توقفت تماما تصريحات قادة حلف الناتو بشكل عام, والقادة العسكريين في واشنطن بشكل خاص, حول نتائج القصف الجوي في يوغسلافيا الذي استمر أكثر من شهرين , هذا في الوقت الذي علت فيه أصوات كثيرة تصرح بأن أسلوب القوة لم ينفع في حل المشاكل, وان القصف الجوي المدمر لم يسفر الا عن خسائر مدنية كبيرة لن تتحملها في النهاية يوغسلافيا وحدها بل سوف تتحملها أوروبا ودول أخرى. ووصلت درجة المبالغة في التصريحات الى حد القول ان اليوغسلاف سعداء الى حد ما بهذا الدمار لأن بلادهم قبل الحرب لم تكن أحسن حالا, وكانت منهارة اقتصاديا, ومنازلهم التي أسقطتها الحرب كانت قديمة وعلى وشك السقوط من تلقاء نفسها, وكل ما دمرته الحرب من بنية تحتية في يوغسلافيا كان قديما ومتهالكا ويحتاج للإزالة ويقولون أن هذه الحرب بما سببته من دمار وبما سوف تجلبه على يوغسلافيا من تبرعات ومساعدات تقدر بعشرات المليارات قد ساعدت اليوغسلاف أكثر مما أضرتهم. فشل الناتو واذا كانت هذه هي النتيجة المادية للحرب والدمار الذي وقع في يوغسلافيا صحيحة الى حد ما فإن هناك نتائج أخرى كثيرة ان دلت على شيء فإنما تدل وبشكل واضح وبشهادة العديد من رجال السياسة والخبراء, على ان أسلوب القمع العسكري الذي يتبعه حلف الناتو بقيادة واشنطن لا يحقق نتائج ايجابية كثيرة, بل على العكس يؤدي في النهاية الى دعم أكبر للحكام الديكتاتوريين والمتسلطين على شعوبهم بالقوة, ويؤدي الى مزيد من تمسك هذه الشعوب بهؤلاء الحكام لاحساسهم بقربهم منهم ووجودهم معهم تحت القصف والدمار, واحساسهم من هول الحرب ودرجة وحشيتها وقسوتها انها تهدف الى ابادتهم والقضاء عليهم أكثر مما تهدف الى ابادة حكامهم الديكتاتوريين الطغاة والمستبدين. هذه المفاهيم رسخها قصف الناتو ليوغسلافيا على مدى الشهرين الماضيين, والذي نتجت عنه خسائر مدنية وبشرية تضاربت الأرقام والمصادر حول تقديرها, وان كانت وبشهادة مصادر غربية ولجان تابعة للأمم المتحدة تقدر بأكثر من 60 مليار دولار وهو رقم كبير لو استطاعت يوغسلافيا أن تحصل عليه كتبرعات من الغرب, حتى لو رحل ميلوسيفيتش عن الحكم, فإنه كفيل ليس فقط بإعادة الاعمار ولكن ايضا بإنعاش الاقتصاد اليوغسلافي بشكل عام. وليتساءل البعض الآن: اذا كان القصف الجوي على مدى أكثر من شهرين لم يحقق الأهداف المرجوة من ورائه فهل هذا يعني في النهاية هزيمة الناتو وانتصتر الصرب بقيادة ميلوسيفيتش؟ أم ان الأمر حتى النهاية لا يتعدى كونه فترة راحة لاستعادة القوة, والتفكير في خطط أخرى والاعداد لمراحل أخرى؟ ام ان هناك أسبابا خفية داخل حلف الناتو اضطرته لقبول وقف الحرب, والدخول في مفاوضات سلام مع (مجرم الحرب الديكتاتور ميلوسيفيتش؟ وما هو الدور الذي قامت به روسيا وماهي الأهداف التي تتطلع اليها في المنطقة؟ خاصة وان الكثيرين من المحللين يؤكدون على ان التوصل لاتفاق وقف القتال جاء نتيجة مباشرة لتحرك الدبلوماسية الروسية في السر والعلانية طيلة شهر كامل مضى؟ دخول الروس الاجابات عن كل هذه الاسئلة من الصعب تحديدها بدقة من الآن, لأن الكثير من الأمور لم تتضح بعد, ودخول القوات الروسية اقليم كوسوفو بالشكل الذي دخلت به وتصميمها على السيطرة على أماكن استراتيجية ومنها مطار (سلاتينا) في بريشتينا يعكس بشكل واضح ليس فقط خلافات في وجهات النظر بين أطراف اتفاق السلام, ولكن ايضا يعكس نواحي وجوانب ضعف في موقف حلف الناتو ومدى سيطرته على الموقف في الداخل. ومن الواضح ان الروس دخلوا الى كوسوفو ليس للمشاركة في حفظ السلام والأمن بقدر ما هو دعم وحماية للصرب, وخاصة ضد قوات جيش تحرير كوسوفو التي لم تلتزم حتى الآن بالقرار رقم 1244 الخاص بوقف القتال ونزع سلاح قوات جيش تحرير كوسوفو والقوات الألبانية الأخرى. ويذهب العديد من المحللين والمراقبين الى ان حلف الناتو وافق على التفاوض مع ميلوسيفيتش, وعرض عليه شروطا لتسوية النزاع ووقف الحرب وصفتها صحيفة (الفايننشال تايمز) صراحة بأنها افضل بكثير من الشروط التي عرضت على ميلوسيفيتش قبل اندلاع الحرب, وان هذه الشروط ان دلت على شيء فانما تدل وبشكل واضح على ان موقف الصرب وميلوسيفيتش الان اقوى من موقفهم قبل الحرب, وليس ادل على ذلك من ان يوافق حلف الناتو على اعطاء الامم المتحدة دورا كبيرا, في تسوية النزاع, وهو الامر الذي كان يرفضه قادة الحلف تماما من قبل. الاضطرار للتفاوض ويقول المحللون ان هذه النتائج التي وصل اليها الوضع في يوغسلافيا تعكس بشكل واضح معالم هزيمة غير معلنة لحلف الناتو, بعد اكثر من شهرين من القصف والدمار الهائل. وينعكس هذا بشكل اكثر وضوحا على تصريحات القادة الصرب وتصرفاتهم منذ وقف القتال, فقد صرح قائد الجيش اليوغسلافي الجنرال نيبوسيا بافكوفيتش, قائلا: لقد حققنا نصرا كبيرا ولم تقهرنا ضربات الاطلسي, ولم نخضع ومازلنا قادرين على الصمود والقتال وهم يعلمون ذلك جيدا, والدليل على ذلك انهم الان يفاوضوننا بعد ان كانوا بالامس يقولون اننا مجرمو حرب. وقد نشرت العديد من الصحف الغربية وخاصة في واشنطن, ان النتائج السلبية لقصف الناتو ليوغسلافيا وما اوجدته من انقسامات حادة في الرأي داخل الناتو دفعت قادة الحلف إلى الدخول في مفاوضات مع يوغسلافيا, بدأت بوساطة سرية تولاها رجل اعمال سويدي يدعي بيتر كاستينفلت هو الذي عرض على ميلوسيفيتش رغبة حلف الاطلسي في التفاوض معه. والغريب في الامر انه رغم هول ورعب قصف الناتو ليوغسلافيا, الا ان اليمين الصربي الراديكالي بقيادة (سيسيل) نائب ميلوسيفيتش رفض اتفاق تسوية النزاع مع الناتو, وهدد بالانسحاب من البرلمان اليوغسلافي اذا وافق ميلوسيفيتش على اتفاق السلام. وقال (سيسيل) علنا: لماذا نقبل مثل هذا الاتفاق ونحن الان في موقف قوة, وعلى ثقة من ان الناتو لن يستطيع الاستمرار في القصف ولن يحقق نتائج ايجابية, وان اضطر للتفاوض معنا تفاديا لهزيمة قادمة من وراء الانقسامات الشديدة التي سوف تحدث في قيادته لو استمر في القصف اكثر من ذلك. ويرى المحللون ان استمرار الحرب على النمط الاطلسي كان يهدد بحرب كبيرة في اوروبا, وان اهداف واشنطن في يوغسلافيا ثبت بعد شهرين من القصف المستمر انها لا يمكن تحقيقها الا بتدمير شامل ليوغسلافيا, وهو امر لا يوافق عليه الاوروبيون لانهم في النهاية هم الذين سوف يدفعون ثمنه في مستقبلا. ويقول هؤلاء المحللون ان واشنطن كعادتها تصنع من اعدائها من الحكام الطغاة والمستبدين ابطالا قوميين تتمسك بهم شعوبهم اكثر, وها هم يعطون الفرصة لميلوسيفيتش مثلما اعطوها لغيره من حكام اخرين ليعلن عن نفسه كبطل للصمود والنضال ضد اكبر قوة عسكرية في تاريخ البشرية, والشعوب الضعيفة والمنهارة والتي لا تجد امامها سوى الشعارات لتتمسك بها. الموقف الاوروبي وينعكس اخفاق الناتو على الموقف داخل اوروبا حيث سارعت المانيا وفرنسا اللتان كانتا بالامس القريب تؤيدان القصف الجوي وتصفان ميلوسيفيتش بأنه مجرم حرب وسارعتا بالاشادة بالموقف اليوغسلافي في قبوله لاتفاقية تسوية النزاع, وطالبتا واشنطن بسرعة التعامل مع الموقف اليوغسلافي وعدم اضاعة الفرصة, هذا في الوقت الذي تعلو فيه داخل فرنسا والمانيا وبريطانيا ايضا صيحات تطالب باستقلالية قرار الامن الاوروبي عن واشنطن. هذا كله في الوقت الذي تتصرف فيه روسيا وقواتها داخل يوغسلافيا بحرية واستقلالية عن قيادة الناتو, ساعية إلى تثبيت وجودها في البلقان ومستغلة في ذلك الموقف الضعيف للناتو بعد فشل سياسته العسكرية في حل النزاع. واكثر من ذلك تسعى روسيا إلى تأمين حلفائها الصرب ووضعهم في موقف اكثر قوة, عن طريق تصميمها على نزع سلاح جيش تحرير كوسوفو واستمرارها في الدفع بمزيد من قواتها نحو الاقليم, ولا يستبعد المراقبون وقوع صدامات مسلحة بين القوات الروسية وجيش تحرير كوسوفو, وهو ما صرح به مندوب موسكو في الامم المتحدة (سيرجي لافروف) حيث قال: ان على واشنطن ان تضغط على البان كوسوفو كي يتركوا سلاحهم, والا فان القوات الروسية لن تكون مسؤولة عن تصعيد النزاع معهم. وقد طالب رئيس لجنة الدفاع في البرلمان الروسي بارسال قوات اكبر إلى يوغسلافيا, وقال: (لقد دخلت قواتنا يوغسلافيا ولن تخرج من هناك الا بعد ان تستقر الامور لصالح حلفائنا الصرب) . وصرحت وزيرة الخارجية الامريكية مادلين اولبرايت علنا: انها قلقة من تصرفات القوات الروسية في كوسوفو, ولا تعرف بالتحديد من يوجهها داخل موسكو, هل هو الرئيس يلتسين ام جهات اخرى متطرفة؟ أيا كان الامر فان الاوضاع في يوغسلافيا الان ليست افضل بكثير مما كانت عليه, ومصير اللاجئين الالبان اصبح اكثر غموضا وتهديدا عن ذي قبل, وميزان القوى في البلقان لا يستطيع احد ان يحدد الان توازناته, واطراف الصراع زاد عددهم بدخول الروس يوغسلافيا, وربما يزيد عددهم اكثر في المستقبل مع بوادر حدوث انقسامات داخل حلف الناتو بين واشنطن واوروبا.