حمل الصباح رائحة البارود وذاكرة الرصاص والطائرات المغيرة, رغم انه لم تقم حرب, والحرب هاجس العراقيين جميعاً.. الخوف الذي يأكلونه ملفوفاً بالرغيف المدجج بدمائهم, لم يعد احد يقوى كثرما نال الحصار والحرب منه على لفظ لقمة معجونة بالخوف . او بالدم.. وهكذا, ينزل الصباح على رؤوسهم كمطرقة كبيرة اصابتهم جميعاً بطرقة واحدة دوى صوتها: التطوع. قال الصبي ذو التسعة اعوام لوالدته التي ضربت على صدرها بكفيها: هل مات احد؟ اجابته بصوت يرتجف كثرما شهق: ليس بعد يا ولدي ليس بعد, وهي تعلم جيداً ان هناك من سيموت.. ــ هل اكثر مما رحلوا؟ لم يفهم احد لماذا يجب ان يتطوعوا مرة اخرى.. أ للتدريب؟ لقد كانت حياتهم على مدى عشرين عاماً ساحة للتدريب.. جرب الايرانيون فيهم حقد فارس, وجرب الامريكيون فيهم اسلحة شتى.. جرثومية, نووية, نفسية.. لماذا يجب ان يحملوا السلاح مرة اخرى, حتى لو كان سلاحاً من خشب! حقيقة ام...؟ وكلما صدر مرسوم جمهوري او تصريح رئاسي او دعوة من هنا وهناك, ركض الجميع الى الاعلام, التلفزيون الذي يرقص على الجراح والصحف التي تجيد اللعب بالكلمات, والاغاني التي تجيد تخدير النفوس, والجميع يعرف ان اية دعوة, من هنا او من هناك اذا لم تصدر من الرئاسة فهي بتوجيه منه.. لقد باتوا يطلقون عليه اسماء شتى, اختاروا اعلانات فجة وسخيفة مثل:(احذروا البكبك الاصغر) او (ابن دعدوش) او (التحفة) ليخفوا وراءها رفضهم واحياناً كرههم المكبوت, وفي كل مرة كان يعرف انهم يطلقون عليه ذلك. مرة دارت اعقاب الشرطة والامن في سوق الاعظميين وجمعت كل شاب كان واقفاً او ماشياً, والتهمة كانت انهم ينادون بعضهم بـ (رامبو) , خافت الحكومة من ان يكون (رامبو) اساءة للرئيس ولم يخرج الفتيان من اقسام الشرطة والامن الا بعد ان دفع أهلوهم اربعون الف دينار عراقي عن كل شاب, والذي لم يدفع قبع في الزنزانة بلا تهمة ثم عاد بعد شهر لاهله حليق الرأس, شبه معتوه, فمن يستطيع ان لا يتطوع. قالت اجهزة الاعلام ان الامريكيين لديهم خطة للهجوم على العراق وان هناك من يثير الفتنة, فالمارينز اذا نزلوا ارضاً هتكوا عرضها وقتلوا شبابها وليس أقل من ان نتعلم الدفاع عن انفسنا.. وبدأ (الطابور الخامس) يفعل أفاعيله.. راجت بين الناس ان صدام يريد ان يعلن الحرب مرة اخرى ودائماً هناك حجة فالشمال المقطوع عنا والجنوب البعيد ومشاكل ايران وقواعد انجيرلك والظهران.. روع الشعب, ولم ينس هذا الـ(الطابور) ان يضيف ان النظام يريد ان يقول للعالم ان الشعب جميعه متطوع للدفاع عنه.. ولكن هذا (الطابور) يفلح في افشال الحملة. بل لم يعرف احد ان كان (الطابور) جزءاً من تركيبة النظام ام لا. المهم في الامر ان الجميع ركض لكتابة اسمه.. لكنه ركض متثاقل مثقل بالهموم.. مرت على دوائر الدولة وحدات الجيش, الحزب, ومسؤولو الحكومة يحملون اقلاماً وقوائم ونصبت المناضد هنا وهناك, ودارت عجلة الاعلام:(المتطوعون يهتفون بحياة الرئيس) , (نحن معك يا صدام) , (العراقيون يتسابقون للتطوع) , ولم يكتب احد شيئاً عن القلوب المكلومة والالسنة المعقودة والخوف الساكن في العيون, والشفاه التي يبسها الحصار. قالت الجدة: ربما في ذلك نفع.. واخفت دمعة تسللت بين طيات الجلد المتغضن, لم يلمحها احد, فكل كان يبكي على .. ليلاه.. حشد الجنود ملاييناً من الشعوب, موظفون, عمال, فلاحون, طلبة جامعات ومدارس, اطفال, نساء وشيوخ.. وارتفعت اسعار السوق, اشتعلت بالنار مثلما اشتعل كل الخوف والهواجس والالم وبحساب بسيط, فان التدريب في المعسكرات بين البيوت سيتطلب مصاريف كثيرة بالتأكيد لن تتحملها الحكومة.. النقل, سندويجا (مؤقتاً) ماء, ثم ان الساعات المقطوعة من يوم احد هم قد تعني له خسارة ان يستفيد بها في عمل يعينه وعائلته.. ويأتي بعد هذا التعب الجسدي. قال استاذ جامعي: من يستطيع ان يحمل مسدساً, نحن بالكاد نحمل اوراق الطلبة, حتى الكتب صارت ثقيلة على اكتافنا المتخمة حولناها الى ملازم ورقية.. صباح .. يقرع الطبول منذ زمن بعيد, نسي العراقيون طبول الروك اندرول والسامبا, والموسيقى الصاخبة, فهي تذكرهم بطبول الحرب.. ولنقل انهم تناسوها, وعندما فزعت الطيور هاربة الى اعلى السماء من قرعها, حمل كل صمته وجر ساقيه الى.. ساحة التدريب. تهامس الشباب, والنسوة, والاطفال على حد سواء.. ماذا سيفعلون بنا..؟ قالت موظفة لجارتها الواقفة الى يمينها, ربما سيوزعون علينا بدلات كاكية. لكن الضباط الذين اقبلوا بهمة عالية بدأوا يقرأون الاسماء ويصفون الكراديس, ويصرخون بأعلى الصوت: استعد. ثم قال ضابط التدريب: سنتمرن اولاً على المسير.. يسار.. يمين.. مضى النهار بطوله والجمع الغفير من شمال العراق حتى جنوبه يتمرن على اليسار, يمين ويسمونه (يس.. يم) ولم يوزعوا حتى الماء. عاد الصغار الى ديارهم يضحكون.. قال طفل في السادس الابتدائي لاخيه الكبير: لقد علمنا المدرب (يس..يم) . رد الكبير ضائق الصدر: يا احمق كل العراق اليوم سار (يس..يم) المهم ما سيأتي بعد ذلك. ومضى الاسبوع الاول بين يسار ويمين.. دون ان يقول احد ما وراء ذلك.. ولكي يسربوا غيظهم صاروا يتندرون على ضباط التدريب كان برنامج التدريب لا يتعدى اكثر من مسيرات لانتخاب افضل (مئة الف) يمكن ان ينظموا مسيرة استعراض منتظمة من بين شعب صارت خطواته لا تعرف الثبات, بل تكاد تستقر على الارض, وفي برنامج التدريب اسعافات اولية, اطفاء حرائق, وكلاشنكوف.. و(طارق) و(طارق) مسدس يمنح لحملة انواط الشجاعة من العسكرتاريا وهم (اصدقاء الرئيس) . كانت الخطة ان يتمرن الجميع على تفكيك الكلاشنكوف والمسدس واعادتهما, دون ان يحمل سلاح واحد اية طلقة.. ودون ان يعرف رجل او امرأة ممن لم يسبق لهم القتال, ان رد فعل الاطلاق ان لم تكن متدرباً قد يدفعك عكسياً لتسقط على عجزك, وهذا ما حصل لزوجة احد الوزراء. حكى جندي كان يرافق حماية نساء الوزراء والمسؤولين قائلاً: كن يأتين بكامل زينتهن. كل واحدة معها حماية وسائق ويرتدين الـ (ستريجات) (وهي بناطيل تلتصق بالجسم) تفوح منهن العطور الثمينة, واذرعهن مثقلات بالذهب, لقد كن في سباق للازياء والذهب والتسريحات واجسادهن الممتلئة كأكياس البطاطا كانت تتهدل من القامات القصيرة او المتوسطة.. اجمل ما في الامر وضع الانبطاح, اما يوم الاختبار فقد دفع (الكلاشن) زوجة وزير الـ.. السمينة الى الوراء فأوقعت الضابط وارتمت على الارض, فقط عندما ضغط اصبعها على زناد الكلاشن وانكسر الضفر الطويل.. كانت ولا قنبلة هيروشيما.. اربعة اشهر.. اطبقت على خناق الناس.. صارت هما اكبر من الحصول على لقمة خبز.. الشعب يدفع النفقات والحكومة تكافىء الضباط الذين دربوا هذا الشعب.. قال احد الضباط في مدرسة ثانوية اجتمعت بها النساء للتدريب: انهن لا يعرفن الانتظام في المسير.. كيف سيواجهن.. الـ (مارينز) ؟ اجابته امرأة ذات مظهر متوسط: التدريب لا يعلمنا, لكن الجوع علمنا اكثر من ذلك. انهم.. مجرد اطفال لو سألت احدا منهم ماذا يعرف عن الحرب لقال لك فاندام, او فيتنام او كوسوفو, لكنه بالتأكيد لن يتذكر حرب الاربعين يوماً فهو حينذاك كان طفلاً صغيراً جداً.. ولم يفهموا الامر سوى انه رحلة وتخلص من مقاعد الدراسة لكن الذي حدث كان اكبر من ان يحتمله تصورهم البريء. في البداية كان عليهم ان يركضوا لمسافات طويلة تحت الشمس التي بدأت تشتعل حرارتها كلما اوغل الزمن في مارس متجهاً للصيف اجسامهم النحيلة بدت كأعواد السنابل الموشكة على اليباس, وعيونهم تلمع في نزيف الشمس, تراكضوا كأنهم يلعبون, تسابقوا ثم تساقطوا في آخر الشوط. حملت عليهم عصا الضابط لتفيقهم.. فجروا الى الموانع, عليهم ان يجتازوها طفرا وصعودا.. حفر تلتهب الاحطاب مشتعلة بداخلها.. انها نار حقيقية.. وجدران عليهم ان يتسلقونها, انها علو شاهق.. كم يتوقع المرء ان طول احدهم يبلغ.. بضعة امتار وأكف صغيرة غضة, يترددون, يتعثرون.. لقد ادركوا ان الامر مخيف وهم لا يعرفون سوى كلمة مخيف في قاموسهم الصغير. سقط واحد, اثنان, ثلاث.. كم منهم, بالانهاك, خوفاً من النار, سكتة مفاجئة, في حفرة النار.. والامهات ينتظرن على الابواب فمن عاد من اطفالهن شكروا الله واخذنه للحضن يهدئن ارتعاشتهم ويشجعنهم وهم لا يملكون غير هذا. صار الاطفال يعرفون معنى انهم مجبرون, وفهموا لماذا تترقرق عيون الاباء والامهات, ولماذا يجب ا لا يصبحوا مثل فاندام, والا يحبوا الجنود والسلاح, لقد تهافتوا بداية على السلاح ظنا منهم انه لعبة, لكنه تحول الى كابوس كبير يرعبهم صباحا ويفزعهم ليلاً, الدراسة ومقاعدها صارت مهمة ومحبوبة لديهم اكثر بعد ان كانوا يفرحون لتركها بين الحصص. في نهاية التدريب على القتال الشرس, على اكل الرئات نيئة, على القفز من الطائرة بالمظلات.. لم يتبق منهم الا القليل الذي احتفظ بصحته بلا ساق مكسورة او ذراع مكسور او كتف مخلوع او شهيد. لماذا.. للمراقب من خارج الساحة امكانية مشاهدة اهداف عديدة واضحة لكنها مغلقة بشعارات مزيفة.. لقد قال احد المسؤولين المتذمرين: انها سياسة (انهكهم.. فتأمن ثورتهم او غضبهم) . بمعنى ان الشعب ينبغي ان يبقى منهكا من حصار وحروب لكي لا يتنبه لما يحدث, لكي لا يطالب بحق, لكي لا يرفض سياسة او ينتفض لكي لا يستطيع ان يحمل السلاح.. لكي يكره السلاح.. والاهداف السياسية ابعد من ذلك فهي تطمع لاظهار الشعب وكأنه مؤيد للنظام حتى لو بالاكراه, وتهدف الى معرفة من يمكن ان يكون رافضاً او معارضاً, وتهدف الى ارسال رسالة للخارج رغم انها لن تؤخر عملاً ما. المهم ان الذين بدأوه تثقلهم الخسائر المادية خرجوا منه وهم مثقلون بالخسائر البشرية والنفسية, ورغبة في الا يفعلوا شيئاً مطلقاً سوى البحث عن لقمة خبز وسلام.. وقد يلاحظ المراقبون ان اعداد الذين غادروا العراق بعد ذلك تضاعف.. فالجميع يريد الهرب من أتون الحياة هناك.. لندن ــ البيان