الأمر المؤكد ان حرب البلقان تمخضت عن هزيمة استراتيجية كبرى لروسيا, ونجح حلف شمال الاطلسي في اجبار يوغسلافيا ومن ورائها روسيا على الرضوخ لإرادته وسحب القوات اليوغسلافية من اقليم (كوسوفو) والموافقة على دخول قوات الحلف الى الاقليم, الأمر الذي ظلت موسكو وبلجراد ترفضانه طويلا. وعلاوة على ذلك تم اضفاء الشرعية الدولية على هذا الانتصار الامريكي الاطلسي من خلال قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1244. وبدأ احتلال القوات الروسية المفاجىء لمطار (بريشتينا) بمثابة هجوم مضاد ناجح حقق اختراقا مهما, معنويا على الأقل, على احدى قطاعات المواجهة بين الطرفين الروسي والاطلسي, الا ان هذا الاختراق سرعان ما تم احتواؤه. وكان اتفاق هلسنكي بين وزير الدفاع الروسي سير جييف والامريكي كوهين تجسيدا واضحا لهزيمة موسكو, فقد وضع الاتفاق القوات الروسية المشاركة في حفظ السلام في كوسوفو تحت قيادة الناتو بصورة لا لبس فيها, بغض النظر عن بعض الرتوش التي تحفظ لموسكو بعض ماء الوجه. وبمقتضى اتفاق هلسنكي فإن عدد القوات الروسية في كوسوفو لن يزيد على 3600 رجل, وهو ما يقل بكثير عن العدد الذي كانت موسكو تريد نشره في الاقليم (10 آلاف رجل). احتواء روسيا كما حرم الاتفاق القوات الروسية من السيطرة على قطاع مستقل في الاقليم اسوة بالدول الخمس الكبرى (الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وايطاليا), فالقوات الروسية سوف تنتشر بمتقضى اتفاق هلسنكي في ثلاثة قطاعات (الامريكي والفرنسي والالماني) وتخضع هذه القوات لقيادة الناتو, ان كان سيتم ابلاغها بالأوامر من خلال ضباط روس للاتصال, ويحق لقيادة قوات الحلف في كوسوفو تكليف أية قوة اخرى بتنفيذ المهام التي تمتنع القوات الروسية عن تنفيذها, الأمر الذي يعني ان القوات الروسية اما ان تخضع فعليا لقيادة الناتو, أو تكون مشلولة من الناحية العملية. وفضلا عن ذلك فإن اتفاق هلسنكي ينهي سيطرة القوات الروسية على مطار بريشتينا, إذ يقضي الاتفاق بالسماح لجميع القوات المشاركة في مهمة حفظ السلام في كوسوفو بدخول المطار. وهكذا فإن اتفاق هلسنكي يمثل احتواء لنتائج عملية المطار التي بدت لوقت قصير انها يمكن ان تمثل انقلابا لسيناريو التدخل الأطلسي في كوسوفو, وقد يمكن القول انه لولا هذه العملية لكانت مشاركة روسيا في قوات حلف السلام في كوسوفو هامشية تماما, وهذا قول صحيح, لكن المؤكد ان اتفاق هلسنكي قلص اثار عملية بريشتينا بدرجة كبيرة ووضع قيودا صارمة على الدور الروسي في كوسوفو. وجاء بيان قمة الدول الصناعية الثماني الكبرى في مدينة كولونيا الالمانية, والتصريحات الصادرة عن اجتماعي الرئيس الامريكي كلينتون مع كل من الرئيس الروسي يلتسين ورئيس وزرائه سيرجي سيباتشين لتؤكد المعاني التي اشرنا اليها, وتشير الى اتفاق الجانبين على ضرورة (طي صفحة كوسوفو) حسب قول مستشار الامن الامريكي صمويل بيرجر, ولا معنى لذلك الا انه تعبير ملطف عن تسليم موسكو بالهزيمة. وفي المقابل وعدت الدول الغربية السبع المشاركة في القمة ببحث الغاء بعض ديون الاتحاد السوفييتي السابق التي ورثتها روسيا, بشرط توصل موسكو الى اتفاق مع صندوق النقد الدولي حول السياسات والتشريعات الضرورية لاصلاح الاقتصاد الروسي, كما اشار المراقبون الى ان الدول الغربية يمكن ان تطلب من الصندوق ابداء بعض التساهل في منح روسيا قروضا تبلغ قيمتها 4.5 مليارات دولار يجرى التفاوض حولها منذ عدة شهور. كما قدم يلتسين تنازلا مهما تطالب به الولايات المتحدة منذ فترة طويلة, هو ابداء روسيا استعدادها لاعادة النظر في معاهدة حظر انشاء نظم جديدة للصواريخ المضادة للصواريخ الموقعة بين البلدين منذ بداية السبعينات, ويعني هذا ابداء استعداد روسيا لاضفاء الشرعية على استئناف الولايات المتحدة للعمل في برنامج مبادرة الدفاع الاستراتيجي الشهيرة باسم (حرب النجوم) , ولا معنى لهذا الا موافقة روسيا على مزيد من اختلال التوازن النووي بينها وبين الولايات المتحدة, او بدء مرحلة جديدة من سباق التسلح الصاروخي لايقدر على تحملها الاقتصاد الروسي المتهالك. وعلاوة على ذلك وعد الرئيس الروسي ببذل مزيد من الجهود للضغط على برلمان بلاده لاقناعه بالتصديق على اتفاقية (ستارت 2) تمهيدا للشروع في التفاهم حول اتفاقية جديدة للحد من التسلح النووي (استارت 3) . الحصار والتهميش وبالرغم من اهمية دلالة اتفاق هلسنكي واعلانات وتصريحات كولونيا, فان مالم يتم ذكره حول نتائج حرب البلقان يظل اهم بكثير جدا, فالواقع اننا نشهد هذه الايام كتابة صفحات جديدة مهمة في تاريخ العالم وفي تحديد مصيره لسنوات طويلة مقبلة, فالحرب البلقانية اسفرت عن كتابة شهادة ميلاد جديدة للنظام العالمي الجديد بعد ان تمت كتابة شهادة ميلاده الاولى في حرب الخليج الثانية. وتشير الشهادة الجديدة الى تأكيد هيمنة القطب الامريكي الاوحد على العالم, وقيادته السياسية لاوروبا الموحدة بعد نجاحه في حملها حملا على خوض الحرب البلقانية تحت قيادته, والواقع ان عملية توسيع الناتو نحو الشرق تصب في اتجاه تعزيز النفوذ الأمريكي في أوروبا العملاق الاقتصادي المفتقد للادارة السياسية الموحدة. اما بالنسبة لروسيا فان توسيع الناتو باتجاه الشرق يهدف الى حصارها وعزلها عن أوروبا, وقد كان الهدف الأمريكي الاكثر اهمية من شن الحرب على يوغسلافيا هو القضاء على آخر معقل للنفوذ الروسي في جنوب شرق أوروبا, وفرض السيطرة الأمريكية على البلقان تحت رايات الناتو, واحكام حلقات الحصار حول روسيا على الجبهة الغربية, بعد نجاح واشنطن في ضم بولندا والمجر والتشيك الى الحلف العتيد, وغني عن البيان ان انقاذ ألبان كوسوفو من وحشية القمع الصربي ومجازر التطهير العرقي هو آخر ما كان يشغل بال المخططين الاستراتيجيين الأمريكيين والاطلسيين, وإلا كانت الحرب قد اتخذت اشكالا اخرى مختلفة تماما. ويمكن القول بأطمئنان ان الهدف الأمريكي الاطلسي فيما يتصل بالسيطرة على البلقان وطرد النفوذ الروسي من يوغسلافيا قد تحقق من الناحية الجوهرية, وان هذا الهدف سيشهد تقدما مطردا في الفترة المقبلة, وان روسيا سيكون دورها اقرب بكثير الى دور الشاهد أو المحلل منه الى دور الشريك, ولو حتى الشريك الاصغر. لقد كشفت حرب البلقان بوضوح عن تدهور قوة روسيا الشاملة وبالتالي عن محدودية الدور الذي يمكن ان تلعبه في العلاقات الدولية, وخاصة حينما تحزم الولايات المتحدة أمرها وتنجح في رص الدول الغربية الكبرى تحت قيادتها. ومهما تكن هذه الحقيقة سلبية بالنسبة لمصالح الدول الصغيرة, ومن بينها الدول العربية, فأنها تظل الحقيقة المؤلمة التي يتعين علينا التعامل معها الان, وفي المستقبل المنظور على الاقل.. الى ان يصبح ممكنا الحديث بجدية أكبر عن نظام عالمي متعدد الاقطاب. لقد وقفت روسيا عاجزة عن نجدة حلفائها الصرب, رغم قوتها النووية الهائلة ورغم تهديد يلتسين بان العالم قد يشهد حربا نووية اذا لم تتوقف الغارات على يوغسلافيا.. الخ الخ. فلم يكن أحد ليصدق ان أي زعيم روسي حتى ولم يكن يلتسين الثرثار العاجز, يمكن ان يقدم على تدمير العالم بما فيه روسيا نفسها من اجل يوغسلافيا أو غيرها, ومن ثم فقد بدأت تهديدات يلتسين جوفاء.. ووقف العملاق النووي (روسيا) عاجزا عن التأثير في المجرى الفعلي للاحداث, مادام عاجزا عن خوض حرب تقليدية خارج حدوده بسبب التدهور الكبير لعناصر قوته الشاملة. العملاق المشلول فالاقتصاد الروسي في حالة من التدهور والانهيار التام, وقد انخفض الناتج القومي الاجمالي الى أقل من النصف منذ عام 1991 حتى الان.. كما تعرضت القوات المسلحة الروسية للتنكيل الى حد كبير, وهي تعاني من عدم تحديث اسلحتها وعدم كفاية الاعتمادات حتى لصيانة الاسلحة الموجودة وتغطية النفقات الجارية, بما فيها مرتبات الضباط وصف الضابط التي تتأخر لشهور طويلة, وفي ظروف كهذه يصعب الحديث عن روح قتالية لاي جيش. وعلى المستوى السياسي تعاني روسيا حاليا من ضعف القيادة تقف بالبلاد على حافة التفسخ الفعلي, ويخضع يلتسين لسيطرة اللوبي الصهيوني الموالي للغرب والمهتم بنهب ما تبقى من ثروات البلاد, وشن حملة شرسة ضد الاتجاهات الوطنية والقومية وتحطيم معنويات الشعب الروسي من خلال السيطرة الصهونية على وسائل الاعلام. ونتيحة لذلك يتقلص نفوذ روسيا وتتراجع قدرتها على التأثير, ليس فقط في البلقان البعيد نسبيا, بل وايضا في دول الجوار القريبة من القوقاز وآسيا الوسطى التي لا تزال تجمعها رابطة الدول المستقلة والتي كانت حتى عام 1991 جمهوريات سوفييتية ويشهد اغلب تلك الدول الآن تغلغلا امريكيا متزايدا. لذلك كله يمكن القول انه اذا كانت حرب الخليج الثانية قد اسفرت عن كتابة شهادة وفاة للاتحاد السوفييتي, فإن حرب البلقان قد اسفرت عن تحرير شهادة وفاة لروسيا كدولة كبرى ولسنوات طويلة مقبلة, وبرهنت تلك الحرب على ان العملاق النووي المشلول يمكن ان يكون (ملطشة) ما دامت عناصر قوته الشاملة اضعف من ان تسمح له بخوض حرب تقليدية او فوق تقليدية. ولا يعني هذا ان روسيا قد خرجت من نادي الدول الكبرى الى الابد او انها اصبحت جثة هامدة فروسيا اكبر دول العالم من حيث المساحة واغناها بالثروات الطبيعية, ولديها طاقات صناعية كبيرة وطاقات علمية هائلة, والروس هم اكبر أمم اوروبا وقد مروا على مدى تاريخهم القديم بظروف اصعب من ظروفهم الحالية وبرهنوا على حيوية كبيرة وقدرة على النهوض من تحت الرماد والانقاض, ولكن ذلك يحتاج الى وقت لكي يحدث.. والاهم انه يحتاج الى بروز قيادة سياسية قادرة على استنهاض الشعب الروسي واستجماع قواه وبعث اقتصاده المنهار.. ووقتها يمكن ان تعود روسيا الى صفوف الدول الكبرى الفاعلة, او حتى تصبح مرة اخرى قوة عظمى. * كاتب سياسي مصري