امضى اللبنانيون ليلتهم وسط ظلام دامس فرضه العدوان الاسرائيلي المفاجئ الذي اسفر عن تدمير محطة توليد الكهرباء, والجسور الرئيسية التي تربط الشمال بالجنوب , واستيقظ اللبنانيون الذين حرموا اصلا من النوم على دوي وقصف الطائرات الاسرائيلية والغارات الوهمية, وهم يحصرون حصاد ثماني ساعات من القصف والاحراق والتدمير. وبدا للبنانيين ان العدوان الاسرائيلي الجديد (نصف حرب) تبحث عن تسميته ما بين عناقيد نتانياهو كما كانت او عناقيد باراك القادم الجديد, وكان (عناقيد غضب) رابين وبيريز ابريل عام 1996 تستقبل حكومة باراك قبل ان تولد.. وحسب احد المعلقين في بيروت فانه في اقل من ثلاث ساعات, بين التاسعة والثانية عشرة ليلا (في ليل الخميس ــ الجمعة) ابت اسرائيل في لحظتها الانتقالية بين حكومتين الا ان تترجم النظريات الدموية لصقور اليمين, وخصوصا افيجدور كهلاني, داعية تدمير بيروت, وبناها الفوقية والتحتية. ويتلمس اللبنانيون منذ صباح الامس وعلى مدار الساعات التالية ان الحجم الحقيقي للتدمير الذي حصل لا يتمثل فقط في الخسائر البشرية والمادية الواضحة, بل في اخرى لا تقل وجعا وايلاما, خاصة لجهة (شميم) الدورة الاقتصادية في البلاد على ابواب فصل الصيف, واستهدافها في عافيتها وامنها واستقرارها واعادتها اعواما الى الخلف, فيما تتهيأ دول المنطقة للسلام الموعود. هذا البعد بدا واضحا في الانقضاض الشرس للطيران الحربي الاسرائيلي على محطة الجمهور (قضاء عالية, منطقة الاصطياف الشهيرة) في ثلاث غارات متتالية دمرتها بصورة شبه شاملة, انتقالا الى استهداف غاراتي منهج للجسور بهدف تقطيع اوصال الطرق والشرايين الحيوية التي تربط بيروت بالجنوب, فدمر تباعا جسر الجية ـ السعديات, ثم جسر الاولى وجسر الدامور فجسر الزرارية ـ طير فلسية, اضافة الى غارة لترويع المدنيين في بعلبك فسقط هناك عشرات الجرحى (على بعد مئات الامتار من القلعة السياحية ـ التاريخية الشهيرة في المدينة). ولا يخفي المعلقون والمراقبون في بيروت ان العدوان الاسرائيلي الواسع الجديد يحمل في مضامينه ما هو ابعد مما حصل ليسعى الى النيل في مسيرة السلام في المنطقة, خاصة وان (منهجيته العسكرية) تذكر بمشهد القصف الاطلسي ليوغسلافيا وكوسوفو, ما يعني ان الحديث عن ان ذلك قد أطاح بتفاهم ابريل أصبح في عالم الوراء, وتحصيل الحاصل, وان المطلوب استشراف المخاطر المستقبلية الكامنة على المدى المنظور والمدى البعيد. تحت وطأة تلك الاخطار وتقديرا لابعادها, سارع أهل الحكم اللبناني الى التحرك انطلاقا من ثوابت وطنية ووفاقية واستنهاضية للارادة, مؤكدة ايضا التفاف الدولة حول المقاومة واحتضانها اياها (مهما كان الثمن) . لحود: العدوان خرق فاضح لتفاهم ابريل في اطار ذلك حمّل رئيس الجمهورية العماد اميل لحود اسرائيل مسؤولية النتائج التي ستترتب على قصفها الجوي لمحطة توليد الكهرباء في الجمهور والمناطق الاخرى, والتسبب بوقوع ضحايا بين المدنيين, معتبرا ذلك (اعتداء سافرا على لبنان وخرقا فاضحا لــ (تفاهم ابريل لجهة استهداف مواقع مدنية) . ويشير لحود الى ان (هذا الاعتداء بالاضافة الى ما سبقه من خرق لـ (تفاهم ابريل) في الجنوب يؤكد مرة جديدة استمرار النهج المعادي للسلام الذي تنتهجه اسرائيل وحكامها بصرف النظر عن انتماءاتهم السياسية الداخلية) . ويؤكد رئيس الجمهورية (ان لبنان متمسك بمواقفه الثابتة والرافضة أي ترتيبات أو ضمانات لاسرائيل خارج اطار السلام العادل والشامل في المنطقة) . الحص: دليل على بربرية اسرائيل ويصب موقف رئيس الحكومة سليم الحص في الاطار نفسه, فيقول معلقا: (ان ما حصل هو في حجم الكارثة, وهو دليل جديد على بربرية اسرائيل التي لا حدود لها, اننا ندعو المجتمع الدولي الى تحمل مسؤولياته في ردع العدوان الغاشم, وقد أجرينا اتصالات في هذا الخصوص بمندوب لبنان الدائم في نيويورك لوضع الامانة العامة للأمم المتحدة في صورة ما يجري, وكذلك الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن, عسى ان يكون هناك تحرك فوري للجم اسرائيل عن متابعة اعتداءاتها, كذلك اجرينا اتصالات بسفارة الولايات المتحدة, وسفارة فرنسا في بيروت, ودعونا الى اجتماع عاجل للجنة تفاهم ابريل) . يعزز الموقف الرسمي اللبناني الثابت والموحد ثقة المواطنين, لكنه لم يكن ليخفف كثيرا من دهشتهم حيال مار رأوه بالأمس, في اليوم الأول بعد (العناقيد) (متعددة الأسماء). فقد غرقت بيروت ومعظم المناطق في ظلام دامس, وفي انقطاع شبه متواصل نهارا للتيار الكهربائي, وسارع التجار الى تخفيض أسعار المثلجات من لحوم والبان وأجبان وبوظة وما شابه, فالبرادات لم تعد تعمل بكامل طاقتها و(دوامها) , لذا لابد من التخلص من محتوياتها قبل ان تفسد, خاصة في ظل مناخ حار جدا على عكس السنوات السابقة في مثل هذه الأوقات. نقص حاد في الوقود واشتعال الأسعار ولأن الجسور المقطوعة من جانب, والمبتورة من جانب آخر, قد عزل اللبنانيين عن بعضهم البعض, فعجزت الآليات عن العبور, فيما لجأ بعض المضطرين لقضاء حاجياتهم الى سلوك طرق جبلية بعيدة للوصول الى حيث يسعون الى اعتماد الطرقات البرية المحاذية للجسور المهدمة, فإن نقل المواد والبضائع الاستهلاكية والغذائية لم يكن بأحسن حال, الأمر الذي انعكس توترا واضطرابا في الأسواق, (فاختفت) مادة البنزين من معظم محطات المحروقات, و(تبخرت) قوارير الغاز المعدة للاستهلاك المنزلي, وأدى التهافت الى شراء الحبوب والمواد التموينية الى رفع أسعارها, ما حجب القدرة عن شرائها لدى الكثيرين من ذوي الدخل المحدود. وفي مقابل ذلك كان الحديث الأوحد بين المواطنين ما حصل في (الليلة الحمراء) الحارقة والمدمرة. الأضرار المادية الكهرباء والجسور في هذا الاطار يقدر مسؤول في شركة كهرباء لبنان (كان قد نجا بأعجوبة من الغارة الثالثة على محطة الجمهور) الأضرار التي لحقت بهذه المحطة واصفا اياها بأنها: (كبيرة, وهي أكثر بثلاثة أضعاف من عدوان ابريل 1996) مشيرا الى ان الحرائق الهائلة التي اندلعت سببها الزيوت في المحولات والتي كانت تبلغ ما بين 225 الى 250 طنا, أي انه من الصعب اخمادها, لكن لا خطر من انفجارها. ويشير الى ان الغارة الأولى على المحطة أصابت المحولات 66 ــ 15 و66 ــ 11 ك.ف.أ. وعن تأثير العدوان على المحطة يقول: الأضرار كبيرة وبالتالي سوف تنعكس على التغذية العامة لعدد كبير من المناطق خصوصا المتن, الضاحية الجنوبية, فرن الشباك, الحازمية, الجبل وجزء من بيروت. ويلفت النظر الى انه يمكن معالجة محولات الــ 150 ك.ف.أ, الا ان المحولات التسعة الباقية فقد أصيبت بدمار كامل وتحتاج لاعادة تصنيع وشراؤها من فرنسا لسنة على الأقل لأنها تصنع خصيصا للبنان, أي ان اصلاح أضرار محطة الجمهور بالكامل يحتاج الى عام على الأقل, لكنه يتوقع خلال فترة شح التيار ان يوضع برنامج تقنين للكهرباء بحيث لا تنقطع فيه خلال اليوم سوى في فترة تتراوح بين أربع الى ست ساعات. نجاة الوزير ميقاتي من الغارة الثالثة عقب الغارة الأولى بخمس عشرة دقيقة, كانت الطرقات المؤدية الى محطة الجمهور تشهد ازدحاما من سيارات فوج الاطفاء والدفاع المدني بغية المباشرة باخماد النيران. وعلى الاثر (فيما بدأ الاعلاميون يهرولون لتغطية حدث (اشتاقوا) الى مثيله منذ عدوان ابريل 96 عمدت وحدات من الجيش الى تنظيم حركة المرور المضطربة, واقامة الحواجز, ومنعت الصحفيين من الدخول إلا ان (شطارة) بعض المصورين الذين سبق ان صوروا المحطة عقب ضربها في ذلك العدوان قبل حوالي السنوات الثلاث نجحوا في سلوك طريق ترابية اوصلتهم الى المحطة حيث التقطوا صورا وافلاما متلفزة للنيران الملتهبة. لحظات يصل وزير الاشغال العامة نجيب ميقاتي فنصحه احد الضباط بعدم الدخول الى المحطة, لكنه اصر فواصل طريقه حتى حاجز الجيش الذي سأله احد عناصره مين حضرتك؟ اجابه الوزير ميقاتي فتابع التوجه الى ان استوقفه على بعد امتار بعض الصحفيين والمصورين الذين شكوا منعهم من الدخول لتصوير المحطة والاضرار التي لحقت بها, فعاد ميقاتي بسيارته الى حاجز الجيش للتوسط للمصورين, لكن في هذه الاثناء حصلت الغارة الثالثة التي ذهب ضحيتها خمسة اطفائيين ونجا باعجوبة المدير العام لمؤسسة كهرباء لبنان جورج معوض الذي كان داخل حرم المحطة. وهكذا يكون منع الصحفيين من الدخول قد انقذ ميقاتي وانقذهم باعجوبة من الغارة. ولحظة وقوع الضربة الثالثة انبطح العسكريون والاعلاميون ارضا واختبأ البعض في المنازل المجاورة وتناهى الى الاسماع صوت المقدم في قوى الامن الداخلي محمد جبلي يسأل عن عناصره. وتبع ذلك خروج عنصر في فوج الاطفاء من المحطة واثار الحريق على وجهه قال صارخا: (مجموعة من رفاقي ماتوا في سيارة واحدة, والنيران تلتهمهم وثمة جرحى) . وعلى الاثر خرج معوض من هناك وكان سرواله ممزقا وبادر قائلا للوزير ميقاتي (وقعت كارثة والضربة الثالثة اصابت المحولات المشتعلة) فرد ميقاتي (انه عمل جبان ينفذه الاسرائيليون عبر ضربهم المرافق الحيوية ونقول لهم سنبقى ملتزمين المقاومة ضد المحتل) . غرفة عمليات في منزل لم يهدأ جهاز الهاتف المتنقل (الموبايل) لدى ميقاتي فكانت اتصالات مكثفة به من رئيس الجمهورية العماد اميل لحود الذي كان يتتبع ما يجرى لحظة لحظة وفي اتصال سريع قال لحود لميقاتي (انتبهوا ودير بالك على الشباب) . وكرر لحود الطلب نفسه مع الوزراء الآخرين الذي توافدوا الى المحطة وأولهم وزير الموارد المائية والكهربائية سليمان طرابلسي الذي وضعه ميقاتي ومعوض والمدير العام للتجهيز المائي والكهربائي الدكتور فادي قمير ومحافظ جبل لبنان عدنان دمياطي في اجواء ما حصل, فبدا طرابلسي متجهم الوجه ومتأثرا جدا. ثم وصل وزير الدفاع غازي زعيتر برفقة ثلاثة ضباط من الجيش فانضم الى ميقاتي وطرابلسي وكبار المسؤولين وضباط الامن والاعلاميين الذين حولوا المنزل المجاور للمحطة لصاحبه ايلي شربل الى (غرفة عمليات) احضرت اليها زجاجات مياه الشفة, وفناجين القهوة. وانضم الى هؤلاء الدكتور خليل عدوان مدير الصحة في جبل لبنان موفدا من قبل وزير الصحة الدكتور كرم كرم وافاد انه على اتصال دائم ومباشر بجميع المستشفيات التي يتلقى المصابون علاجات فيها. في اثناء ذلك حضر الى منزل العمليات ضابط برتبة رائد وسأل مسؤول المحطة عبدالله دبل عن مدى خطورة الزيوت في الخزانات وما امكانية انفجار خزاناتها, وهل يجب اضافة مواد كيميائية معينة الى المياه بهدف اطفائها فاجابه دبل مطمئنا (لا داعي للخوف, فهي غير قابلة للانفجار) . قطع الطريق الساحلية وبعد حوالي نصف ساعة, ابتعدت الغارات عن محطة الجمهور لتطال مناطق مختلفة, فاستفسر ميقاتي طرابلسي هاتفيا من الاجهزة الامنية آخر التطورات والاضرار الحاصلة ثم بادر ميقاتي الحاضرين بالقول : ابلغوني انهم ضربوا جسر الجية سأذهب الى هناك لأتفقده. لكن احد ضباط الامن تمنى على ميقاتي عدم الذهاب حرصا على سلامته وحياته وابلغه ان القوى الامنية قطعت الطريق الساحلية بين بيروت وصيدا وان الزوارق الحربية الاسرائيلية تبدوا واضحة وقريبة من الشاطىء. فاقتنع ميقاتي وقال: (ازور الجسر السادسة صباحا فالصباح رباح ويخلق الله ما لا تعلمون) . وفي هذه الاثناء كان العميد في قوى الامن الداخلي غسان تميم يأمر دراجين بالتوجه الى جسر الجية لاستكشاف الطريق على ان يظلا على اتصال به. وما لبث عند ذاك ان وصل نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية ميشال المر الى المسرح الملتهب فاطلع من كبار الضباط على الوضع واعطى توجيهات بهذا المعنى ثم اجرى اتصالا بالرئيس لحود. وفي غضون ذلك كان وزير العمل والشؤون الاجتماعية الدكتور ميشال موسى يتفقد المصابين في محطة الجمهور والذي جرى نقلهم الى مستشفيات قلب يسوع وسان شارل والحياة واشرف على معالجتهم والطلب الى ادارات المستشفيات تأمين كل المستلزمات على نفقة وزارة الصحة. ثم انتقلت الاهتمامات من منزل ايلي شربل الذي قال انه لم يكن يحلم ان يرى وزيرا في حياته فكيف الحال وقد رأي اربعة وفي منزله المتواضع بالذات (لكن ليت المناسبة غير هيك) , كما يقول اللي ما يحصل من غارات استهدفت تدمير الجسور في مناطق عدة ومنها جسر الاولى الى الشمال من صيدا جسر الجية, جسر الدامور ,جسر الزرارية (اي اربعة جسور) . وتذكر غارات قطع الاوصال بين اجزاء الوطن عبر تدمير جسوره بعملية الليطاني التي حصلت في العام 1987 وانحصرت مهمتها العدوانية في ذلك الهدف الميداني. بيروت ـ وليد زهر الدين: