسجم مع سياسات حليفتها الرئيسية, الولايات المتحدة, فمن المفيد ان نتعرف على الوسائل والطرق التي تسعى وتتابع بها اليابان مصالحها الاستراتيجية عبر كل المنطقة. وفي أحوال كثيرة كانت اليابان والولايات المتحدة تتقاسمان بعض الأهداف الأساسية في الشرق الأوسط, وفي الوقت الذي كانت به الولايات المتحدة ومنذ عام 1979 تعتبر الوصول الحر لمصادر النفط والغاز في الشرق الأوسط عن طريق ترسيخها لنوع من الاقتصاد العالمي, أمرا ذا أهمية حاسمة لمصالحها الوطنية, كانت اليابان هي الدولة الأكثر اعتمادا على واردات الطاقة, وهي الحاجة التي لايمكن تلبيتها الا عبر صفقات ضخمة وترتيبات واسعة مع الدول المنتجة للنفط في الخليج. والأهم من ذلك فان اليابان مهتمة للغاية بتقدم عملية السلام في الشرق الأوسط, لعدة أسباب وأول هذه الأسباب وكما أثبتت الأحداث هو ان النزاع في المنطقة يمكن أن يسبب اضرارا كبيرة للاقتصاد الياباني, الذي يمتاز بحساسيته تجاه أي انقطاع في امدادات النفط أو ارتفاع مفاجئ وكبير لأسعاره. وبالاضافة لذلك, فإن طوكيو ولأسباب دستورية لا تستطيع ارسال أي قوات أو أسلحة لفض أي نزاع يمكن أن يشهده الخليج, وعدم القدرة هذه على المشاركة في عمليات حربية في اطار أي تحالف قتالي يمكن ان تفرز أصداء سياسية سلبية في الولايات المتحدة تجاه اليابان وتحديدا في الكونجرس, كما شاهدنا ذلك اثناء حرب الخليج عام 1990 - 1991. والعامل الثالث, والذي كان ظاهرا منذ الثمانينات عندما استطاعت اليابان ان تصبح قوة اقتصادية عالمية, هو اقرار طوكيو بأن اليابان ينتظر منها ان تساهم في الاستقرار والتقدم العالمي وحتى في المناطق البعيدة عن شمال شرق آسيا حيث المحيط الاقليمي لليابان. ولكل هذه الاسباب فان اليابان في خلال حقبة التسعينات كانت تنظر لما هو ابعد من مجرد الانشغال بمصالحها الاقتصادية فقط في منطقة الشرق الاوسط وان تلعب دورا سياسيا يسعى لايجاد حلول للنزاعات المزمنة بوسائل مكملة لجهود المجموعة الدولية. ففي عملية السلام العربية الاسرائيلية قامت اليابان برعاية واحد من المسارات الخمسة المتعددة الاطراف هي مفاوضات مدريد, وكان ذلك المسار هو ذلك الخاص (بمجموعة العمل حول البيئة) , و التي بدأت اعمالها عام 1992 كما كانت المساعدات الاقتصادية اليابانية لدول الشرق الادنى تهدف عبر سنوات عديدة لتعزيز الاستقرار في دول المنطقة. وفي وقت مبكر من هذا العام, قام وزير خارجية اليابان كومورا بتزكية عناصر مقترحة لصياغة فهم ايجابي بين كل من اسرائيل ولبنان وسوريا يسمح بانسحاب القوات الاسرائيلية من جنوب لبنان بما يتفق مع قرار مجلس الامن الدولي رقم ,425 وبدفع المنطقة نحو سلام عربي اسرائيلي شامل يتضمن سوريا. وتحتفظ اليابان مسبقا بقوة عسكرية ضمن قوات الامم الخاصة بفصل المتحاربين في مرتفعات الجولان, وهذه الالتزامات مجتمعة جعلت من اليابان سندا متميزا لعملية السلام. كذلك فقد التزمت طوكيو خلال الازمة في العراق بقرارات مجلس الامن التابع للامم المتحدة. ولم يكن هذا الالتزام سهلا على الدوام بالنسبة للحكومة اليابانية, باعتبار ان بلدانا اخرى كثيرة ذات حاجة اقل بكثير لواردات النفط مما هي على الحال بالنسبة لليابان, قد تفاوضت , بل وقعت اتفاقيات للتنقيب على النفط وانتاجه مع نظام صدام حسين. وما زال لليابان اولويات مهمة اخرى, من بينها طموحها لان تصبح عضوا دائما في مجلس الامن الدولي عندما يتم توسيعه مستقبلا, فلقد كانت طوكيو حذرة جدا بعدم معارضة اي مواقف سياسية للولايات المتحدة وبريطانيا التي يتم تبنيها في مجلس الامن, وبكل تأكيد, فان اليابان تشارك الرأي كثيرا من الحكومات بضرورة احتواء اسلحة الدمار الشامل لدى العراق بشكل كامل ونهائي, ونتيجة لالتزام اليابان هذا بسياسة الولايات المتحدة تطبيق العقوبات, فقد أبلغها العراق بأنها غير مؤهلة للتقدم بأي عطاءات في قطاع النفط. وهكذا تدفع اليابان الآن الثمن الاقتصادي المترتب على اولويات السياسة الخارجية التي وضعتها لنفسها. وفيما يتعلق بايران, فان لليابان دوافع لاتباع سياسة مغايرة للسياسة الامريكية. فايران, في نهاية الامر هي الاقرب جغرافيا لليابان من كل المنتجين الرئيسيين للنفط في الخليج. لا سيما ان اليابان لا تشارك الاخرين تاريخهم المضطرب بالتوتر المتبادل والعداء بين الولايات المتحدة وايران. فالدبلوماسيون ورجال الاعمال اليابانيون قادرون على ممارسة انشطتهم العادية في ايران التي تبدي لهم تقديرا خاصا لدورهم في عملية التنمية الاقتصادية في ذلك البلد, وهي المعاملة التي لا يتمتع بها الامريكيون. مع ذلك كانت اليابان حذرة للغاية من الابتعاد بنفسها عن سياسة العقوبات من جانب واحد التي تتبعها الولايات المتحدة ضد ايران, فالقادة اليابانيون يدركون بأن الذي يهيمن على طبيعة العلاقات الامريكية الايرانية والتي تعود لاحتلال السفارة الامريكية في طهران وازمة الرهائن عام 1979 ذات حساسية خاصة للشعب الامريكي, ولا يرغب هؤلاء القادة في الحاق الاذى بصورة اليابان في امريكا وحتى مع قيام بعض الشركات النفطية من دول الاتحاد الاوروبي بالتفاوض حول اتفاقيات للاستثمار في القطاع النفطي الايراني, وما مثله ذلك من تحد مباشر لسياسة العقوبات الامريكية. فإن طوكيو نأت بنفسها عن اتخاذ خطوة مماثلة على الرغم من حاجتها الماسة لامدادات نفطية يمكن الوثوق بها. وذلك رغبة منها بتجنب اي خلاف سياسي على مستوى عال مع الولايات المتحدة. ومؤخرا قررت الحكومة اليابانية ان ترفع تمويلها لمشروع سد قارون جنوب شرق ايران, بعد ان كانت قد علقت مشاركتها في هذا المشروع ست سنوات, والواضح ان طوكيو ارادت ان تعترف بالتوجهات السياسية الحكيمة داخل ايران والتي عبرت عنها سياسات الرئيس الايراني محمد خاتمي. وعلى كل فمن الممكن ايضا ان يكون هذا التمويل قد تم تقديمه لاسباب عملية للغاية تحديدا لضمان استكمال بناء الكتلة الاساسية للسد. وبالتالي تجنب اي تصدع في علاقتها مع حكومة خاتمي بعد رفضها المستمر لدعم هذا المشروع. والمبادرة لتمويل مشروع سد قارون الجديد لا تعني بالضرورة بأن اليابان سوف تقدم الموارد المالية الاضافية التي تسعى ايران للحصول عليها بهدف الانتهاء من ذلك المشروع, او ان طوكيو تقوم الآن بفصل سياستها بشأن ايران عن سياسة واشنطن, فاليابان لها مصالحها وتحفظاتها الخاصة فيما يتعلق ببرامج ايران لانتاج الصواريخ والاسلحة النووية, وتحديدا بعد الكشف عن العلاقة بين هذا البرنامج الايراني بالبرامج التسليحية في كوريا الشمالية, وقبل سنوات قليلة مضت تلقى الشعب الياباني درسا عما يعنيه الارهاب, وذلك حينما قامت مجموعة دينية متطرفة بمحاولة تسميم الجمهور في احدى محطات الانفاق في طوكيو. وهذه الاسباب مجتمعة تدفع اليابان لدعم عمليات التحديث على الجانب الايراني. اذا ما هي يا ترى التفاعلات التي تفرزها هذه السياسة اليابانية على جانب دول مجلس التعاون الخليجي؟ للاجابة على هذا السؤال اقول بأن السياسة الخارجية اليابانية الهادئة لكن الفاعلة في الترويج للسلام والاستقرار في الشرق الادنى والعراق وايران, تهدف اساسا لضمان امداداتها الاساسية من نفط المنطقة تحديدا الامارات العربية المتحدة والكويت والسعودية وقطر. وعلى الرغم من ان الساسة اليابانيين لا يريدون القاء الضوء على مواقفهم السياسية, إلا انه من الواضح بأن اليابان وبشكل متزايد تنتهج الآن رؤى عالمية في سعيها للاحتفاظ بشراكتها الاقتصادية الطويلة الاجل مع دول الخليج. * مسؤول عسكري وسياسي امريكي بين عامي 1981 ـ 1993 وشريك مؤسس لشركة ارميتاج الاستشارية الامريكية.