ارست حرب كوسوفو حمولتها, بعد اسابيع من الضربات العسكرية لحلف الناتو والمقاومة اليوغسلافية الملفوفة بالأسرار. وباتفافية السلام المحاطة بالشكوك في جدواها او استمرارها وبدأ اللاجئون الكوسوفيون يحملون بقايا جراحهم النازفة واحزانهم, للعودة الى ديارهم وسط طريق محفوف بالألغام والأخطار واحتمالات الانفجار والعودة لنقطة الصفر من جديد, في حين تقف روسيا في قلب الاحداث تلعب دور الحارس للاهداف والمصالح اليوغسلافية الصربية قبل لعبها دور الحارس في عملية السلام. والسلام في البلقان بدأ تنفيذ اخطر مراحله على أطلال الدمار, في وقت اقسمت فيه امريكا على عدم مساندة الاعمار في يوغسلافيا او كوسوفو, وان تتحمل اوروبا وحدها كل التبعات, في حين يراقب الشعب الكوسوفي الايدي الاوروبية عسى ان تمتد له بسرعة للمساعدة, ويقف الشعب اليوغسلافي حائرا بين الخيار الاوروبي بان يرحل رئيسهم سلوبودان ميلوسيفيتش ليعود اليهم العمار, او ان يبقى في السلطة فيبقى الخراب مخيما على البلاد. حول السلام ومستقبل البلقان واحتمالات رحيل الرئيس اليوغسلافي, ودور روسيا في هذا الصراع كان لــ (الملف) هذا الحوار مع رونالد دروب خبير شؤون البلقان. ترجيحات خادعة وفقا للمعطيات الواقعية المطروحة على الساحة اليوغسلافية, هل من المتوقع رحيل سلوبودان ميلوسيفيتش عن السلطة من اجل حصول بلاده على الدعم الغربي لإعادة اعمارها؟ ــ منذ اعلان ميلوسيفيتش موافقته على اتفاق السلام وكل وسائل الاعلام حتى لدينا هنا في الغرب تطرح هذا السؤال, وهو سؤال يعبر عن رد فعل تلقائي استطيع ان اتفهمه, لكن بموضوعية ومزيد من العمق, اقول, لو فرض جدلا ان ميلوسيفيتش اعلن اعتزاله الحياة السياسية الآن, فلن يأتي غيره بعصا سحرية تحل كل المشاكل المعلقة مع يوغسلافيا ويحل الصراعات بين يوم وليلة. اذاً السؤال هو: هل يعتزل نظام ميلوسيفيتش كاملاً, وهل نستطيع الجزم انه لو جاء نظام جديد سيسير على نهج سابقه, او سيغير من تلك السياسة, وما هو النظام البديل..؟ تأتي من داخل صربيا نفسها تلميحات واسئلة عن وجود معارضة قوية لسياسة ميلوسيفيتش, وللأسف فان حلف شمال الاطلسي ومعظم الحكومات الاوروبية تتبارى في الترحيب بمثل هذه الترجيحات. وارى ان كل التوقعات الداخلية والترجيحات الخارجية تكون غير متوازنة اذا ما اعطت الانطباع في المجتمع الدولي بان الرئيس اليوغسلافي سيرحل بسرعة بفعل المعارضة, واعتقد انه من المفيد قراءة الواقع الداخلي جيدا قبل إعلان تكهنات قد تخدعنا جميعاً. لقد بدأ المواطنون اليوغسلاف يرفضون اخضاع ابنائهم للتجنيد, وبدأت ايضا نسبة الغياب والهروب من الجيش ترتفع بصورة خطيرة, وكانت المخابرات العسكرية اليوغسلافية من الذكاء لئلا تفجر قضية غياب او هروب الجنود من الجيش, بل كانت المخابرات ترسل الضباط وبعض القادة الى هؤلاء الجنود لتسليمهم تصاريح باجازات طويلة لتقنين مسألة الغياب, وفي الوقت نفسه يتم تسليم هؤلاء الجنود سلاحاً وذخيرة حية وتكليفهم بالقيام بمهام امنية في مناطقهم السكنية, وهكذا حولت المخابرات هذا السلاح السلبي الخطير الى وسيلة ايجابية لتأمين المناطق والمنشآت المدنية. وحقا توجد بعض المؤشرات الغاضبة على ميلوسيفيتش, والتي تمثلت مثلا في خروج المدنيين في مدينة (الكسندروفاك) الى الشوارع للتعبير عن غضبهم, وانضمام اعضاء السياسات المحلية لهم ورفعهم لشعارات تدينه وتحمله الخطأ الاكبر لتسببه في الحرب, الا ان هذا الامر لم يصل الى ثورة او غضبة جماعية تطالب باستقالته من الحكم, كما انه ليس من المستبعد ان يكون للرئيس اليوغسلافي نفسه مصلحة في خروج مثل هذه الاصوات المحدودة لتعلن ادانته, حتى يظهر على الجانب الاخر تأييد الغالبية العظمى له وترجيح كفتها, بدليل عدم قيام مظاهرات واسعة لتشمل كل المدن اليوغسلافية. لكن لا اعتقد ان ميلوسيفيتش سيترك الشعب اليوغسلافي يصل الى حد الغضب الشامل عليه, فهو اول من سيشعر بان ساعة رحيله قد حانت وعليه ان يتركها بإرادته قبل اجباره عليها, وقبل رحيله سيكون قد اعد فريقا كاملا بكوادره ليستكمل بعده ما لم يتمكن هو من انهائه. وحقيقة اتفق مع اجهزة الاستخبارات التابعة للناتو والتي قالت بان بداية النهاية لميلوسيفيتش قد حانت, ولكن ما لم يستطيعوا التكهن به هو التوقيت الذي سيرحل فيه, والذي من المتوقع ان يتحدد خلال الاشهر القليلة المقبلة. ماهي العوامل الضاغطة التي يمكن ان تعجل برحيله؟ ــ ليس الغضب الشعبي وحده هو الذي سيعجل برحيل الرئيس اليوغسلافي, فالمطلوب اكثر من ذلك بكثير, فالاتحاد الاوروبي بجانب امريكا لديهم ادوات قوية اقتصادية خاصة في هذا الوقت اكثر من أي وقت مضى للضغط على الحكومة اليوغسلافية, وذلك باتخاذ مبادرة سياسية جادة تتمثل في الاتي: ــ اعلان الغرب شروط اعادة اعمار يوغسلافيا, ويشترط ان يوافق عليها البرلمان في يوغسلافيا, والا يقع الغرب في خطأ التوقيع عليها مع ميلوسيفيتش وحكومته, لأن الاكتفاء بتوقيع هذا الاتفاق مع الحكومة فقط يمكن ان يعطي الحكومة الفرصة للتنصل منها في اية لحظة, اما في حالة توقيع البرلمان فلا يمكن التنصل من الالتزام بالاتفاقية بسهولة. ـ البدء في سرعة اعادة اللاجئين الكوسوفيين بدول الاتحاد الاوروبي. ـ تبدأ اعادة الاعمار بمساعدات عينية توضع في يد المنظمات الانسانية لاعادة بناء مساكن الكوسوفيين اولا. وسيكون من نتيجة ذلك ان تصل رسالة سياسية واضحة للشعب اليوغسلافي تثبت النوايا الجادة للغرب في مد يد العون لهذا الشعب, ومن ناحية اخرى تحرضه بشكل علني على خيارين: اما الضغط العلني على الحكومة لقبول شروط الغرب التي هي في صالح الشعب, واما الضغط عليها للرحيل, ولتلاشي الافرازات السلبية لهذا الرأي يجب اعلان خطة اعمار واضحة لكل يوغسلافيا, حتى لا يتهم الغرب بالتحيز لجانب الشعب الكوسوفي, ولا يجب في هذا الصدد ايضا اغفال ان الكوسوفيين هم اكثر المتضررين. حلم صربيا الكبرى وما هو في تصوركم مستقبل البلقان في ضوء اتفاق السلام الجاري تطبيقه؟ ــ الصراع اليوغسلافي في البلقان يحركه حلم صربيا الكبرى لدى الشيوعي القديم (ميلوسيفيتش) , فهذا الرئيس اليوغسلافي هو نفسه الذي اقسم لشعبه في بداية التسعينات ان يحقق حلم صربيا الكبرى مهما كان الثمن, وقد خاض ميلوسيفيتش بكل وحشية حرب التصفية العرقية ضد المسلمين البوسنيين, ثم خاضها الآن ضد البان كوسوفو, فلم ينس الصرب وقوف البانيا المسلمة بجانب تركيا لهزيمتهم. وساهم في تفجير الصراع بين صربيا والالبان ان شعوب منطقة البلقان كاملة اصبح لديها مفهوم صنعته الاحداث والتطورات السياسية تمثل في أن اتفاقية دايتون لم تعد قادرة على اعادة الهدوء والامان التام, فمن يملك القوة يستطع خرق الاتفاقية دون خوف. والتاريخ القديم لمنطقة البلقان يؤكد بما لا يدع مجالا للشك انها كانت دائما (القنبلة الموقوتة في اوروبا) , ولم تستطع اتفاقية دايتون اسقاط هذه الحقيقة التاريخية, فنيران توتر وصراع الاقليات في البلقان بقيت وستبقى مشتعلة تحت الرماد وتهدد بدفع ضحايا جدد على الساحة, ولا توجد حتى الآن مؤشرات حقيقية تؤكد نهاية ازمة الثقة بين الاقليات العرقية, كما ان رغبة ميلوسيفيتش في الاحتفاظ بالقوة لا تزال قائمة, وهو الرجل الذي لعب دورا غامضا في تفكك النظام اليوغسلافي, ثم بدأ الحرب مع كرواتيا, وشن الحرب المدمرة على الاقليات المسلمة في البوسنة والان على الالبان في كوسوفو. ولا اتوقع ان يكون المستقبل في البلقان افضل مما اصبح عليه مؤخرا من تفجر الصراعات العرقية وبقاء النيران مشتعلة تحت الرماد لتندلع بين فترة واخرى طالما بقيت الاسباب الاساسية لهذه الصراعات قائمة, والتي تتمثل في عدة نقاط لعل اهمها: ـ سوء الاوضاع الاقتصادية في دول البلقان والذي يغذي حدة الصراع في العديد من المناطق هناك ويبقي النيران تحت الرماد كما هو الحال في شرق مقدونيا, وبالرغم من ان بلاداً مثل بلغاريا ورومانيا لا تعاني من مشاكل جذور الخلافات العرقية مثل مختلف شعوب البلقان, الا ان تدني مستوى الحياة الاقتصادية يجعلها مناطق ساخنة وقابلة للانخراط في الصراعات المحتملة, يضاف الى ذلك ان بلغاريا واحدة من الدول الست في المجلس الاوروبي الا انها لم توقع على اتفاقية حماية الاقليات, مما يؤذن بحدوث صراعات بين الاقليات العرقية بها, لذلك فمن المتوقع استمرار الصراعات وتفجرها مالم تعجل اوروبا الغربية بتقديم مساعدات ملموسة لهذه الدول بجانب تحقيق وعودها في ضم البلقان للاتحاد الاروبي, مع التخفيف من حدة الشروط الواجب توافرها في دول البلقان للحاق بركب الاتحاد الاوروبي. ــ المعطيات الحالية لمنطقة البلقان تؤكد انها في اشد الحاجة لمساعدات اقتصادية سريعة من اوروبا, فلو هدأ الصراع الان بين الالبان والصرب في كوسوفو ونجحت اوروبا في تسييجه وحصاره, فلن يمنع هذا من عودة هذا الصراع من جديد او نشوب صراعات اخرى, وحتى تضمن اوروبا استقرار الاوضاع وحصار الخلافات قبل تفجرها, لابد ان يهتم الاتحاد الاوروبي جديا بهذه المنطقة اقتصاديا, فاعتقاد الغرب في ان الفتات تكفي لجنوب شرق اوروبا, هو حل رخيص ومن المؤكد ان دول غرب اوروبا ستحرق يدها ان لم تتقدم بمشروعات اقتصادية كطريق لانهاء صراعات الاقليات العرقية في البلقان وتلاشي حدوث حرب جديدة. ـ وقبل هذا على الغرب الاوروبي ان يسعى لابعاد او اسقاط الوجوه السياسية القديمة ذات الاحلام التوسعية من دول البلقان ونعني بها سلوبودان ميلوسيفيتش اولا الذي يجد من الدعم الروسي الكثير مما يقوي شوكته ويجعله في كل لحظة يسوق نذراً جديدة للحرب والصراع. هل نتوقع ان يكون لروسيا دور جديد على الساحة الدولية بعد موقفها في كوسوفو ام ان ما حدث مجرد موقف عابر مرتبط بمصالح روسيا مع يوغسلافيا؟ ــ الغضب الروسي ازاء التصرفات الغربية في يوغسلافيا بدأ منذ شن الناتو لضرباته العسكرية, ويعود ذلك للعلاقة التاريخية القديمة الدينية الارثوذكسية التي تربطها بالشعوب السلافية, وتعتبر الكنيسة الروسية الام للارثوذكسيين, فقد دعا (دانيلفسكي) عام 1869 الشعوب السلافية الى التوحد مع روسيا, ومنذ ذلك الحين بدأت (نظرية السلافية العمومية) تتخذ شكلا واضحا في البلقان امام (النظرية الجرمانية العمومية) في اوروبا الغربية والتي كانت تدعو لها النمسا والمانيا, ويذكر هنا ان الصرب لم ينسوا ان النمسا كانت ترغب احتلال منطقة البلقان لتدعم امبراطوريتها, ومن ذلك الحين يشعر الصرب بالخوف والخطر من اوروبا بصفة عامة ويتعاملون معها من منطلق عدم الثقة, هذا من ناحية الدوافع التاريخية للتدخل الروسي. اما في التاريخ المعاصر, فمنذ تفكك الاتحاد السوفييتي تشعر روسيا انها تقبع في دور المهزوم, وتوالت الازمات عليها وخاب ظنها وفقا لرؤيتها في الغرب الاوروبي, من هنا تحاول ان تبحث لها عن دور تستعيد به بعضا من مكانتها الدولية, وقد وجدت في تدخلها بجانب يوغسلافيا دورا واقعيا تدعمه الروابط التاريخية والمصلحة الحالية. اما من ناحية المستقبل فمن المؤكد انه سيكون لروسيا دور ملحوظ اذا ما تحسنت فقط حالتها الاقتصادية وخرجت من ازمتها, الا انني لا ارجح ان الغرب سيترك لها هذا الدور, ولعلنا شاهدنا في الايام الاخيرة موقف روسيا اثناء حضورها قمة الدول الصناعية الكبرى في كولونيا بالمانيا وهي تطلب المساعدات, وان استجاب الغرب لروسيا فلن تكون معوناته بالقدر الذي يسمح لها بالنهوض من جديد كقوة عسكرية او سياسية فاعلة, ويبقى الحضور الروسي على الساحة الدولية في حدود عدم اراقة ماء وجهها كدولة عظمى سابقا. اجرى الحوار في لاهاي: سعيد السبكي