يثير الموقف القانوني من قضية المتعاملين مع اسرائيل في المناطق المحتلة في الجنوب اللبناني والبقاع جدلا واسعا في الاوساط النيابية اللبنانية . ففي اعقاب تحرير جزين وانسحاب الميليشيات العميلة ووسط موجة من التعاطف والتأييد الشعبي أبدى المسؤولون كبارهم وصغارهم استعدادهم للعمل على ايجاد مخرج تشريعي للمتعاملين مع اسرائيل شريطة تسليم انفسهم للدولة وترك القنوات القضائية تأخذ مجراها في الامر. وأمام مشاريع القوانين المقدمة بهذا الشأن والتحفظ عليها من قبل بعض النواب ورفضها من قبل آخرين أرجأ مجلس النواب اللبناني مناقشة الأمر لمدة اسبوعين. (البيان) رصدت مجمل الصورة في الاوساط النيابية والتفصيلات المتعلقة بموقف المتحمسين للعفو والمتحفظين عليه. ما وراء العفو في البداية يشرع النائب محمد رعد (عن كتلة الوفاء للمقاومة التي تضم نواب حزب الله) الدوافع التي دفعت بحزب الله الى التقدم باقتراح للعفو, فيقول ان ذلك من شأنه اضعاف الساتر الذي يختفي وراءه العدو المحتل ويساعدهم في كشفه سياسيا كما سيستنزف اعدادا كبيرة من المتعاملين الذين انساقوا وراءه دونما وعي أو ادراك وقرروا اغتنام فرصة تحرير جزين للخلاص مما هم فيه. ويستطرد رعد قائلا ان العفو من شأنه ان يعزز فرصة احتضان هؤلاء بدلا من توقيفهم وإحالتهم للمحكمة العسكرية بتهمة الخيانة كما كانت تفعل من قبل وذلك طبقا للمواد 253, 278, 285, 286, 287 من قانون العقوبات. وحيال ذلك لم تسجل لجنة الادارة والعدل طلبا حكوميا لارجاء البحث لاستكمال الاطلاع فحسب بل بدا التضارب واضحا في وجهات نظر النواب انفسهم موقف الحكومة أبدت الحكومة ممثلة في وزير الدفاع غازي زعيتر تحفظها على المشروع الذي تقدم به النائب محمد رعد داعية الى الاكتفاء بترك الامر للقضاء. ويقول زعيتر: انه لمرة واحدة, وخلافا لأي نص ورد في النبذة 1 و2 و,3 يعفى من العقوبة كل من تنطبق عليه صفة (عنصر) أو (رتيب) بحسب التصنيف المزعوم في ميليشيا المتعاملين مع العدو المحتل, اذا سلم نفسه طوعا للسلطات اللبنانية خلال ثلاثة اشهر تبدأ من تاريخ نشر هذه المادة في الجريدة الرسمية. لكن الحكومة ترى بشخص الوزير زعيتر ان القضاء هو المخول ان يحدد الجرائم والعقوبات, وخصوصا ان هناك استحالة لاضافة مادة مكررة على قانون العقوبات انطلاقا من مبدأ شمولية القانون وديمومته وثباته. ويسأل وزير الدفاع: لماذا تخصص منطقة وفئات محددة وليعفى عنها دون اخرى, فلا يكون العفو شاملا بذلك. حيال هذا التحفظ ارجآت لجنة الادارة والعدل النيابية البحث في الموضوع لمدة اسبوعين, لتكون الحكومة خلالهما قد درست اقتراح قانون النائب رعد المشار اليه, اضافة الى اقتراحي قانون جديد في الاطار نفسه تقدم بهما خلال انعقاد جلسة اللجنة كل من رئيسها المحامي شاكر ابوسليمان والنائب بطرس حرب كان من العدل ان يعطي كحكومة, مهلة اسبوعين او ثلاثة اسابيع لدرس اقتراحات القانون تلك ووضع الملاحظات اللازمة عليها. اما المشروع الذي تقدم به رئيس اللجنة ابوسليمان فيتضمن في مادته الاولى منح عفو عام عن الجرائم المرتكبة والناجمة عنه لانتسابه الى ميليشيا المتعاملين مع العدو والجرائم المتفرعة المنصوص عنها في الكتاب الثاني من الباب الاول في الفصلين الاول والثاني من قانون العقوبات, وان يشمل هذا العفو العناصر والرتباء والمؤهلين في الميليشيا المذكورة سواء الذين سبق لهم ان انسجموا فيها طوعا او الذين سوف يتركونها شرط ان يسلم هؤلاء انفسهم للسلطات اللبنانية خلال ثلاثة اشهر من تاريخ نشر هذا القانون في الجريدة الرسمية. ويستثني ابوسليمان في مشروعه الجرائم المرتكبة من قبل قادة وضباط الميليشيات المترتبة على الانتساب اليها او المتفرعة عنها وحول هذا المشروع يقول ابوسليمان: لاشك في ان اقتراح القانون المقدم من النائب رعد يشكل خطوة متقدمة في تفهم ومعالجة اوضاع خاصة بمواطنين لبنانيين في الجزء الذي يمثله العدو الاسرائيلي من ارض الوطن. وفي السابق كان ينظر الى جميع اللبنانيين المقيمين في الشريط الحدودي (المحتل) نظرة اتهام وادانة, ومن ثم بدأ الكلام والتفريق بين اهلنا في الجنوب من جهة والعملاء من جهة اخرى. والعمالة تركت مجالات للاجتهاد الشخصي وبررت احيانا الانتقام خارج مقتضيات الصراع المسلح ضد الاحتلال. الانسان والارض ويضيف ابوسليمان: لقد تبدلت المقاييس والمفاهيم فأصبحت كلمة التحرير تعني لجميع اللبنانيين تحرير الارض والانسان معا, وتحرير الانسان يعني تثبيته في ارضه وتخفيف معاناة الاحتلال عنه وتفهم الاوضاع التي حدث به الى البقاء والتعامل مرغما مع اسرائيل اذ لم يكن له في ذلك خيار, بل كانت نتيجة لمسار الحرب وفظائعها وتقلباتها وللاحتلال الذي اعقبها وغياب الدولة القسري عن هذه المناطق. اما اقتراح القانون الذي اتقدم به فلا يتعدى كونه خطوة اولى في مسار تحرير الارض والانسان في الجزء المحتل في الوطن واحتضان هذا الانسان واعادة تأهيله. تليها خطوات ترمي لاحتضان جميع ابنائنا في هذا الجزء العزيز من لبنان, لا سيما اولئك الذين يتركون الميليشيا ويغادرون رغم الصعوبات بغية الاهتمام بهم وبأهلهم اذا ما اضطروا لترك المنطقة خشية الانتقام منهم. ويرى ابوسليمان ان اقتراح القانون الذي تقوم به رعد غير دقيق من الناحية القانونية, فالعفو الذي يصدر عن السلطة التشريعية هو عفو عام, اي عفو عن الجرم وليس عن العقوبة ولا يوجد في القانون عفو عام عن العقوبة, ذلك ان العفو العام عن الجرم يسقط بحد نفسه العقوبة سواء كانت اصلية ام فرعية (مثل المادة 150 من قانون العقوبات. ثم ان العفو الخاص الذي يمنح من قبل رئيس الدولة بالاستثناء الى احكام الدستور انما يطاول العقوبة المحكوم بها على شخص معين لا الجرم, فيجيز ابدالها او اسقاطها كليا (المادة 152 عقوبات), بينما نواجه نحن اقتراحا تشريعيا يتعلق بعفو عام ,لا بعفو خاص. ويضيف ابوسليمان: اننا اذا سلمنا بامر الاعفاء فقط حسبما تقدم رعد في اقتراحه فمعنى ذلك ان الذين يسلمون انفسهم من المنخرطين في الميليشيا, سيتم التحقيق معهم ويحاكمون وتصدر بحقهم احكام ثم تقضي المحكمة بالاعفاء عن العقوبة المحكوم عليهم بها بشمولها بقانون العفو هذا, لكن هذا الامر, فضلا عن مخالفته كما ذكرت ليس هو الذي يحقق الغرض في هذا الاقتراح ويشجع بالتالي على الانسحاب من الميليشيا. اضافة الى ذلك فقد نص اقتراح (النائب رعد) على الاعفاء من العقوبة فقط, اي عقوبة الانتساب الى ميليشيا المتعاملين مع العدو ولكن هنالك جرائم اخرى متفرعة عنها مثلا, جرم حمل السلاح بدون ترخيص, أو الصلات غير المشروعة بالعدو, أو الاعتداء على الامن الداخلي للدولة, أو سوى ذلك, من اتهامات يجب ان يشملها العفو, لانها تتصل اتصالا وثيقا بافعال الميليشيا, أو انها تتفرع عنها. اقتراح اخر وفي اطار السجال النيابي نفسه, تقدم نائب ثالث هو بطرس حرب باقتراح قانون اخر يتضمن: العفو عن اللبنانيين الذين انخرطوا في صفوف ما سمي ميليشيا لحد أو تعاملوا مع العدو الصهيوني. وينص اقتراح القانون في مادة وحيدة على انه خلافا لأي نص اخر يمنح عفو عام عن الجرائم التي ارتكبها كل لبناني انخرط في صفوف الميليشيا المعروفة باسم جيش لبنان الجنوبي أو دخل بلاد العدو أو تعامل معه باي شكل من الاشكال شرط ان يكون ترك هذه الميليشيا وانقطع عن التعامل مع العدو الصهيوني قبل صدور هذا القانون, يستفيد من هذا العفو ايضا كل من يسلم نفسه طوعا للسلطات اللبنانية خلال مهلة ثلاثة اشهر من تاريخ العمل بهذا القانون. ويقول حرب انه: منذ ان احتل العدو الصهيوني جزءا عزيزا من ارضنا اللبنانية, عمد إلى تشكيل ميليشيا عسكرية من بعض اللبنانيين الذين تعاملوا معه سواء عن طريق الترغيب أو الترهيب او الاضطرار إلى ذلك, ولما كانت بعض عناصر هذه الميليشيا وجدوا في انسحاب قيادة الميليشيا من منطقة جزين الفرصة السانحة للتخلي عن الميليشيا المذكورة واستعادة حريتهم والبقاء في منازلهم وقراهم وبين اهليهم ولاسيما انخراطهم في تلك الميليشيا لم يكن بارادتهم الحرة بل كان قسريا بحكم الظروف التي كانت سائدة في المناطق الرازحة تحت الاحتلال. ويقول حرب متابعا: ان هؤلاء الشبان الذين انساقوا تحت ضغط الظروف وارهاب العدو الاسرائيلي لمخاطر ذلك قرروا بانفسهم انتهاز الفرصة للخلاص من الميليشيا التي انشأها العدو, وان البعض الاخر من هؤلاء الشبان انسحب مع الميليشيا المذكورة. ويختتم النائب حرب قائلا: ان بعض سكان تلك المناطق المحتلة اضطروا ان يعملوا داخل اسرائيل طلبا للرزق, ولمقتضيات الوفاق الوطني ينبغي احتضان هؤلاء الشبان في كنف الشرعية واعفائهم من الملاحقة والعقاب. اما النائب احمد سويدان مقرر لجنة الادارة والعدل فيقول انه ضد الاقتراح ويدعو إلى التمييز بين ثلاث فئات من المتعاملين مع العدو. الفئة الاولى وهم الملتزمون لعقيدة اسرائيل وهم مجرمون ويحاكمون بتهمة الخيانة العظمى, اما الفئة الثانية فهم مرتزقة وينظر اليهم نظرة فيها شيء من الرحمة, واما الفئة الثالثة فهم الذين جندوا اجباريا ويجب ان ينظر اليهم نظرة تخفيفية امام العفو الشامل. ويشدد سويدان على وجوب ان يطبق القانون بكل حذافيره ضد كل من يتنكر ويخون بلده. بيروت ــ وليد زهر الدين