أفرخ العدوان الوحشي الاسرائيلي على لبنان والتهديد بجعله عدوانا مفتوحا سؤالين يحلقان في الأفق ويشغلان الأوساط الرسمية الحزبية, ويتعالى طنينهما على أصوات الانفجارات, التي ما زال صداها يخرق حاجز الصوت والشك . السؤال الأول: هل حصلت اسرائيل على ضوء أخضر أمريكي بارك شن العدوان الوحشي لتدمير البنى التحتية؟ والسؤال الثاني: هل للعدوان هدف خفي تسعى اسرائيل من خلاله إلى احراق تفاقم ابريل.. وما البديل الذي تخبئه في القنابل الفراغية؟ في الاطار الأول يسجل المراقبون المطلعون ملاحظة أساسية وهي ان السياسيين والمسؤولين اللبنانيين الذين زاروا دمشق قبل أيام من العدوان, بحثا عن اطفاء نار الخلافات السياسية المحلية بين الحكومة ومعارضيها, خاصة بعد تسريب بيان (المصادر الوزارية) الذي نطّق الحكومة ما لم تنطق به, وان أرادت النطق لكنها تتحفظ, فوجئوا بان المسؤولين السوريين يبلغونهم تحذيرات قوية من (ضغوط قوية) ستتزايد على لبنان وسوريا معا تمهيدا للتطورات المرتقبة اقليميا) . حتى ان أحد كبار المسؤولين السوريين حذر حرفيا من (عدوان جوي معاد واسع النطاق) . لكن أوساطا دبلوماسية في العاصمة اللبنانية ترى ان الاعتداء الذي حصل لم يكن متوقعا من أية جهة محلية أو خارجية خاصة لجهة حجمه واتساع نطاق وطبيعة أهدافه وقوة شراسته, وكان استبعاد ذلك ناتجا عن قناعة تقول بأن كل الاتجاهات (تصب لصالح ازالة النتوءات التي يمكن أن تحول دون معاودة مفاوضات السلام على المسار السوري - الاسرائيلي. الاتجاه الأبرز من بين ذلك والذي (يؤكد) ذلك التوجه, حسب الأوساط نفسها, تمثل (عبر الضغط الأمريكي الكبير الذي مارسته الولايات المتحدة لعدم الافساح في المجال أمام استمرار رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو في الحكم) . والمفارقة ان العدوان الذي يبقى متوقعا باستمرار بالنسبة إلى لبنان وسوريا, تمثل في كونه تجاوز السقف المرتقب خاصة في فترة زخمت بضغوط أمريكية للتهدئة بقوة في المرحلة التي سبقت انسحاب (جيش لبنان الجنوبي) من جزين وبعده, وبايحاءات سياسية متفائلة جسدها اكثار السفير الأمريكي لدى لبنان دايفيد ساترفيلد من التأكيد على اقتراب حلول السلام الشامل. ذلك التماوج في المعطيات والمواقف والأحداث يدفع إلى التأكيد, وفق ما تقول الأوساط المعنية في بيروت, ان العدوان حصل بعد (ضوء أخضر أمريكي) . إذن لواشنطن رسالة وهدف من ذلك يندرجان في تحديد الادارة الأمريكية لسياستها في الشرق الأوسط في مرحلة ما بعد نتانياهو, انطلاقا من رسم خطوط حمراء جديدة للوضع الأمني في الجنوب, مع اقتراب تجدد المفاوضات, المحتمل بين أغسطس وسبتمبر المقبلين. كما ان لاسرائيل ازاء ذلك مصلحتين رئيسيتين: - عدم رغبتها في ان تجري المفاوضات تحت ضغوط عسكرية في الجنوب اللبناني. - تأمين أجواء اقليمية تساعد باراك على الانطلاق في حكومته وسياسته الجديدتين بهدوء وضمن مناخات لا تؤدي إلى غليان داخلي ينعكس سلبا على الوضع الاسرائيلي العام, وهو الأمر الذي حدث مع رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق شيمون بيريز الذي (اضطر) تحت وطأة التفجيرات والاضطرابات الداخلية التي شنها الفلسطينيون داخل اسرائيل, آنذاك, إلى التحول نحو عملية (عناقيد الغضب) ضد لبنان في سعي إلى تنفيس الاحتقان الاسرائيلي الداخلي. ولا تبدو الضغوط الأمريكية للتهدئة في الجنوب اللبناني غير واضحة لتمكين باراك من انطلاقة متوازنة, فيما تضغط واشنطن ايضا وبوضوح على الفلسطينيين لاقامة هدنة داخل الساحة الداخلية في فلسطين. وتندرج في هذا المجال عدة دعوات حملها السفير ساتر فيلد الى لبنان والمسؤولين اللبنانيين خلال الشهرين الماضيين بالتحديد, وتقضي بان تلتزم المقاومة اللبنانية هدنة (ولو غير معلنة) تقضي بوقف عملياتها انطلاقا من الجنوب. لكن الأوساط الرسمية اللبنانية, وعلى ما ظهر في التصريحات العلنية لمسؤولين لا تبعد مسؤولية الاعتداء الجوي على لبنان عن باراك نفسه, وان كان لا يتسلم مهامه كاملة قبل السابع من يوليو المقبل, باعتبار ان عدوانا كالذي حصل لايتم في (الوقت الضائع) لانتقال السلطة بين حكومتين من دون انعكاسات لابد من ان تجنيها الحكومة التي ستتسلم الحكم فضلا عن ان في استطاعة باراك توظيف هذا الاعتداء في اتجاهات عدة مع ما ظهر من واقع اخير انعكس فتوراً في رد الفعل الغربي ازاء ما تعرض له لبنان من اعتداء وعدم حماسة ظاهرة لتأييده في مواقفه الداعية خصوصا الى ادانة اسرائيل أو الى تقديم شكوى لدى مجلس الأمن ضدها, واصرار المعنيين على ابقاء هذا الاعتداء تحت سقف المجموعة المنبثقة عن (تفاهم ابريل) علما ان الاعتداء تخطى بكثير الحدود المرسومة ضمن هذا التفاهم, وحجمه يفرض اللجوء الى هيئة اخرى أعلى, لكن لبنان لا يشعر نتيجة الاتصالات الدبلوماسية التي أجراها ان في استطاعته تأمين الاستعانة بها. تواطؤ اسرائيلي ــ اسرائيلي لذلك يطرح احد المعلقين السياسيين المخضرمين في بيروت السؤال التالي: هل ثمة تواطؤ بين نتانياهو وباراك, وتغاضي أمريكي عما حصل؟ يقول المعلق ان كل المعطيات التي برزت مؤخرا توصي بان اسرائيل تريد ان ترى فعلا, وقفا لعمليات المقاومة ضدها في لبنان قبل البحث في اي تجديد في المفاوضات. ويضيف ان من هذه المعطيات التذكير بان السفير ساثرفيلد ابلغ منذ فترة الى الرئيس سليم الحص طلب حكومة بلاده ان توقف المقاومة و(حزب الله) عملياتهما استعدادا لمعاودة المفاوضات على المسارين اللبناني والسوري وان وزير الخارجية الامريكية السابق جيمس بيكر دعا لدى لقائه بالرئيس الحص ومسؤولين آخرين خلال زيارته قبل ايام الى لبنان, الى العمل من أجل التهدئة والهدوء قبل استئناف المفاوضات. اضافة الى ذلك كان ايتامار رابينوفيتش, رئيس الوفد الاسرائيلي في مفاوضات واي بلانتيشن, قد قال في حوار تلفزيوني انه: (لايجوز اثناء التفاوض ان تسقط صواريخ كاتيوشا على الجليل الأعلى كمحاولة للضغط على المفاوضات. كل ذلك, يقول المصدر, يدل على ان اسرائيل تريد ان ترى وقفا للعمليات ضدها قبل معاودة المفاوضات. ويضيف ان اسرائيل مقتنعة من اجل التوصل الى تلك النتيجة اسقاط (تفاهم ابريل) وتحويله الى مجرد (اتفاق لوقف اطلاق النار) تسهر على تنفيذه مجموعة التفاهم, بحيث اذا ما حصل هذا الاتفاق بموافقة سورية, وتدخل اسرائيل بمفاوضات جديدة مع سوريا, ما يعني ضمنا فصلا للمسارين اللبناني والسوري. ويبدو ان محاولات اسرائيل لتحقيق ذلك كله باتت من رابع المستحيلات ضمن مناوراتها, ولعل فشلها الذريع فيما تطمع به, عدوانها الاخير على لبنان الذي لايحمل الا عناوين منها: (فقدان الأعصاب .. والهستريا .. انها بداية مكشوفة لمرحلة باراك,. بيروت - وليد زهر الدين