بعد ما يقارب ثلاثة اشهر من القصف الجوي المتواصل, اعلن حلف الناتو وقف الحرب (رسميا) ضد يوغسلافيا, منهيا بذلك اطول واول حرب من نوعها, تبدأ جويا وتنتهي من الجو, دون اي تدخل عسكري بري . ومع انتهاء الحرب فعليا, وقبل انهائها الرسمي, بدأ مئات الآلاف من لاجئي كوسوفو طريق العودة إلى ديارهم التي تركوها هربا من بشاعات القمع الصربي أو طردا تحت التهديد بالقتل واستلاب كل الاثباتات التي تؤكد هويتهم وانتماءهم إلى الاقليم, مخلفين وراءهم آلاف الضحايا ومئات المقابر الجماعية التي ستبقى وصمة عار, ليس في جبين صربيا فحسب, وانما في وجنة المدنية الغربية و(حضارة) القرن العشرين المتهاوي نحو نهايته. ومع انفتاح الامل امام افواج اللاجئين, وبدء الحديث عن مرحلة الاعمار المقبلة, والبحث عن سبل لارساء الاستقرار في المنطقة, الا ان البلقان, بتاريخه المعروف وتلويناته العرقية والدينية والطائفية, مازال يطرح من الاسئلة اكثر بكثير مما يتيحه الواقع الراهن من اجابات محدودة وجزئية في اغلبها. فالصراع داخل البلقان, ومن اجل البلقان, وحول البلقان, يظل, كما كان على الدوام, منجما لاسباب التوتر وعدم الاستقرار في اوروبا كلها, ومطمحا لكل الامبراطوريات القديمة والحديثة, منذ الامبراطورية الرومانية, مرورا بالعثمانيين, وحتى اخر امبراطوريات هذا القرن, امريكا. فموقع البلقان بين ثلاث حضارات مختلفة, روسية ـ- سلافية, واسلامية عربية, وجرمانية لاتينية, اعطى المنطقة تميزا جغرافيا, وتنوعا بشريا وثقافيا غير محدود, وهو ما يهيىء ارضية خصبة لكل انواع الصراعات, سواء كانت دينية أو عرقية أو سياسية, أو غيرها من دوافع النزاعات المحلية والصراعات الاقليمية أو الهيمنة الدولية. ويبدو أن هذه الارضية الخصبة للتوترات والحروب قد وجدت في الرئيس اليوغسلافي سلوبودان ميلوسيفيتش اكثر من يسهر على (استنباتها) وتسميدها, حتى ولو بجماجم الابرياء وضحايا التصفية العرقية والتهجير القسري. غير انه, سواء بقي ميلوسيفيتش أو جاء غيره, فان الواقع المتجذر قوميا وثقافيا ودينيا, في منطقة البلقان لا يمكن تغييره أو تبديله, مهما كانت الاساليب السياسية المتبعة أو تطور الماكينة العسكرية المستخدمة, الا باستبدال الارض والسكان, وهو امر يصعب تصور امكانيته في الوقت الحاضر. وبالتالي تظل الاسئلة الجوهرية حول حاضر البلقان ومستقبله, اكثر عمقا وتجذرا من ان تحتويها اجوبة آنية أو رؤية محددة بمصالح وغايات بعينها. الملف