فيما ازدادت حدة الخلاف داخل المؤتمر الوطني الحاكم في السودان وأصبحت بيانات وتصريحات قياداته تنفي بعضها البعض في حدة قرر المكتب القيادي للمؤتمر الذي يترأسه الفريق البشير رئيس الجمهورية ان يكون الأسبوع الأول من شهر أغسطس المقبل موعدا أقصى لانعقاد المؤتمر القومي العام للتنظيم الحاكم وسط تكهنات ترجح ظهور العديد من الاجراءات بين تيارات المؤتمر الوطني المتعددة. ففي الوقت الذي أكدت مصادر مطلعة على خبايا المؤتمر الحاكم لـ (البيان) من اعداد طبق على نار هادئة لاحداث تعديلات جوهرية في دوائر وأمانات المؤتمر وصفتها بأنها تكرس للتيار المعتدل, قللت مصادر أخرى مسؤولة بالمؤتمر من أهمية الخلاف وفرضت التعليق على الحديث عن التعديلات الجوهرية المتوقعة, وفي الوقت ذاته كثف قياديان اسلاميان منفلتان عن المؤتمر الحاكم انتقاداتهما للحكومة ووصفاها بأنها ليست بحكومة الحركة الاسلامية, وانما هي حكومة تسيطر عليها مجموعة من الاسلاميين, ونعى أحدهما وهو منظِّر معروف (المشروع الاسلامي) فيما توقع الأخر انشقاق الحركة الاسلامية. وقالت مصادر مطلعة كانت تعد ضمن القيادات المقربة من د. الترابي الزعيم المتنفذ في النظام ان بعض القيادات الاسلامية قد شرعت في وضع خطط ودراسات يتم بموجبها احداث تعديلات جوهرية في هياكل المؤتمر الوطني, ومن المقرر ان تعرض هذه الخطط كمقترح للمؤتمر العام للحزب الحاكم, ووصفت المصادر هذه التعديلات بأنها ستكرس لما أسماهم بالقيادات المعتدلة, وتوقعت ذات المصادر ان يشهد المؤتمر العام المقبل صراعا أشبه بصراع (مذكرة العشرة) الشهيرة, وقالت ان كافة التفاعلات داخل المؤتمر الحاكم تشير إلى ذلك خاصة ان مذكرة العشرة لم تخفف أهدافها بصورة كاملة في اشاعة الشورى داخل التنظيم الحاكم, على حد قولها. ودلل على ذلك باجتماع جنيف مع الصادق المهدي زعيم حزب الأمة المعارض الذي لم يخطر به د. الترابي سوى عدد قليل من المقربين إليه, لكن أحد قيادات المؤتمر الوطني ممن التزموا بموقف محايد ابان صراع مذكرة العشرة قلل من أهمية الخلاف الدائر الآن بين قيادات المؤتمر الوطني ورفض التعليق على ما سبق ذكره من معلومات قائلا ان المؤتمر العام هو أعلى سلطة داخل التنظيم الحاكم ومن شأنه ان يعدل ويضع ما يشاء في المواضع. واستدرك قائلا: ولكن قضية تعيين واعفاء أمناء الدوائر هي من صميم اختصاصات الأمين العام للمؤتمر الوطني ووصف الخلاف الدائر الآن بين القيادات حول العديد من القضايا الساخنة المطروحة الآن على منضدة الحزب الحاكم مثل الوفاق وبعض القضايا الأخرى مثل قضية المواصفات والتعايش والتي أدت إلى اعفاء مديرها العام وقضية المحاليل الوريدية والتي وصلت فيها البيانات المتبادلة بين قيادات المؤتمر الحاكم إلى حد التهاتر وصفها المصدر بأنها خلاف في وجهات النظر على القضايا الحياتية وانها أمر طبيعي, وقال ان هذا يؤكد حيوية وديمقراطية المؤتمر الوطني معتبرا ان هذه الخلافات لا تشكل خطرا على وحدته وتماسكه. من جهة ثانية ومع اقتراب موعد انعقاد المؤتمر العام اشتدت حدة الانتقادات التي ظل القياديان د. حسن مكي ود. الطيب زين العابدين ان يوجهانها للنظام الحاكم , وقال د. حسن مكي المفكر الاسلامي المتخصص في شؤون القرن الافريقي ان الحركة الاسلامية خلال العشر سنوات الأخيرة, في اشارة إلى عمر حكومة الانقاذ, كادت ان تفقد صفة التجديد والتحديث والنخبوية وتحولت الى ما يشبه المكونات الأخرى في المجتمع السوداني, وأضاف مكي في حوار أجرته معه صحيفة (الرأي الآخر) السودانية نحن نتحدث عن مشروع اسلامي بينما ملايين من الشباب يشعرون بأنهم بلا مستقبل, ويرون فقط مغادرة الواقع السوداني وبهذا يكون (المشروع الحضاري الاسلامي قد مات ولا يهم من الذي سيحرر له شهادة الوفاة) . أما د. الطيب زين العابدين استاذ العلوم السياسية بجامعة الخرطوم فقد فتح نيران مدافعه على قيادة الحركة الاسلامية قائلا انها تعمل بالتفويض للانتخاب فمنذ يونيو 89 غابت المؤسسية داخل الحركة الاسلامية وانفردت قلة داخلها بتحريك الأمور الشيء الذي لا يمكن ان يؤدي إلى نتائج حسنة لا في هذا الظرف ولا في الظروف الأخرى بل ان استمرار الأوضاع الاستئنافية وطول امدها لا مبرر له فقط يتم هذا لاستمرار هؤلاء الأفراد القلائل في الانفراد بالقرار, وهذا وضع سيء والأسوأ هو الاصرار على تغييب المؤسسية التي عرفت بها الحركة الاسلامية منذ العام 1964 وحتى الثلاثين من يونيو 1989م, وقال زين العابدين في حواره مع صحيفة (البيان) السودانية ان مذكرة العشرة لم تكن تهدف الى احلال المؤسسية وانما هي تدخل في باب الصراع بين التيارات داخل الحركة الاسلامية ويأتي تصحيح غياب المؤسسية كجزئية صغيرة, ولم يستبعد زين العابدين حدوث انشقاق في الحركة الاسلامية قائلا انه في غياب المؤسسية واصرار أفراد قلائل بالسيطرة على الأمور فان حدوث انشقاق في الحركة الاسلامية وارد وغير مستبعد. الخرطوم ـ عثمان فضل الله