يرى العديد من المثقفين الايطاليين بان استغلال مأساة الالبان المسلمين في كوسوفو, ونقصد اتفاقية مونبلييه التي تنص على (احتلال عسكري دائم) لكوسوفو باسم حماية حقوق الألبان , ومنع الصرب من اضطهادهم ثانية مقابل تجريد جيش تحرير كوسوفو من السلاح, لن تعطي المسلمين الاوروبيين حقهم في ممارسة ثقافتهم ومعتقداتهم داخل اوروبا المسيحية, كما انها لن تخلق الواقع المستقر او حتى التوازن القلق بين القوميات البلقانية من أجل تفجير المنطقة ثانية وتهديد السلام في اوروبا. هذا ما اعلنه في حديث لــ (الملف السياسي) انطونيو كوتسي رئيس تحرير جريدة (ليبراسيون) الناطقة باسم حزب (اعادة التأسيس) اليساري الايطالي مؤكدا ان عمليات الاضطهاد التي مارستها اجهزة القمع الصربية في كوسوفو تفوق الحدود المعقولة, وقد تبلورت خلال الفترة الماضية فكرة استقلال الاقليم التي عبرت عن نفسها في مستويين متوازيين الاول تبلوره حركة (جيش تحرير كوسوفو) والثاني القاعدة الخلفية لظاهرة التصدي المتمثلة بالبانيا التي هي وكما يعرف الجميع ذات غالبية اسلامية في قارتنا الاوروبية, وكل الحسابات كانت تؤكد بان مسلمي كوسوفو سيتحولون الى (مجاهدين افغان) جدد وسط القارة الاوروبية لتحقيق استقلال الاقليم, بل واكثر من ذلك تحقيق حلم (البانيا الكبرى) في مقابل (صربيا الكبرى) , الا ان الحرب ونتائجها ضربت هذه الاهداف بتجريد جيش تحريرها من سلاحه, وعودة ديكتاتور صربيا الى حجمه الطبيعي قبل الحرب. وبوضع اليد على منطقة البلقان يكون الحلف الاطلسي قد تخلص من مخاطر مستقبلية محتملة, بعد ان استطاع في وقت سابق احتواء اندفاعات الجمهوريات الاسلامية المنضوية تحت جناح الاتحاد السوفييتي سابقا, اذ ونقولها بكل وضوح, لم يناسب الغربيين نشوء كيانات اسلامية قائمة بذاتها. البحث عن شرعية تجمع المصادر الاعلامية الايطالية على انه يصعب الجزم بانه قد تمت استشارة واشنطن سواء في سان مالو او رامبوييه بهدف ضمها الى الحرب وفق المصالح الاوروبية, لكن الولايات المتحدة لم تكن في المقابل على استعداد لان تهضم دورا ثانويا في حرب يكاد النصر فيها يكون تحصيل حاصل. فهذه الحرب التي (سكنت) الان تطرح السؤال التالي: الم تكن الادارة الامريكية تعلم مسبقا ان اللجوء الى القوة لن يؤدي الى رضوخ بلجراد للشروط الامريكية, سواء فيما يخص قضية كوسوفو التي رفضت ان يؤدي مشروع اتفاقية رامبوييه الى انفصالها آجلا عنها, او ما يتعلق بالتخفيف من غلوائها باعتبارها الدولة الاوروبية الوحيدة المختلفة مذهبيا عن الغرب والمعادية له منذ عقود طويلة مهما تعرضت له بنيتها التحتية من تدمير؟ يقول كوتسي: لم تنجح الولايات المتحدة طوال عدة أشهر مضت قبل بداية الحرب, في توظيف النظام الدولي بشرعيته التي مازال العالم يعترف بها لتحقيق استقرار كيفي وكمي في يوغسلافيا كما فعلت من قبل. لذلك فنحن نميل للاعتقاد بانها استغلت قضية كوسوفو لتثبيت الارضية التي تحاول ان تمهد بها للاعلان عن بدء نشاط وفاعليات النظام العالمي الجديد الذي سيرسخ قيادتها للعالم ويتيح لها فرض نوعية الشرعية الدولية كما تراها, وتسمح لها باستخدام قوات الناتو لارساء قواعد هذه الشرعية. ذلك لان النظام اليوغسلافي هو النظام الوحيد الذي ظل بعد انهيار المنظومة الاشتراكية صامدا امام الهجمات الغربية المتوالية, رافضا الانضواء تحت جناحها كما فعلت جميع النظم التي كانت مماثلة له توجها واعتقادا. من ناحية اخرى فان الاتحاد الاوروبي لا يستطيع ولحد الوقت الحاضر الاستغناء عن مظلة الامن الامريكية. وما يعزز الرأي المذكور هو ان الهيمنة الامريكية على مقدرات العالم لا تناسبها الشرعية الدولية الممثلة في الامم المتحدة, لانها غير قادرة على التجاوب الديناميكي مع مستلزمات استراتيجيتها المستقبلية. لذلك يجب الاصرار بان الجناح العسكري المنفذ لهيمنتها السياسية على العالم هو القوات العسكرية لحلف الناتو التي لا يحتاج تحريكها الى اذن خاص من مجلس الامن. وعما اذا كان الرئيس اليوغسلافي ميلوسيفيتش رضخ اخيرا لشروط حلف شمال الاطلسي على اعتبار ان القصف الجوي استطاع زعزعة قواعد نظامه يجيب كوتسي قائلاً: مثل هذه التصورات غير منطقية, لان القصف الجوي استمر طويلا, وتوقف في الوقت الحالي. ومازال ميلوسيفيتش في مكانه, وستشهد الايام القريبة المقبلة على التفاوض معه بعد ان هدأت الحملة الاعلامية الغربية التي قادتها امريكا ضده على اعتباره مجرم حرب, إلا ان هناك صفحة جديدة سيتم تدشينها, وبالتالي الحوار مع مجرم حرب. وهذا ما يؤكد من جديد الرأي الذي طرحه اليساريون الايطاليون بان تقديرات حلف الناتو لم تكن محسوبة بعناية, ولا هي مبنية على معلومات دقيقة, وان الهدف غير المعلن هو توريط الاوروبيين في معركة خاسرة ومنذ البداية, والكل يعلم بأن هناك انقساما حادا في موقف العواصم المشاركة في عمليات القصف الجوي, سواء على الصعيد السياسي والعسكري لأن العديد من هذه العواصم وعلى رأسها ايطاليا أدركت ان توظيف العملية يتم لصالح الولايات المتحدة وأهدافها في السيطرة على البلقان, لتحجيم الدور الأوروبي والروسي فيها, وهو ما يفسر تضافر جهودنا مع بقية الدول الاوروبية والروسية للبحث عن حل سياسي. القبول بالحرب كأسلوب لحل المشكلات الدولية قد عزز من الاتجاهات اليمينية في السياسات الأوروبية, وهذا ما افرزته الانتخابات الأوروبية التي جرت الاسبوع الماضي, كما نشط التعاون بين القوى اليمينية في الاحزاب الاشتراكية الحاكمة مع القوى اليمينية والمحافظة في الاحزاب المسيحية الاجتماعية (الديمقراطيات المسيحية). اختلاف المصالح * قد تكون قوات التحالف قد أتت على تدمير ربع القدرات العسكرية الصربية, فكم بيتطلب من الوقت لتحييد نصف الترسانة الصربية لوضع بلجراد نهائيا خارج لعبة الحرب من جديد؟ وهل تعتقدون بأن ما تم انجازه لحد الآن سيكون سلاما كاملا ودائما, ام حربا مؤجلة؟ ــ في الحالة الراهنة, كما في المستقبل المتطور, يصعب تشخيص المنتصر الحقيقي عن المندحر الفعلي, طالما ليس ثمة ما يوحي ان الهدف يتمثل بوصول قوات الى العاصمة بلجراد, ازمة البلقان اختزلتها واشنطن الى مغامرة سياسة ستواصل باعتقادنا تسييرها بما يخدم فقط مصالحها الاستراتيجية التي تنأى بمسافة عن مصالح العواصم الاوروبية. من جانب آخر فانه من غير الصحيح الاعتقاد باستمرار (الانسجام) بين اعضاء التحالف الغربي, لان نزوة الايام الاولى تحولت الى هاجس سياسي وعسكري يزعج العواصم الاوروبية كثيرا, وقد ادركت الولايات المتحدة بأن فشلها الحالي بانهاء الازمة, يعني خسارتها لكل الاحلام القديمة بالهيمنة على البلقان, والتي تنافسها اوروبا عليها بحكم عوامل جغرافية وتاريخية. ان القاء نظرة متفحصة على تسلسل الاحداث يوضح بأن الولايات المتحدة هي التي ادارت فعليا كل حلقات المفاوضات في رامبوييه ومن بعدها الحرب, رغم الجهود والدور الذي لعبته كل من فرنسا وايطاليا وانجلترا في وضع الامور على المسار الصحيح, حيث نجحوا في جلب جميع اطراف النزاع الى باريس. لكن المجريات أخذت بالتغيير منذ ان اعتلت وزيرة الخارجية الامريكية مادلين اولبرايت مسرح الاحداث, متجاوزة جميع نظرائها الاوروبيين, اذ تمكنت من اقناع وفد البان كوسوفو بأن مصير الاقليم سيتحدد بعد ثلاث سنوات, وان فكرة استقلاله ليست مستبعدة, مما دفع جيش تحرير كوسوفو الى الموافقة والتوقيع على اتفاقية السلام, علما ان اولبرايت كانت تعرف سلفا موقف الوفد الصربي المعارض لهذا البند. وبوضع اليد على البلقان يكون الحلف الاطلسي قد تخلص من مخاطر مستقبلية محتملة, بعد ان استطاع بالكاد احتواء اندفاعة الجمهوريات الاسلامية, وانا اعتقد بأنه لم يكن يناسب الغربيين نشوء كيانات اسلامية قائمة بذاتها في قلب القارة الاوروبية كما ذكرت في البداية, لكن الاوضاع الحالية لم تهدأ, وهناك فئات كبيرة من الصرب تعتقد بأنها تدافع عن وطنها وحقها في وجودها وميلوسيفيتش تحدث عن انتصار تمثل في انتزاع الاعتراف الدولي بوحدة يوغسلافيا, والغالبية العظمى من الصرب تؤيده في مقولاته حول الدفاع عن حقوق الصرب المزعومة في كوسوفو والبوسنة وكرواتيا والجبل الاسود, مثلما تؤيد غالبية اليهود زعماء اسرائيل فيما اغتصب من فلسطين, ومثلما كانت غالبية البيض في جنوب افريقيا تؤيد سياسة التفرقة العنصرية. كوسوفو تعيش في سلام يجلس على برميل بارود, وهو باعتقادي سلام قلق وغير مستقر على الاطلاق. ان الخاسر الاكبر في هذه الحرب هو المجتمع الدولي المتمثل بهيئة الامم المتحدة التي اثبتت بأنها لا تعدو ان تكون دائرة لتصديق القرارات الامريكية, دون ان تنهض بالدور المهم والرئيسي الذي اقيمت من اجله وهو الحفاظ على الامن والسلم الدوليين. مقارنة خاطئة * هل يدفع ميلوسيفيتش الثمن الآن؟ ــ أجاب كوتسي: لا احد يعلم ذلك, وكل الدلائل تشير الى انه سيفعل ما فعله صدام حسين, اذ سوف لن يكون خيار التنحي مطروحا ولا خيار الانتحار هو الآخر خيارا لحفظ ماء الوجه, الا ان كل هذه الامور مرهونة بالتطورات, فالمعارضة الصربية هي غير المعارضة العراقية التي شتتها صدام حسين ودعمتها امريكا بشكل متأخر. فالمعارضة اليوغسلافية ما زالت تمتلك رموزا داخل السلطة نفسها, وهي توجه السؤال الكبير الذي بدأ حسب اعتقادي, ويتردد على كل الألسنة وهو: هل كان يجب التضحية بكل هذا الثمن المادي والمعنوي والبشري, وتهديم البنية التحتية للاقتصاد, من اجل الوصول الى نتيجة كانت اساسا متوفرة وفي متناول اليد في اتفاقية رامبوييه؟ اعتقد ايضا ان مقارنة الوضع ما بين عراق صدام حسين ويوغسلافيا ميلوسيفيتش صعبة, لأن الأول مرغوب وجوده من قبل الاحتكارات العالمية, ضعيفا مهزوزا فهي المستفيدة, اما الثاني فهو حقا يشكل خطرا على مصالحها, ولهذا السبب يمكن ان يشهد الوقت القريب المقبل تدحرج رؤوس كبيرة في النظام اليوغسلافي وعلى رأسها ميلوسيفيتش. في الحالة الراهنة, كما في المستقبل المنظور, يصعب تشخيص المنتصر الحقيقي عن المنتصر الفعلي, طالما ان ليس ثمة ما يوحي ان الهدف يتمثل في انقلاب يغير خارطة البنية السياسية الصربية. وبتعبير ادق ان التورط الصربي في ممارسات لا انسانية ولا اخلاقية في كوسوفو, هل ستنهيها عملية الاتفاق على ايقاف الحرب وتخمد معها موضع النزاع الاصلي؟ الكل هنا في ايطاليا ينظر بترقب وحذر للمستقبل القريب لهذا الاقليم, ولهؤلاء الناس المغلوبين على امرهم والذين وقعوا تحت وطأة ضغط الحاجة الآنية تحت رحمة (المنقذ) الآتي من الغرب, وبين الذئب الذي يترصد الغنم وهي تشق طريق العذاب والآلام. وسنرى...!! موسى الخميسي ــ روما