وماذا بعد أن انتهت أطول حملة عسكرية جوية في التاريخ الحديث؟ السؤال هنا ليس فقط عن مستقبل الوضع في اقليم كوسوفو أو حتى فيما يعرف بيوغسلافيا أو صربيا الكبرى التي تقلصت مساحتها في عهد ميلوسيفيتش الى الثلث عندما صعد الى قمة الحكم فيها عام 1987؟ السؤال الجوهري هنا عن المستقبل بالنسبة لأوروبا كلها, بل ربما للعالم بأكمله اذا جاز القول ان هذه المنطقة ستعيد الاستقطاب العالمي مرة اخرى وتشعل صراعاً روسياً غربياً مرة أخرى. سيناريوهات المستقبل متعددة واذا كان البعض يتحدث عن احتمال لـ (أفغنة كوسوفو) فهناك من يشير الى (فتنمة) يوغسلافيا نهاية بمن لا يغفلون (بلقنه أوروبا) . ولان منطقة البلقان عرفت بانها أكبر مصنع للقوميات بكل تشابكاتها وصراعاتها التي تستمد جذورها من اساطير موغلة في القدم فان سيناريوهات المستقبل بعد الاتفاق الذي فرضته دول الاطلسي عبر مجموع الثماني لاتتوقف عن السيناريوهات الثلاثة السابقة الذكر ــ فالمنطقة بكل تعقيداتها السياسية والعرقية, التاريخية والجغرافية مفتوحة على كل الاحتمالات.. شأنها شأن النظام الدولي الراهن شديد السيولة والذي لم يتمكن من بلورة معالم واضحة منذ انهيار الاتحاد السوفييتي بداية هذا العقد. وما يكاد يتفق عليه غالبية المراقبين أن شروط الاذعان التي وضعها الناتو وقبلها قادة الجيش اليوغسلافي في مطعم على الحدود المقدونية الالبانية وقادت الى تصديق مجلس الأمن ثم تعليق الغارات الجوية وايقافها نهائياً ــ لن تؤدي الى خلق بيئة آمنه للتعايش في هذا الجزء المضطرب والذي مثل (خميرة العكننة) للصراعات القومية في شرق أوروبا منذ مئات السنين. في هذه الحرب الالكترونية تماماً والتي استمرت حوالي 75 يوماً.. الجميع يدعى انه انتصر حتى كوفي عنان الذي التزم الصمت طوال القصف وكانت منظمته الدولية ميته تماماً خرج ليحاول الحصول على جزء من الكعكة بعد ان فشل الأطلسي ابعاد المنظمة الدولية عن الاتفاق واضطر تحت الضغط الصيني الروسي بسلاح الفيتو الى وضع الأمم المتحدة كواجهة للادارة المدنية في كوسوفو رغم ان الكلمة العليا ستظل لقوات الناتو الرئيسية (أمريكا وبريطانيا وفرنسا والمانيا وايطاليا). وقبل استعراض سيناريوهات المستقبل المتوقعة فان جردة سريعة لحساب المكاسب والخسائر في هذه الحرب ستبين في النهاية ان الجميع خاسرون اذا اعتمدنا النظرة المستقبلية طويلة الاجل, قد يقول البعض ان كلينتون وآلته العسكرية حققا نجاحاً باهراً وان أوروبا خسرت استقلالها, قد يتبجح ميلوسيفيتش أمام شعبه بانه انتصر قد يفرح اللاجئون بعودتهم.. لكن الجميع خسر والمستقبل كفيل باثبات ذلك. خاصة اذا حسبنا تكلفة اعادة الاعمار والتي يقدرها البعض ما بين 100 ــ 150 مليار دولار ثم وذلك هو الاهم تأجيج النزعات العرقية وتغليب منطق الثأر والانتقام وتحويل كوسوفو الى مستنقع قد تغوص فيه اقدام الاطلسيين خطوة خطوة اذا نجح الروس والصينيون بالتعاون مع المتطرفين في صربيا في جر اقدام الناتو اليه بالتدريج. نعود الى موضوعنا وهو سيناريوهات المستقبل.. أول هذه السيناريوهات هو (أفغنة كوسوفو) هذا السيناريو تروج له وتخشاه في نفس الوقت اجهزة المخابرات الغربية خاصة الـ C.I.A وجهة نظر أصحاب هذا السيناريو ان جيش تحرير كوسوفو الذي قفز حجمه الان الى حوالي 17 ألف عنصر وزادت معنوياته بفعل دوره الارضي الذي سهل للناتو اصطياد العديد من الأهداف اليوغسلافية لن يرضى بسهولة القاء سلاحه حتى وان كان قد وقع على وثيقة بذلك.. ثم ان هدف هذا الجيش هو الاستقلال التام بعيداً عن يوغسلافيا وربما التطلع الى وحدة البانية كاملة.. هناك ايضا تزايد لدور الجيش وزعيمه هاشم تقي الدين على حساب ابراهيم روجوفا الذي يمثل الجناح المعتدل في الحركة السياسية الكوسوفية. تقول معلومات سربتها المخابرات الأمريكية ــ مستقاه اغلب الظن ــ من دعايات صربية يصعب الحكم على مصداقيتها ــ ان هذا الجيش له صلات وثيقة مع منظمات وحركات اسلامية عالمية بعضها في الشرق الأوسط وان متطوعين كثيرين من دول عربية واسلامية بل وأوروبية انضموا للجيش وحاربوا في صفوفه يستمر أصحاب هذا السيناريو في القول ان البيئة الموجودة الان في كوسوفو والانتصار الذي تحقق سيغريان جيش التحرير حتى لو تحول افراده الى عناصر في الشرطة المدنية الى استمرار التحرش بمن سيتبقى من الصرب وربما الى مهاجمة الجنود الروس الموجودين في قوة حفظ السلام.. بعدها سيبدأ الصراع بين جناحي الجيش الجناح اليميني صاحب النزعة القومية المتشددة والجناح الستاليني الذي كان مدعوماً من الزعيم الشيوعي الالباني انور خوجه.. سيحدث هذا الصراع كما يقول انصار هذا السيناريو بعد ان يحسم الجيش صراعه اولا مع ابراهيم روجوفا وانصاره. ورغم ان هذا السيناريو يعتمد الى حد كبير نظرية المؤامرة ويرمي في الاساس الى بذر جذور الخوف من اي استقلال لكوسوفو أو رؤية دولة مسلمة في مكب أوروبا إلا ان المقارنات مغرية ونجد انفسنا مضطرين الى استدعاء النموذج الافغاني الاصلي.. عندما تحالفت واشنطن مع المجاهدين ضد الغزو الروسي أو حسب تعبير بن لادن نفسه تقاطعت المصالح بين الطرفين.. وأصبح معلوماً ان اتصالات كثيرة جرت بين المخابرات الأمريكية وجيش التحرير رغم ان كثيراً من الأمريكيين نظروا لهذا الجيش باعتباره منظمة ارهابية, لكن المصالح ورغبة أمريكا في استنزاف نظام ميلوسيفيتش هي التي جعلت العلاقة تستمر الى حين. وهناك وجهة نظر تعتقد ان النعرة القومية المتطرفة لجيش التحرير لن يقتصر تأثيرها فقط على كوسوفو بل ستمتد الى البانيا نفسها وكذلك مقدونيا وربما الى دول مجاورة مثل بلغاريا والمجر وتعود في النهاية الى حرب عصابات اذا شعر افراد الجيش ان حلمهم القومي قد تبخر. السيناريو الثاني هو (بلقنة اوروبا) ... خيوط هذا السيناريو متداخلة ومعقدة لكن دلائلها متوافرة... فيوغسلافيا الجريحة والتي تقتات على الخبز القومي المتطرف وبعد ان وجدت نفسها بفعل هذه السياسة تتقلص شىئا فشيئا خلال عشر سنوات بعد انفصال سلوفينيا ثم كرواتيا والبوسنة وجيب كرايينا قد تدفعها الهزيمة الاخيرة الى محاولة الانتحار النهائي وتفجير المنطقة مرة اخرى تحت شعار (علي وعلى اعدائي) ... بلجراد لم تخسر المعركة الاخيرة كاملة فسيادتها على كوسوفو مازالت موجودة حتى لو كان الامر شكليا... وخسائرها المروعة اقتصاديا وعسكريا في الحرب قد تدفعها الى خطوة انتحارية من قبيل قمع الحركة الديمقراطية في الجبل الاسود او العودة الى كوسوفو مرة اخرى كما لوحت, والاشتباك وجها لوجه مع قوات الناتو مستغلة عدم وجود الحرب الجوية. ثم انه اذا ظل ميلوسيفيتش في السلطة ووجد حضنا دافئا لدى احد القياصرة في روسيا او دعما حقيقيا من المؤسسة العسكرية الروسية فلن يتردد في اشعال الحريق مجددا... في هذه الحالة وبالنظر الى وجود قوات اوروبية ومتعددة الجنسية فلن يكون مستغربا عودة القتال مرة اخرى ولكنه هذه المرة قتال دموي, ولعل اكثر المتخوفين من سيناريو البلقنة هو المحلل الاستراتيجي الامريكي انتوني كوردسمان الذي يلخص وجهة نظره في ان البوسنة الموحدة لاتزال اسطورة والطموحات الكرواتية مستمرة والجبل الاسود يتجه للانفصال عن يوغسلافيا ورئيسه اكثر انفتاحا على الغرب ومقدونيا تخشى غضب الصرب والالبان معا والبانيا نفسها ضعيفة عسكريا واقتصاديا... ومع انضمام المجر ورومانيا وبلغاريا الى الناتو فان التوتر مرشح للتزايد لاحساس روسيا ان الضغط الاطلسي بات يقف على بابها وربما تشعر ان الدور عليها قد اقترب كثيرا كل ذلك يجعل كل اوروبا على صفيح ساخن. انطلاقا من هذا السيناريو فان البعض لا يستبعد محاولة روسية صينية لتحويل يوغسلافيا الى فيتنام جديدة لأمريكا والغرب وذلك اعتمادا على ان قوات الاطلسي قد دخلت بالفعل ولن تخرج الا بعد استتباب الامن... من هنا فإن تزويد الصرب بالاسلحة وجر جنود الناتو الى حرب استنزاف طويلة الامد والعمل على اسقاط جنودهم قتلى... كل ذلك قد يدفع الرأي العام الغربي الى الضغط لاعادة هذه القوات الى بلادها هذا السيناريو يلبي رغبة القوميين الروس والصرب معا كما ان سلوك جيش تحرير كوسوفو المستقبلي سيلعب دورا مهما في بلورته وهنا يقول اصحاب هذا السيناريو ان امريكا كانت الكاسب الاكبر في اللعبة باكملها مع خسارة نسبية لاوروبا التي وجدت نفسها تابعة لما يقوله الناطق الرسمي الامريكي لكن بمجرد دخول القوات الى ارض كوسوفو فان كل الاحتمالات اصبحت مفتوحة على مصراعيها خاصة ان الشيطان لا يختبىء فقط في تفاصيل اتفاق السلام ولكنه موجود وواضح للعيان في الخطوط العريضة لهذا الاتفاق الذي قدم مجرد (مسكنات للحالة) ونسي جذور المشكلة. لايستبعد المتابعون ايضا صراعا اوروبيا امريكيا حول كوسوفو والاسباب هنا متعددة اولها ان واشنطن تريد تحميل اوروبا الجزء الاكبر والاهم من فاتورة اعمار البلقان التي لن تقل عن 100 مليار دولار والمعنى المباشر هنا ان اليورو سينهار امام الدولار خاصة انه بدأ الترنح مع بدء الضربات العسكرية التي لعبت فيها الآلة الامريكية الدور الاكبر. الاوروبيون ايضا فوجئوا بان قرارهم ليس مستقلا وان الحل النهائي ظل رهنا بالتفاهم الامريكي الروسي ورغم ان بقية دول اوروبا الشرقية سيتم دمجها في الاتحاد الاوروبي ان آجلا او عاجلا فان تكلفة ادماجها ستكون رهينة بالنظر الى اقتصادياتها المنهارة. هناك اخيرا السيناريو الاكثر تفاؤلا والذي تروج له واشنطن وبريطانيا وبقية الحلفاء.. يقول هذا السيناريو ان ايام ميلوسيفيتش في الحكم اصبحت معدودة وان القوى الديمقراطية الاخذة في التبلور بيوغسلافيا سوف تطرده خارج الحلبة وربما يندفع بعض قادة الجيش المجروحين لقتله.. في هذه الحالة واذا نجح الرهان فإن يوغسلافيا ستجد معونات غربية متنوعة لاعادة اعمارها ودمجها في الاتحاد الاوروبي وبالفعل فان الغرب ربط بين اي مساعدة ليوغسلافيا وبين رحيل ميلوسيفيتش. احد العيوب الجوهرية في هذا السيناريو هو (المرض العراقي) فكما نعلم ان الغرب وواشنطن تحديدا راهنت على سقوط صدام حسين بعد شهور من عاصفة الصحراء وامدت المعارضة بالاموال والسلاح والدعاية بقية القصة نعرفها وخلاصتها ان صدام مازال في الحكم والعراق يتلاشى.. الخوف هنا ان يستغل ميلوسيفيتش المشاعر القومية الصربية ويلعب على وتر ان يوغسلافيا الارثوذكسية السلافية قد صمدت امام العالم الكاثوليكي البروتستانتي وان الصرب هم الضحية الدائمة للتاريخ الاوروبي.. هنا واغلب الظن ان صدام حسين الاوروبي سوف يستمر لسنوات طويلة مقبلة وتتحول يوغسلافيا الى (عراق اوروبية.. قد يرضي هذا السيناريو بعض صناع القرار الامريكيين لكن سيكون بمثابة الكابوس لاوروبا حيث ستتحول يوغسلافيا الى الجمرة المشتعلة التي يبقيها الامريكيون خامدة تحت الرماد لمنع انبعاث امة اوروبية موحدة كما فعلوا في المنطقة العربية بالضبط من صنع اسرائيل ثم ضرب مصر عام 1967 واخيرا تدمير العراق لتظل المنطقة في حالة نزيف مستمر, الاوروبيون في هذه الحالة يتمنون ان يتحول ميلوسيفيتش الى نموذج تشاوشيسكو عندما اعدمه مواطنوه في انتفاضة شعبية ولا يتمنون بالمرة تحوله الى نموذج صدام حسين وسواء تحقق النموذج العراقي او الروماني فإن الشعب الصربي الذي انهكته الاوهام القومية المتطرفة هو الذي دفع الفاتورة الاسوأ في هذه الدراما السوداء ومعه لاجئو كوسوفو. الجميع خسر ومن كسب مؤقتا ربما يخسر لاحقا, فالحرب كما يقول محمود درويش اولها كلام واخرها هواء ونضيف اخرها خراب ودماء.