دولة الكويت تعد من اولات دول المنطقة التي اعتمدت في نظامها السياسي ديمقراطية البرلمان واستمرت على هذا النهج عشرات السنين دخلت الحكومات في البلاد خلالها مراحل وئام وخلاف مع ممثلي الشعب في مجلس الامة . وما بين شد وجذب كانت الحياة السياسية تثرى وتتقدم حتى صدر مرسوم لامير الكويت يعطي المرأة حقوقها السياسية كاملة من حيث حق الانتخاب والترشيح للبرلمان وهو ما اثار انقساما حادا بين النخبة من سياسيين ومثقفين تركز في فريقين: الاول: يعارض هذا التحول المعضلي لاعتبارات دينية تتركز في قوامة الرجال على النساء في الاسلام اضافة لمبررات قانونية تنتقد المرسوم الاميري الذي صدر بعد حل البرلمان حيث يتيح الدستور للامير سن القوانين في حالات الضرورة. اما الثاني: فيؤيد تماما خطوة نقل المرأة الكويتية من الهامش الى اضواء الحياة السياسية استنادا لاجتهادات الفقهاء التي تنفي حرمان الاسلام للمرأة من المشاركة في الحياة العامة بذات الوقت الذي يتيح الدستور لأمير الكويت تقدير طبيعة الضرورات التي تستوجب مواجهتها اصدار القوانين في غياب النواب لدرء خطرها الكامن او المعلق. ورغم ان العام 2003 الذي سيكون محك اقتحام المرأة الكويتية لحقل السياسة بعيد نوعا ما إلا ان الجدال بدأ يثور منذ الآن على اساس ان برلمان هذا العام قد يشهد تغيرا هاما في تركيبته وتوازناته الداخلية ضد التيارات المحافظة او معها. النخبة السياسية والفكرية في الكويت تنشغل في شحذ حججها لاثبات صحة او خطأ هذه الخطوة, دون التسلح بموقف الرأي العام الكويتي الذي يشكل المعيار الاساسي في الحكم على مدى نجاحها. المفاجأة كانت ان المجتمع الكويتي غير مهيأ بعد لمشهد اقتحام النساء للبرلمان حيث بدأت استطلاعات الرأي تظهر الرفض الجماهيري لهذا الاقتحام. بين انشغالات النخبة والرفض الجماهيري والحسابات السياسية تبقى التجربة خير برهان على مدى نجاح او فشل المرأة الكويتية في المساهمة بتسيير شؤون البلاد. الكويت ــ البيان أكد المستشار فكري مغاوري ان المرسوم بقانون المتضمن منح المرأة حق الانتخاب والترشيح في الكويت ينسجم تماما مع الضوابط التي وضعتها المادة (1_) من الدستور الكويتي, واوضح في دراسة ان قيام حالة الضرورة لا يخضع لمعيار ثابت, وانما يتغير بحسب تغير الظروف. وخلص المستشار فكري مغاوري الى ان الظروف التي سادت الكويت في الفترة بين صدور مرسوم حل مجلس الامة والاعلان عن الرغبة الاميرية بمنح المرأة حقوقها السياسية كانت تستدعي فعلا اصدار تشريع يستهدف بث الطمأنينة في نفوس المواطنين اثر اندفاع بعض رموز المجلس المنحل تجاه تحريض المواطنين وايهامهم ان السلطة السياسية تسعى للنيل من الديمقراطية. واوضحت الدراسة ان صدور المرسوم الاميري المتضمن منح المرأة حق الانتخاب والترشيح ساهم في تلافي خطر الفوضى السياسية المحتملة في خضم الحملات الانتخابية, واوضحت الدراسة ايضا ان الضرورة متوافرة, فهي فضلا عن كونها تدخل في نطاق العمل السياسي الذي ينفرد رئيس الدولة بتقديره, فقد جاء المرسوم تجسيدا لحق الامير في التدخل للمحافظة على متانة الدولة وسمعتها التي اثرت عليها مواقف بعض النواب السابقين. ومن الجانب الشرعي, ذكر المستشار فكري مغاوري ان (للحوار الديني) ضوابط, وانه لا ينبغي ان يتحول الصواب والخطأ في هذا المجال الى مرادفين للحق والباطل, واضاف: (ان الشريعة الاسلامية حين اوجدت فوارق بين الرجل والمرأة, فإن هذه الفوارق جاءت في امور معينة وان الاتجاه العام في احكام الشريعة هو رفع مكانة المرأة ومساواتها بالرجل) . اركان الدراسة الأربعة عندما اطلق امير الكويت الشيخ جابر الاحمد الجابر الصباح في 16/5/1999, الاشارة لبدء حقبة تحمل تغييرات سياسية واجتماعية بمنح المرأة الكويتية كامل الحقوق السياسية في الانتخابات, سواء بالتصويت او الترشيح لانتخابات مجلس الامة والمجلس البلدي, اعتبارا من انتخابات عام 2003م, علق أمين الحركة السلفية الشيخ حامد عبدالله العلي, على هذه الرغبة بقوله: (ان الشريعة الاسلامية لاتجيز للمرأة ان تتولى ولاية عامة على الرجال وان قرار اعطاء المرأة حق الترشيح والانتخاب يتنافى مع توجيه تطبيق الشريعة الاسلامية) , كما علق محمد باقر المهدي بقوله: (ان الاسلام كرم المرأة تكريما كبيرا واعطاها حقوقا في كل المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية, ولكن مع التفصيل, فيحق للمرأة في نظر الاسلام انتخاب اي شخص كان ولا يحق لها الترشيح لاي نوع من الولاية) . اما النواب السابقون, فتباينت آراؤهم, بين معارض ومؤيد, ولكن اكثرهم تشددا كان الدكتور فهد الخنة, حيث اعتبر هذا القرار بداية لتأزيم العلاقة بين السلطتين ووضع العراقيل امام مجلس الامة, ثم تلاه الدكتور وليد الطبطبائي الذي تساءل عن دواعي هذا الاستعجال والسرعة المتناهية في اصدار هذا القرار الذي سبق رفضه من مجلس الامة, واضاف: ان هذا القرار غير جائز ومخالف للشريعة الاسلامية, حيث ان مجلس الامة يعتبر ولاية, والولاية في الاسلام لا يحوز ان تعطى للمرأة, واضاف: ان المادة 71 من الدستور لا تجيز للسلطة التنفيذية اصدار القوانين في غياب المجلس الا لضرورة, وان هذا التعديل غير عاجل. وهكذا اعاد البعض الى الحياة, جدلا حادا حول حقوق المرأة السياسية, باقحام الفقه الاسلامي, امام هذا التحول في مسيرة البلاد لدعم الديمقراطية والشورى, في مرحلة حرجة تمر بها الكويت, شكك البعض فيها برغبة القيادة السياسية, بالتمسك بالدستور وبالديمقراطية, ونسب الى رئيس مجلس الوزراء انه يدفع الكويتيين الى ان يتنازلوا عن حقوقهم التاريخية الدستورية امام التهديدات الخارجية. ولو لم يتصد بعض رجال الدين الاجلاء, الى الاعتراض على المكرمة الاميرية بمنح المرأة الحقوق السياسية, وذلك باقحام الفقه الاسلامي, في هذه المسألة ما كنا بحاجة الى كتابة هذا المقال, او الرد على من يزعمون ــ من النواب السابقين ــ ان حالة الضرورة التي تخول الحكومة اصدار مرسوم بقانون غير قائمة وفقا لنص المادة 71 من الدستور. ويمكن تقسيم مقالنا للرد على التعليقات السابقة في اربعة اقسام رئيسية كما يلي: اولا: ادب الحوار الديني في مشكلة الحقوق السياسية للمرأة: بداية, لا ينبغي ابدا, ان يتحول الصواب والخطأ في مجال (الحوار الديني) في تفكير البعض وفي وجدانه الى مرادفين للحق والباطل, او للهدى والضلال, او ان يبلغ الحماس بالبعض في وصف الاجتهاد بالرأي (الخطايا) واتهام المجتهد بالكفر والفسوق والعصيان, لان الحوار الديني في مجال الدين وقضاياه, يتصور كثير من الناس فيه ان الحقيقة لا يمكن ان تتعدد وجوهها بحجة ان الحق (واحد) لايتعدد, ولان الصراط المستقيم واحد, ولان السبل المعوجة هي التي تتعدد, اذ التأمل الهادىء والتأني من النصوص, والجمع بينها وبين نصوص اخرى عديدة تحث على النظر, وتدعو الى الاجتهاد في البحث طلباً للحق والصواب, كل ذلك يؤدي الى موقف مختلف تماماً, يتسع فيه صدر (الاسلام) لاختلاف الآراء ولا يضيق عن الاجتهاد, ولا ينتهي صاحبه الى الخطأ ويجانبه الصواب, والا لما كان اجتهاد ابوحنيفة وصاحبيه ومالك والشافعي والامام احمد بن حنبل وابن حزم, وهم من هم من حملة كتاب الله وفقهاء السنة, ولما كانت الذخيرة التي تركها الامام علي وجعفر الصادق وغيرهم كثير. ومع نبل اهداف بعض رجال الدين الذين تصدوا بالتعليق على المكرمة الاميرية بمنح المرأة حق الانتخاب, وحسن مقصدهم, الا اننا نرى بداية ان تفسير الفقه الاسلامي للنصوص القرآنية والاحاديث النبوية الشريفة التي استندوا اليها لحرمان المرأة من حقوقها السياسية ينقسم الى تيارين رئيسيين يختلفان في موقفهما من الشرعية وكيفية تطبيقها في المجتمعات المعاصرة. فالتيار الأول: يبدأ من النصوص الشرعية والاحاديث النبوية الشريفة وينتهي اليها, ويكاد اصحابه يتخذون لهم مبدأ وحيداً هو اعلان قبول تلك النصوص والاستعداد الفوري لتطبيقها كلها بلا قيد ولا تحفظ, وهم يرون ان القضية في جوهرها لا تخرج عن اتخاذ موقف صريح من النصوص, فإما ان تقبل جملة وتفصيلا, واما ان ترفض صراحة, وهذه الوسيلة تقوم على سوق قديم طويل لرؤية الاسلام مرفوع اللواء ورؤية احكامه نافذة الكلمة بعد التدهور الذي اصاب المسلمين في فترة محددة, ويأتي في مقدمة هذا التيار حجة الاسلام ابي حامد الغزالي في مؤلفه (فضائح الباطنية وفضائل المستظهرية) . اما التيار الثاني: فيبدأ من النصوص كلها, بالنظر الى مصالح الناس كما يتصورها الناس والى اوضاع المجتمعات الاسلامية وغير الاسلامية, والى الواقع المستقر باعتباره مقياس المصالح والمفاسد, وهم لا يتصورون الا ان يكون التشريع عملا اجتماعيا خالصا, يرجع فيه الى تقدير الجماعة, ويمارس فيه العقل بغير النقل والبحث عن الحقيقة والمصلحة, وقد بدأ هذا التيار حسب علمنا بالخوارج وخاصة فرق الشبيبة, وابن قدامة في المغني ــ ج11 ص 375 حيث ذهب الى ان للمرأة حق تولي الوظائف السياسية باستثناء رئاسة الدولة, وفي العصر الحديث جاء التابعون وهم كثر نذكر منهم على سبيل المثال الشيخ محمد رشيد رضا في تفسير المنار ــ الجزء الثاني ص 375, والدكتور الشيخ زكريا البري في مقاله المنشور بمجلة العربي الكويتية بعنوان حق المرأة في الولايات العامة, وفي الانتخابات عدد 144 ــ نوفمبر 1970 ص ,35 وشيخ الازهر الدكتور محمد سيد طنطاوي في مقاله المنشور بجريدة الوفد المصرية في 31/3/1994 بعنوان (نحو تفسير مستنير للتراث) والدكتورة اميمة فؤاد مهنا في رسالتها في المرأة والوظيفة العامة طبعة 1984 والدكتور احمد كمال ابوالمجد في مقال منشور بجريدة الوطن ص 11 بتاريخ 24/2/1993 بعنوان (اصل المساواة بين الرجل والمرأة ثابت في القرآن الكريم) ومن الفقه الكويتي للدكتور عثمان عبدالملك في مقاله المنشور في جريدة القبس يوم 24/2/1982 بعنوان (حق المرأة الكويتية في الانتخاب والترشيح) . وهذا التيار خلص الى ان المرأة لها في المجتمع مثل ما للرجل من صوت في الانتخابات مثل صوته, ويمكن ان تباشر الحقوق السياسية. نأتي بعد ذلك الى عرض أدلة التيار الأول على حرمان المرأة من تولي المناصب العامة ومن مباشرة حقوقها السياسية كما يلي: * يذهب هذا الرأي الى ان الاسلام لا يقر مساواة المرأة بالرجل في خصوص مباشرة الحقوق السياسية, وقد أيّدت بقوة هذا الرأي فتوى صدرت من الازهر الشريف في يونيو 1952 التي ذهبت الى ان ولاية سن القوانين والهيمنة على تنفيذها ــ قصرتها الشريعة الاسلامية على الرجال فقط. * ويستند هذا الرأي الى قول الحق تبارك وتعالى في الآية رقم 34 من سورة النساء من القرآن الكريم ونصها: (الرجال قوامون على النساء بما فضّل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم). والآية رقم 228 من سورة البقرة ونصها: (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف, وللرجال عليهن درجة). والآية رقم 33 من سورة الاحزاب ونصها (وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى). * ويستند هذا الرأي كذلك الى بعض الاحاديث النبوية الشريفة, منها (لن يفلح قوم ولو أمرهم امرأة) , وحديث (النساء ناقصات عقل ودين) وحديث (اذا كان أمراؤكم شراركم, واغنياؤكم بخلاءكم, وأمركم الى نسائكم, فباطن الأرض خير من ظاهرها) . ثانيا: الرد على حجج تفسير الفقه الرافض لحقوق المرأة السياسية: من الخطأ العلمي الفادح محاولة الفصل بين حكم تشريعي وبين أصوله الحضارية والفكرية, ذلك ان التشريع في جوهره مفاضلة بين القيم, وتوفيق أو ترجيح بين المصالح المتعارضة, واختيار لواحد من الحلول البديلة التي يطرحها الواقع لمعالجة مشكلة من المشاكل, ثم هو في النهاية تقنين لهذا الاختيار, لهذا فإن من الخطأ الواضح الذي نلمحه كثيرا خلال مناقشة أحكام الشريعة الاسلامية, محاولة عزل بعضها عن نظرة الاسلام الشاملة للحياة والقيم والمصالح. ومن جهة اخرى, فإن الشريعة غير الفقه, كما ان الدين غير التدين, والذين يضعون الفقه والشريعة في اطار واحد, يصفونه كله بأنه التشريع الاسلامي, فهم يدخلون على الاسلام ما ليس منه, ويلزمون الناس بما لا يلزم ويفرضون عليهم من الحرج ما لم يأذن الله به. وفوق ذلك, ان الواقعة الاجتماعية هي السند المادي لكل نشاط تشريعي فقهي, ومعنى ذلك ان جزءا كبيرا من الاجتهاد يجب ان يتجه الى رصد الظواهر الاجتماعية وفهمها وتحليلها وتصور الحلول التشريعية المختلفة التي تتعامل معها, على اعتبار ان التشريع هو رعاية لمصالح الناس بسلطان الحكم, وقال الامام الشاطبي بحق ان (تكاليف الشريعة ترجع كلها الى تحقيق مقاصدها في الخلق) . وحين يمارس الاجتهاد, وتعرض على المشرع والفقيه ورجل السياسة حلول متعددة تقبلها الشريعة الاسلامية وتتسع لها, فإن الاختيار لابد ان يحكمه فهم الواقع الاجتماعي وتحليل حركته. لذلك, وجب ان يستقر في ذهن دعاة الاسلام والمنادين بتطبيق الشريعة, ان الجهد الفقهي الخالص لابد ان يتممه عمل اجتماعي واسع, حتى تأتي ثمرته رحمة حقيقية للناس (للدكتور احمد كمال أبوالمجد ــ كتاب العربي ــ العدد السابع 15/5/1985 ــ حوار لا مواجهة ــ دراسات حول الاسلام والعصر). وفي مجال تطبيق هذه المفاهيم على حجة الرافضين لمنح المرأة حقوقها السياسية استنادا الى القرآن يبين ما يلي: * ان القوامة في قول الحق تبارك وتعالى: (الرجال قوامون على النساء) , هي قوامة تأديب الزوج لزوجته حال النشوز حسب الرجوع الى نزول هذه الآية, فهي قد نزلت في شأن زوجة سعد بن الربيع الذي نشزت امرأته فلطمها فذهبت شاكية للنبي صلى الله عليه وسلم, فقال لها اقتصي منه, فلما ذهبت ناداها وقال هذا جبريل أتاني فأنزل الله تعالى الآية الكريمة, وقال الرسول الكريم (أرادت أمرا وأراد الله غيره) , فهذه الآية نزلت في شؤون الاسرة ولا علاقة لها بمباشرة المرأة للحقوق السياسية, (يراجع مختصر تفسير بن كثير ــ الجزء الأول ص 385 ــ وأشار اليه الدكتور محمد أنس قاسم جعفر ــ الحقوق السياسية للمرأة في الاسلام والفكر والتشريع المعاصر ــ ص 43). * ان علو الرجل درجة عن المرأة في الآية الكريمة: (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة), ليست درجة أفضلية وسمو ولا درجة سلطان ولا درجة قهر, وإنما درجة قوامة في شؤون الأسرة أو درجة الرياسة البيتية, لأن الأسرة كأي مجتمع من المجتمعات تحتاج الى من يتولى قيادتها والاشراف عليها, ومن الطبيعي ان الذي يتحمل مسؤولية الأسرة هو المسؤول عن الانفاق, فبات ضروريا ان تكون له هذه السلطة, فهذه الآية لا علاقة لها كذلك بمباشرة المرأة للحقوق السياسية (يراجع الإمام الأكبر فضيلة الشيخ محمود شلتوت ــ الاسلام عقيدة وشريعة ص 156 ــ دار الشروق). * أما عن الآية الكريمة (وقرن في بيوتكن ولا تبرّجن تبرّج الجاهلية الأولى), فليس المقصود منها مع النساء عامة من الخروج للحياة العامة, وإنما مقصود بها نساء النبي, ومن ثم يكون الحكم مقصورا عليهن, ويؤكد ذلك انه جاء في صدر الآية الكريمة قول الحق سبحانه وتعالى: (يا نساء النبي لستن كأحد من النساء ان اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى), وهناك من الاحكام الأخرى التي خص بها القرآن نساء النبي فقط دون سائر المسلمين, ومن الامثلة على ذلك, تحريم نساء الرسول صلى الله عليه وسلم من الزواج بعده في الآية رقم 53 من سورة الاحزاب (وما كان لكم ان تؤذوا رسول الله ولا ان تنكحوا أزواجه من بعده أبدا, إن ذلكم كان عند الله عظيما). فالمقصود اذن من الآية الأولى استقرار نساء النبي صلى الله عليه وسلم في البيت لكي يتميزن عن سائر النساء, ويجب عليهن التواجد في البيوت في أغلب الأوقات (يراجع الدكتور عبدالحميد متولي ــ مبادىء نظام الحكم في الاسلام, ص ,431 والدكتور محمد أنس قاسم جعفر ــ المرجع السابق ص 45). إن حديث الرسول صلى الله عليه وسلم (لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة) حديث أحادي الاسناد, وهو من الاحاديث التي وردت بخصوص واقعة خاصة محددة, فقد جاء هذا الحديث بمناسبة تولي بنت كسرى ملك الفرس رئاسة الدولة, ذلك لعدم وجود من يتولى هذا الملك من الرجال نتيجة الحرب الأهلية التي سادت البلاد بسبب عمليات الاقتتال الهائلة مما أدى الى ولاية الملك لامرأة, فهذا الحديث خاص بأهل فارس. ومع ذلك, فإن معنى الحديث وفق عبارته, هو نهي عن الولاية التي تسيطر فيها المرأة سيطرة كاملة على الامور في الدولة وتستبد بالحكم ولا تلجأ للشورى, مما لا يفيد الحظر في مشاركتها كل الحقوق السياسية طالما سيشاركها آخرون (الدكتور محمد أنس قاسم جعفر ــ المرجع السابق ص 46). وفيما يتعلق باسناد الرأي القائل الى حديث (النساء ناقصات عقل ودين) فيفضل الرجل المرأة في تولي المناصب العامة, فإن هذا الحديث أورده البخاري عن أبي سعيد الخدري حيث قال: (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم, فمر على النساء فقال: يا معشر النساء تصدقن, فإني رأيتكن أكثر أهل الناس ذنوبا, فقلن: وبم يا رسول الله, قال: تكثرن اللعن وتكفرن العشير, ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من احداكن, قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ قلن: بلى, قال: فذلك من نقصان عقلها, أليس اذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ قلن: بلى, قال: فذلكن من نقصان دينها) .(يراجع صحيح البخاري الجزء الأول ص 327. وعلى ضوء هذا, فإن الحديث الشريف لا يعني بنقصان العقل والدين قلة ادراك المرأة أو ضعف تفكيرها أو توجيه اهانة لها بفساد رأيها وسوء تدبيرها, وبالتالي لا يجوز الاستناد اليه للتدليل على حرمان المرأة من المشاركة العامة في الحياة العامة والتمتع بالحقوق السياسية. كما يستند الرأي القائل بحرمان المرأة من الحقوق السياسية الى الحديث الشريف (اذا كان أمراؤكم شراركم وأغنياؤكم بخلاءكم وأمركم الى نسائكم فباطن الأرض خير من ظهرها) . فهذا الحديث من الاحاديث المشكوك في صحتها, فالترمذي بعد ان رواه ذكر ان هذا الحديث غريب لا نعرفه الا من حديث صالح المري, وصالح في أحاديثه غرائب فلا يجب الاستناد اليه (راجع الدكتور محمد أنس قاسم جعفر ــ المرجع السابق ص,54 ص55). ثالثاً: حجج القائلين بأحقية المرأة في التمتع بالحقوق السياسية: يستند هذا الرأي الى الحجج الآتية من القرآن الكريم والسنة النبوية: الآية رقم 71 من سورة التوبة (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم اولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله اولئك سيرحمهم الله, ان الله عزيز حكيم) . فهذه الآية تساوي بين المرأة والرجل, فالمؤمنون والمؤمنات بعضهم يتولى بعضاً يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤدون الزكاة ويطيعون الله ورسوله, اولئك سيدخلهم الله في رحمته ان الله عزيز حكيم, فرفع القرآن قدرها, وكرمها, وانزلها منزلة سامية, بالقياس الى ما كانت ترزح تحته من قيود وأوضاع في الجاهلية, وفي المجتمعات المعاصرة لظهور الاسلام, وبعد ان كانت تعامل معاملة المتاع, فأعطاها الشخصية الكاملة. وتدل هذه الآية على ان الاتجاه العام في روح القرآن الكريم هو رفع مكانة المرأة (محمد فريد وجدي ــ المصحف المفسر ــ كتاب الشعب ص 253). الآية رقم (13) من سورة الحجرات (يا أيها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم ان الله عليم خبير) . ومعنى هذه الآية, يا ايها الناس انا خلقناكم من أب وأم فكلكم متحدون في النسب, وجعلناكم شعوباً وقبائل لا لتتقاتلوا وتتعادوا ولكن لتتعارفوا وتتحابوا, فليس بعضكم افضل من بعض بالانتساب لجنس او قبيلة او بلد بل بالاعمال الصالحة, ان الله عليم خبير (محمد فريد وجدي ــ المرجع السابق ص 687). فالقرآن سوى كذلك بين الرجل والمرأة في اصل الخلقة, وهذه الحقيقة نراها كذلك في آيات متعددة, منها قوله تعالى (يا ايها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها, وبث منهما رجالاً كثيراًونساء) . (سورة النساء الآية 1) . الآية رقم ,32 33 من سورة النمل (يا أيها الملأ أفتوني في امري ما كنت قاطعة امراً حتى تشهدون, قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس شديد والأمر اليك فانظري ماذا تأمرين) . وتدل هذه الآية الكريمة على ان المرأة تستطيع ان تبدي الرأي السليم وتشارك في العمل السياسي وتمارس اعباءه. الآية رقم 12 من سورة الممتحنة (يا ايها النبي, اذا جاءك المؤمنات يبايعنك على ان لا يشركن بالله شيئاً ولا يسرفن ولا يزنين ولا يقتلن اولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين ايديهن وارجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن, واستغفر لهن الله ان الله غفور رحيم) . وتطبيقاً لذلك, فقد بايع النبي صلى الله عليه وسلم وفد الانصار رجالاً ونساء في بيعة العقبة الثانية, وقد آلت النساء على أنفسهن في هذه البيعة الدفاع عن الإسلام والذود عنه. وهذا يدل على امكان مشاركة المرأة في الحقوق السياسية المختلفة لان هذه البيعة تعد بمنزلة عمل سياسي بمعنى الكلمة بين المشاركين لانها كانت تتضمن نشر الدعوة الاسلامية والدفاع عن اهلها (الدكتور محمد انس قاسم جعفر ــ المرجع السابق ص61). قول الرسول صلى الله عليه وسلم (انما النساء شقائق الرجال) , وقوله صلى الله عليه وسلم (اذا استأذنت احدكم امرأته الى المسجد فلا يمنعها, ولقد كان المسجد مكاناً ــ بالاضافة الى كونه داراً للعبادة ــ لاجتماع المسلمين والتشاور في امورهم بما في ذلك امور الحكم, فقد كانت تشارك بالرأي في الموضوعات التي تثار بالاجتماعات التي كانت تعقد بالمساجد, ومن اشهر ما يروى ان الخليفة العادل عمر بن الخطاب وقف بالمسجد يخطب الناس ويطالبهم بعدم المغالاة في صداق النساء, ووضع حداً اقصى لها, فعارضته امرأة وقالت: يا امير المؤمنين نهيت عن الزيادة في صداق النساء ووضع حد اقصى لها, فقال: نعم, فقالت: اما سمعت قول الله سبحانه وتعالى:(وان اردتم استبدال زوج مكان زوج وأتيتم احداهن قنطاراً, فلا تأخذوا منه شيئاً أتأخذونه بهتاناً وإثماً مبيناً, وكيف تأخذونه وقد افضى بعضكم الى بعض وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً) , (الآية ,20 21 من سورة النساء) فاعترف الفاروق عمر بخطئه وقال: اللهم غفرانك, اكل الناس افقه من عمر حتى النساء, وعاد للناس وقال:(كنت قد نهيتكم عن زيادة صداق النساء على اربعمائة درهم فمن شاء ان يزيد ان يفعل) . ونخلص من ذلك الى ان الظروف الاجتماعية التي اقتضت ان تكون شهادة المرأة نصف شهادة الرجل في بعض الحالات كانت مختلفة كل الاختلاف عن ظروف اليوم, اذ كيف يستقيم ان تكون شهادة خريجة الجامعة او استاذة فيها, او وزيرة, تعادل نصف شهادة رجل جلف, لم يحصل على ذرة من التربية والتعليم وكل معاملاته تتم بالختم او بالبصمة, فلا شيء يمكن ان يؤثر من ذلك في تولي المرأة المناصب العامة.