ردا على القائمين بعدم قانونية منح المرأة حقوقها السياسية الدستور الكويتي يعهد للامير تقدير (الضرورة)ومواجهتها بقانون في الحلقة الماضية حول منح المرأة الكويتية الحقوق السياسية استعرضنا الجزء الاول من الدراسة القانونية للمستشار فكري مغاوري حول هذا الموضوع, والتي تحدث فيها عن ثلاثة امور اساسية: ادب الحوار الديني حول حقوق المرأة السياسية , ومن ثم الرد على حجج تفسير الفقه الرافض لهذه الحقوق, اضافة لايراد حجج الآراء الفقهية المؤيدة للحقوق هذه. وفي هذه الحلقة نواصل عرض دراسة المستشار مغاوري بالتركيز على الجانب القانوني والدستوري لاصدار التوجيه الاميري بمنح المرأة الحقوق السياسية حيث تؤكد الدراسة في مقابل من يتحدثون عن عدم دستورية هذا الامر ان الدستور الكويتي عهد للامير تقدير الضرورة ومواجهتها بقانون. رابعا: الملاءمة السياسية وضرورة اصدار التشريع واسس الرقابة البرلمانية: ان الغرابة الشديدة في التهديدات برفض المجلس الجديد لهذا التحول التاريخي التي صدرت من بعض رموز المجلس المنحل يوم اطلاق الرغبة الاميرية بمنح المرأة حق الترشيح والانتخاب, تدعو إلى ضرورة المعالجة بمفهوم سياسي ودستوري, وتبعدنا قليلا عن ادب الحوار الديني, لان وسيلة المجلس الجديد في معارضة هذا الحق, تنحصر في نقطة وحيدة, وهي ضرورة أو عدم ضرورة اصدار هذا التعديل بمرسوم بقانون في فترة الحل الدستوري. ويستند الرافضون لدعم امير الكويت لمسيرة الحياة النيابية, إلى ان المادة 71 من الدستور لا تخول الحكومة اصدار مراسيم بقوانين ــ في فترة الحل الدستوري ــ الا على سبيل الاستثناء, وان هذا الاستثناء مرهون بحدث يوجب الاسراع في اتخاذ التدابير لا تحتمل التأخير, ويرى اصحاب هذا الرأي, ان مسألة ترشيح وانتخاب المرأة لا توجب الاسراع في اصدار مرسوم بقانون, لان العمل به سوف يسري اعتبارا من انتخابات عام 2003 بما ينبغي معه ترك هذا الامر للمجلس الجديد, دون حاجة لاصدار مرسوم بقانون, وان مجلس الامة سبق ان رفض هذا الاقتراح. وهذه الحجج محل نظر لامور ثلاثة: الأمر الاول: لا يجادل احد ــ وليس له ان يجادل ـ ان سن القوانين عمل تشريعي تختص به الهيئة التشريعية, والاصل ان تتولى هذه الهيئة بنفسها سلطة التشريع (مجلس الامة) الا انه نظرا لما قد يطرأ في غيبة هذه السلطة من ظروف توجب سرعة مواجهتها بتدابير لا تحتمل التأخير, فقد جاز الدستور في المادة 71 للامير ان يصدر في شأنها مراسيم تكون لها قوة القانون, على الا تكون مخالفة للدستور أو للتقديرات المالية الواردة في قانون الميزانية. فالقيد الذي فرضه الدستور على سلطة الامير ــ في ممارسة هذا الاختصاص الاستثنائي ــ يرتكز على قيام ظروف استثنائية أو ضرورة ــ تتوافر بها حالة تسوغ للأمير سرعة مواجهتها بتدابير لا تحتمل التأخير. ولم يحدد الدستور معالم هذه الظروف, أو الحالات التي تسوغ سرعة المواجهة بتدابير لا تحتمل التأخير, باعتبار ان تلك الظروف هي مناط هذه الرخصة وعلة تقريرها, وهي الوسيلة الوحيدة لدفع خطرها, وذلك لاستحالة العمل في حدود المشروعية العادية. ومن ثم فان عدم تحديد الدستور لحالات تدخل الامير ــ اثناء فترة غياب المجلس ـ يحمل بداهة على ان السلطة التقديرية في هذا الشأن في ادارة الشؤون السياسية للامير وحده, وفق ما تمليه المخاطر المترتبة على قيام ظروف استثنائية تستوجب سرعة المواجهة, واختصاص الامير بتقدير التدخل باصدار مرسوم بقانون لتلافي الخطر هو اختصاص مستمد من الدستور مباشرة ليس محلا لجدل أو مناقشة. وقد سبق للجنة فحص الطعون بالمحكمة الدستورية ان قضت بذلك في الطعن الدستوري رقم 2/1982 دستوري بجلسة 28/6/1982 وقررت انه (من البداهة الا تكون القواعد التي تسنها السلطة في الاحوال الاستثنائية على غرار القواعد المسنونة في الظروف العادية, كما لا يمكن تطبيقها بالصورة والاسلوب اللذين يجري بهما وضع القواعد القانونية في الاوقات العادية أما حالة الضرورة الموجبة للتشريع الاستثنائي فهي شرط سياسي لا قانوني وهي بذلك تدخل في نطاق العمل السياسي الذي ينفرد رئيس الدولة بتقديره. الامر الثاني: ان المراقب والمتابع للفترة السابقة مباشرة على صدور المرسوم الاميري رقم 134/1999 بحل مجلس الامة ودعوة الناخبين لانتخاب اعضاء مجلس الامة, يلاحظ بلا عناء أو جهد أن بعض رموز المجلس المنحل اتهموا الحكومة بأنها فاقدة للشرعية وفاقدة للشعبية ــ جلسة الثلاثاء 20/4/,1999 جريدة الدستور الصادرة يوم 21/4/1999 ــ عدد 90 (ص 17) . ولسنا بحاجة إلى التعليق على هذا الاتهام, ولكن ينبغي الوقوف عنده قليلا, ومع التأمل البسيط يمكن القول ان اعمال الحكومة ــ في نظر البعض ــ لا تنسجم مع الدستور وان وجودها بغير سند من الدستور والاغرب من ذلك, ان يترك اعضاء المجلس هذا الاتهام دون تعليق ولم يصدر من رئيس في الجلسة المذكورة ما يكشف عن الرغبة في ازالة أو محو هذا الاتهام من مضبطة الجلسة, وكان هذا السكوت لقي قبولا واستحسانا لدى الاعضاء لما عبر به بعضهم عن هذا الاتجاه الجديد في نقد السلطة التنفيذية مع ان المادة 55 من الدستور تنص على ان (يتولى الامير سلطاته بواسطة وزرائه) . وتنص المادة 56 منه على أن: (يعين الامير رئيس مجلس الوزراء بعد المشاورات التقليدية, ويعفيه من منصبه, كما يعين الوزراء ويعفيهم من مناصبهم بناء على ترشيح رئيس مجلس الوزراء) وتنص الفقرة الثانية من المادة 80 من الدستور على ان (ويعتبر الوزراء غير المنتخبين بمجلس الامة اعضاء في هذا المجلس بحكم وظائفهم) . وبعد صدور مرسوم الحل ودعوة المواطنين للانتخاب ازداد القول بأن المجلس سوف يرفض المرسوم بقانون بمساواة المرأة بالرجل في الترشيح والانتخاب فأصبح هذا الاتجاه شعارا للفوضى السياسية امام تأييد ساحق للمنظمات الشعبية في الكويت, والدول المختلفة والشخصيات الاسلامية التي تحظى بالاحترام مثل تأييد مفتي مصر الدكتور نصر فريد واصل لهذا التحول الديمقراطي. فبات واضحا ـ ازاء اتهام الحكومة بأنها فاقدة الشرعية والشعبية ـ ان المجلس بأغلبيته يرى في مسلك القيادة السياسية ابتعادها عن الالتزام بأحكام الدستور, وضيق صدرها بالديمقراطية. فكيف تواجه القيادة السياسية هذه الحملة التي تهدد بخطر لا يمكن تلافيه بالتشريعات العادية في ازمة تمس المؤسسات الدستورية, بعد تصعيد هذا التوجه بالاجتماع الذي تم صباح يوم الاربعاء الموافق 28/4/1999 بين ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء مع بعض اعضاء مجلس الامة في مقر المجلس, واندفاع البعض الى القول بأن محصلة هذا الاجتماع ستؤدي الى فوضى في البلاد وفقدان الرؤية وتعاظم للقلق السياسي في الكويت, واكثر من ذلك فقد نسب البعض الى رئيس مجلس الوزراء انه اثار حفيظة الشارع وأثار حنق الاعضاء, وان يريد (ديمقراطية حبيبة وودية) (مجلة الطليعة) يوم 5/5/1999 العدد رقم 1375 ـ الصفحة الاولى تحت عنوان ـ الحكومة تشكل وفق الدستور فهل توكل لمن يقول (مالي شغل بالدستور) وبعنوان آخر (تذمر شعبي واسع من استمرار القيادة الحالية للحكومة) لاشك ان هذا الموقف اضافة الى موقف بعض النواب يوم استجواب وزير العدل في جلسة يوم الثلاثاء 4/5/1999 وموقف بعض التيارات المناهضة للحكومة التي اعلنت في الصحف الموالية لها يوم 12/5/1999 بعد حل مجلس الامة ـ ان مسلك الحكومة يهدف الى القضاء على الدستور والديمقراطية, وان المجالس النيابية تنتهك لمدة عشرين عاما, يشكل تهديدا لامن البلاد السياسي حيث سعى هذا التيار الى دفع المواطنين الى الاعتقاد بأن الحكومة لا تريد الديمقراطية ولا تريد الدستور وتريد القضاء عليهما معا! وهذا المسلك يمس الحق بوجود الدولة ذاتها لانه يعرض البلاد للخطر فكان لابد وان يتدخل الامير, للمحافظة على وجود الدولة بدعم الحياة النيابية, ومواصلة مسيرة الديمقراطية بمنح المرأة الحق في الترشيح والانتخاب لمجلس الامة والمجلس البلدي, ان هذا الاجراء من شأنه ان يدفع عن القيادة السياسية الاتهام بالقضاء على الدستور والديمقراطية ويحفظ للدولة مكانتها امام جميع دول العالم ويرسخ امام الشعب الكويتي التحول التاريخي للحفاظ على مكتسباته الدستورية. فالثقة في رئيس الدولة ووجوب تلافي ما قد يطرأ على البلاد في هذه الظروف المفاجئة التي سمحت فيها بعض التيارات لنفسها بأن تشكك في تمسك القيادة السياسية بالدستور والديمقراطية يقضيان على مخاوف البعض من اصدار مرسوم بقانون بهذا التعديل في فترة الحل, فلا ينبغي التشكيك في نبل الاهداف التي دعت الى التدخل بدعم المسيرة النيابية, لتلافي الاخطار التي تعرض البلاد للخطر, وهو امر لا يحتمل التأخير وقبل ان يبدأ المرشحون دعايتهم الانتخابية, على نحو يعرض البلاد للخطر باستمرار الحملات التي تهدف الى التشكيك في التزام القيادة السياسية بالدستور والديمقراطية. ثالثا: ان نص المادة 71 من الدستور ـ لم يحدد كما تقدم ـ طبيعة نوع الحدث الذي يطرأ اثناء فترة الحل, وانما ترك امر تقدير خطورته على سلامة الدولة للامير وحده, فتعتبر الاعمال التي اتخذها الامير اجراءات سليمة مشروعة, لانها تحقق هدف النظام القانوني وهو المحافظة على سلامة الدولة, اما بالنسبة لنوع الحدث وطبيعته الذي يوجب الاسراع في التدخل وفقا لنظرية الضرورة فهو الحدث الذي يهدد بخطر حال موجه ضد الدولة, وهو شرط من صنع الفقه والقضاء الدستوري في النظم المعاصرة ويرجع الفضل الاول في تقدير نظرية الضرورة لمجلس الدولة الفرنسي في احكامه العديدة, فمن الجائز ان يتحدد التهديد بالخطر عن طريق تحديد مصدره الذي قد يكون مصدرا طبيعيا كالكوارث الطبيعية, وقد يكون اقتصاديا, كالاضطرابات الخطيرة للعمال, وقد يكون اجنبيا كالحروب وقد يكون داخليا مثل العصيان المسلح, والمظاهرات غير السلمية العنيفة. ويذهب الفقه الدستوري ـ في مجال تحديد نظرية الضرورة ـ الى انه يجب ان يخرج الخطر الذي تقوم عليه هذه النظرية, من اطار المخاطر المتوقعة أو المعتادة في حياة الدولة, فهو خطر غير مألوف من حيث النوع ومداه, يستوي ان يكون قد بدأ فعلا, او هو وشيك الوقوع, دون ان يكون قد انتهى بعد, وبحيث لا يجد الامير اية فرصة للجوء الى وسيلة اخرى لمواجهته. وفوق ما تقدم فإن تحديد محل او موضوع التهديد بالخطر لا يشترط فيه ان يكون موجها الى الدولة لان اصطلاح (الدولة) يستخدم بصفة عامة للاشارة الى موضوعات مختلفة تماما, وانما يمكن تحديد الدولة اما بأحد عناصرها الشعب بأشخاصه وامواله او الاقليم او المؤسسات الدستورية الحاكمة, وإما بكل هذه العناصر مع استحالة مواجهة هذا التهديد بالطرق العادية وعن طريق المؤسسات الدستورية المختصة, وهو شرط يجمع عليه ايضا الفقه الدستوري (يراجع الدكتور سامي الجمال الدين ـ لوائح الضرورة وضمان الرقابة القضائية ـ منشأة المعرفة بالاسكندرية 1982 ص 19 الى ص 34). فمن الخطأ العلمي الفادح تحديد خطر الضرورة بالكوارث الطبيعية والحروب وظهور وباء فقط كما يتوهم البعض, وانما يتحدد الخطر بأي عمل يهدد الشعب او المؤسسات الدستورية الحاكمة. فتقدير قيام هذه الضرورة لا يخضع لمعيار ثابت وانما يتغير بتغير الظروف, وقد قضت المحكمة العليا المصرية (الدستورية) بذلك بمناسبة اصدار رئيس الجمهورية قرار بقانون رقم 120/1962 في غيبة السلطة التشريعية بتشديد عقوبة الراشي والمرتشي, وقررت المبدأ الدستوري التالي (تقدير قيام الضرورة لا يخضع لمعيار ثابت, وانما يتغير بتغير الظروف, فما يعتبر ضرورة في وقت من الاوقات قد لا يعتبر كذلك في وقت آخر, ولما كانت الظروف التي صدر فيها القانون رقم 120/1962 بتشديد عقوبة الراشي والمرتشي ـ قد اقتضت الاسراع باصدار هذا التشريع حفاظا على امن الدولة الاقتصادي, ومن ثم يكون رئيس الجمهورية اذا اصدر التشريع المشار اليه في تلك الظروف غير مجاوز حدود سلطته التقديرية في هذا الصدد. (المحكمة العليا الدستورية المصرية جلسة 1/4/1978 ـ الجزء الثاني ـ ص 120 واشار اليه المستشار محمد نصر الدين كامل في مؤلفه اختصاص المحكمة العليا الدستورية ـ طبعة 1989 ـ س 300 هامش رقم 2). وما دام الثابت من الفترة السابقة على حل مجلس الامة بالمرسوم الاميري رقم 134/1999 واللاحقة لصدوره مباشرة اندفاع بعض رموز المجلس المنحل الى دفع المواطنين الى الاعتقاد بأن مسلك الحكومة يهدف الى القضاء على الدستور والديمقراطية فإن هذه الدعوة ـ من جانب البعض ـ تكون قد اغلقت الباب تماما امام القيادة السياسية لمواجهتها بأي وسيلة اخرى إلا بدعم الديمقراطية وبث الاطمئنان في نفوس المواطنين بتمسكها بالدستور, بتحقيق المساواة بين المواطنين في مباشرة الحقوق السياسية وذلك بمنح المرأة الحق في الترشيح والانتخابات لمجلس الامة والمجلس البلدي, وهو امر لا يحتمل التأخير الى ما بعد تشكيل مجلس الامة الجديد, تلافيا لخطر الفوضى السياسية في الحملات الانتخابية, التي بدأت فعلا بتوجيه الاتهام الى القيادة السياسية بأنها تريد القضاء على الدستور والديمقراطية. ولا يصح للعناد السياسي ان يوقف او يعطل هذه الغاية النبيلة وهذا الانجاز التاريخي للبلاد.