على الرغم من اعلان الرئيس الامريكي بيل كلينتون ان حلف شمال الاطلسي خاض لأول مرة في تاريخه حربا من اجل المبادىء وانتصر فيها, في الوقت الذي يلتزم فيه كافة المسؤولين الاوروبيين الصمت وعدم البوح بأسرار الدور الحقيقي لحلف شمال الاطلسي في كوسوفو , وذلك لحساسية القضية من ناحية, ومن ناحية ثانية لازدواجية الادوار والمهام العسكرية والسياسية, حيث ان اعضاء حلف الناتو العسكري هم انفسهم اعضاء الاتحاد الاوروبي, وفوق هذا ازدواجية المصالح الاقتصادية التي ليست اقل اهمية مما سبق ذكره. وتأتي عملية تشابك المصالح الاستراتيجية بصفة خاصة لتلعب الدور الاكبر والاخطر قبل بداية تدخل قوات حلف شمال الاطلسي بضرباته الجوية العسكرية على يوغسلافيا, وأثناء فترة الحرب, وأيضا بعد انتهاء الحرب تماما, ذلك اذا كان قد كتب لها فعلا نهاية تطوي صفحات العنف وتحقق سلاما فعليا في منطقة البلقان. اما النقاط التي يمكن ان تقع في بؤرة حوار او جدل بين دول الحلف الاوروبية وامريكا, سواء تم التوصل لاتفاق حولها او خلاف, فتشمل: توزيع الادوار السياسية والعسكرية والاقتصادية, وتقسيم الفوائد وتحديد المصالح والعائد من الحرب, اضافة الى توازن القوى الاستراتيجية بما يضمن عدم الخلل في سياستي الامن والدفاع. توزيع الأدوار فمنذ بداية الصراعات في منطقة البلقان (حتى قبل حرب البوسنة والهرسك) كانت امريكا تعرف جيدا ان الصراعات ستتفجر وتؤدي لحرب, وتعرف ايضا بأنها لن تكون الاخيرة, وتشترك مع الولايات المتحدة الامريكية في هذه المعرفة كل دول الاتحاد الاوروبي. ولا يتم توزيع الادوار على طاولة مباحثات تنتهي لعقد اتفاقيات مكتوبة, بل الجميع يعرف ايضا مسبقا ما هو الدور المطلوب منه, وما هي قدراته وصلاحياته. وتبدأ عادة لعبة السياسة في مثل هذه الحالات, كما يحدث تماما في المباريات الرياضية الودية لكرة القدم وهي التي تقام من اجل التدريب وتحسين مستوى اللياقة البدنية وحسن الاداء, كذلك في توزيع الادوار السياسية لا يكون الغرض الاول هو تسجيل الاهداف, بل يكون الهدف هو ان يلعب الجميع ويتواجد في الساحة لاثبات مكانته وذاته وقدراته, وهو بالضبط الامر الذي حدث في حرب كوسوفو, فقد قامت امريكا في البداية في العمل على تحريض حلف شمال الاطلسي بالاستنفار, واجراء الاستعدادات تحسبا لاضطراره للتدخل عسكريا, وبالاعلان عن موقفها السياسي الرسمي الذي تمثل في ادانة الحكومة اليوغسلافية لما تقوم به من اعمال عنف ضد ألبان كوسوفو. أما أوروبا ولأن المشكلة اوروبية بالدرجة الاولى, فقد سارعت باتباع منهج الادانة والدعوة للسلام وفتح مجالات التفاوض والمباحثات لوقف الاعتداءات اليوغسلافية, ولقد صاحبت ذلك وعود بتقديم دعم اوروبي اقتصادي لمنطقة البلقان للعمل على تحسين الاوضاع الاجتماعية التي تؤدي للسلام. وتجدر الاشارة هنا الى ذكر حقائق لا تقبل الجدل, حيث ان مصانع انتاج الاسلحة والذخيرة الامريكية بدأت في تجهيز كم هائل من القاذفات الجوية والقنابل ومختلف انواع الذخيرة, وذلك منذ انطلاق اول اشارة امريكية لاحتمالات التدخل العسكري لحلف شمال الاطلسي في يوغسلافيا, وتلك المصانع لديها تأكيدات بأن المشترك جاهز بأمواله, فلابد وان تكون هي ايضا على استعداد بالأسلحة والمعدات المطلوبة لتوريدها, الامر الذي يضمن لها بقاء فرص العمل قائمة وعدم تكدس المنتجات بالمخازن, ومحاربة اي تهديدات بالبطالة, وجنرالات الناتو تحت قيادة خافيير سولانا السكرتير العام, على علم بأن احتمالات تدخل المنظمة العسكرية كبيرة جدا, لذلك كان الجميع جاهزا للتحرك, وكما ذكرت من قبل يجب الا ننسى بأن اعضاء الناتو هم ايضا الدول الاوروبية. (الغنائم) ... والتوازن الاستراتيجي لقد استفادت امريكا من هذه الحرب بأن مصانع الاسلحة لديها دارت فيها عجلة الانتاج بسرعة اعلى وحدث رواج اقتصادي, ولولا هذه المكاسب الضخمة لما وفق الكونجرس الامريكي على زيادة الميزانية العسكرية لعملية (تصميم القوة) . فقد طلب كلينتون الموافقة علي ستة مليارات دولار فاذا بالكونجرس يمنحه ضعف ما طلبه وقيمته 12 مليار دولار, ولا يغفل في هذا الصدد ان مصانع الاسلحة التي نجح كلينتون في تحقيق ارباح خيالية لها خلال تلك الاسابيع, هي نفسها التي تساهم في دعم برامج الانتخابات الرئاسية. اما البنتاجون (وزارة الدفاع) الامريكية فقد استفادت هي الاخرى بتدريب قواتها العسكرية على الطبيعة في اراض اروروبية لها خصوصية تختلف عن مناخ الخليج والعراق, وهي بذلك تساهم في رفع القدرات القتالية لقواتها بجانب التعرف على مختلف البيئات في العالم تحسبا لحدوث حروب مستقبلية خارج امريكا. وأسجل في هذا الاطار ان القوات العسكرية الامريكية لم تدخل حربا فعلية على الاراضي الاوروبية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. أما الفوائد التي حققتها اوروبا ايضا من هذه الحرب والتي لم يكن هناك مفر منها, فأهمها التعجيل بقيام نظام امني دفاعي اوروبي بمعزل عن حلف شمال الأطلسي. وبالفعل قامت اوروبا بضم المنظمة العسكرية (الاتحاد الغرب أوروبي) تحت لواء الاتحاد الاوروبي, ووجدت ايضا المناخ السياسي شديد الخصوبة للاتفاق فيما بينها على سياسة خارجية واحدة, وتحديد شخصية اوروبية ذات ثقل سياسي تكون لها القدرة على طرح وجهة النظر الاوروبية وتمثيل الاتحاد الاوروبي دوليا, حيث ان الصراعات في منطقة البلقان أفرزت نتائج أدت لحدوث خلافات في وجهات النظر الاوروبية, وحالت الخلافات الداخلية دون قيام الاتحاد الاوروبي بدور مؤثر لحل الازمة, ومن هنا كان ملف الدفاع والأمن الأوروبي واحدا من الملفات الرئيسية مؤخرا في اجتماع القمة الاوروبية. وكل ما سبق التعرض له يدخل في اطار المصالح الاستراتيجية والفوائد, ولا يعني ذلك اني اقصد بشكل محدد ومباشر ان تدخل حلف شمال الاطلسي في الحرب كان لتحقيق هذه الاهداف, لكن توجد حقول مغناطيسية للاحداث والأزمات تعطى للأفعال وردود الأفعال ابعادا اخرى غير الظاهر منها. أما قضية التوازن الاستراتيجي لضمان عدم الخلل في سياستي الامن والدفاع, فتعتبر واحدة من اخطر التطورات والافرازات على الساحة الدولية مع نهاية هذا القرن. فأمريكا بدأت تعلم جيدا ان ضجر كثير من الدول من بقائها تلعب دور القطب الواحد اصبح ظاهرة ملحوظة يشترك فيها اصدقاؤها وأعداؤها على حد سواء, وبالطبع مع اختلاف نسبة الرفض للسيطرة الامريكية وزيادة نفوذها داخل حلف شمال الاطلسي باعتباره اقوى المؤسسات العسكرية في العالم, ومن ناحية اخرى قيامها ــ امريكا ــ منفردة بدور الشرطي والقاضي في كثير من مناطق العالم. لذلك كان لابد من عمل توازن يكون بمثابة درع واق يمنع مشاعر الكراهية لأمريكا, ويحول دون زيادة العداء لها, فبادرت امريكا بمطالبة اوروبا لأن يكون لها دور اكثر فعالية في القضايا الاوروبية, وهي تعلم جيدا ان اوروبا تعد لذلك. وأمريكا بذلك لن تخسر طالما انها تحافظ على توزيع الادوار. فتقدم التقنية العسكرية العالية لديها سيجعلها دائما تحافظ على بقائها متقدمة عن اوروبا, ولا غضاضة ان تترك لأوروبا تقديم الرجال (القوات العسكرية) والمعدات والاجهزة التقليدية الضرورية, والتي لا تتطلب دائما تكنولوجيا فنية عسكرية عالية. وكل هذا في حد ذاته افضل اقتصاديا لأمريكا, فهي من ناحية ستتلقى مكاسب مالية كبيرة في مقابل توريد التكنولوجيا, ومن جانب آخر ترفع من على كاهلها وكاهل حلف شمال الاطلسي اعباء تكاليف تحملها النصيب الاكبر حال تدخلها في الازمات وقيامها بدور رئيسي. الدور المستقبلي وتثور في الوقت الحالي عشرات الاسئلة محورها ماهية دور ومستقبل حلف شمال الاطلسي في المرحلة المقبلة؟ حقيقة يمثل التواجد لقوات الناتو العسكرية في البلقان داخل المنطقة الاوروبية اهمية بالغة بالنسبة لأمريكا, وقد تحقق لها هذا التواجد على النحو الذي تريده تماما. سواء كان تحت علم الامم المتحدة UN أو ان تكون هذه القوات تحت شعار الــ NATO أو SFOR أو حديثا تحت اسم KFOR. كل هذا ليس هو المهم, المهم هو التواجد الفعلي على الاراضي الطبيعية وهو الدور الحالي والمستقبلي الذي يحافظ عليه حلف الناتو. فمنذ رحيل القوات الامريكية من مختلف الدول الاوروبية بعد تفكك الاتحاد السوفييتي السابق وحل حلف وارسو وحتى اعوام قليلة مضت, شعرت امريكا بأن غيابها عن اوروبا من الممكن ان يشكل عليها خطرا في المستقبل, والتواجد الامريكي تحت مظلة حلف شمال الاطلسي هو على سبيل الامن الوقائي, وهذه هي ازدواجية المصالح والادوار, فمن ناحية حتى يبقى الحلف يؤدي دورا مؤثرا في الازمات الدولية ــ خاصة التي تمس مصالح الشعوب وقضايا حقوق الانسان. وهي قضية المبادىء التي تؤكد عليها امريكا خلال العقد الاخير بصفة خاصة ــ ومن ناحية ثانية التواجد الفعلي لأمريكا في قلب الاحداث يزيد من خبرتها الحقيقية, ولعل المنافسة الدائمة بين (فرنسا الحاضر الغائب في الناتو) وبين امريكا بسبب تفرد جنرالات امريكا في معظم الاحوال والظروف بالمراكز القيادية هو خير شاهد ودليل على رغبة امريكا في التواجد الملموس, ومن هنا فمن غير المتوقع ان تتنازل امريكا عن وجود دور فعال للحلف داخل اوروبا او في اية منطقة بالعالم في ظل الاستراتيجية الجديدة للحلف والتي تم اقرارها في خمسينية الناتو مؤخرا. أما الدور الروسي من منطلق أزمة البلقان والتصورات حول هذا الدور مستقبلا, فمن المعروف ان روسيا تعاني من ازمة اقتصادية طاحنة تعوق حركة التنمية, وعدم استقرار سياسي داخل نظام الحكم, فعلى الرغم من الروابط والعلاقات التاريخية القديمة بين روسيا والصرب, الا ان روسيا تتحرك من خلال منظور يحقق لها مكاسب بالدرجة الاولى تساعدها على الخروج من محنتها حتى يكون لها مكانة محترمة على الساحة الدولية, وأنا لا اعتقد ان روسيا سيكون لها دور متميز بعد انتهاء ازمة كوسوفو, فالغرب وامريكا لن يسمحا بأي حال من الاحوال استعادة روسيا لدور مؤثر بالدرجة التي كانت عليها في الماضي قبل سقوط الاتحاد السوفييتي, وتسعى اوروبا وأمريكا على حد سواء لدمج روسيا في منظومة غربية, وطالما ان روسيا ستأخذ الثمن والمقابل المجزي فستقبل هذا الدور, ولولا حصول روسيا على ضمانات في هذا الاطار بالاجماع الذي تم بينها وبين امريكا في هلسنكي لما حضرت قمة الدول الصناعية الكبرى, ولعل ما أفرزته النتائج الاخيرة لاجتماع الدول الصناعية السبع الكبرى في حضور روسيا التي تلقت وعودا صريحة بالحصول على مساعدات مالية كبيرة, وهو خير دليل على موقف روسيا الحالي الذي له مؤشرات في المستقبل, ولا ننسى بهذا الصدد ذكر انها ــ روسيا ــ وقعت على اتفاقية مع الاتحاد الاوروبي تضمن الامن والسلام في جنوب شرق أوروبا, وهي تستطيع الهروب من هذا الالتزام وإلا تركتها كل من أوروبا وأمريكا لتطحنها الأزمة الاقتصادية. * باحث في الشوؤن العسكرية بمعهد دراسات الدفاع والأمن الاستراتيجي في هولندا