رغم مجيء الرئيس الايراني المعتدل محمد خاتمي الا ان عدة ملفات بقيت عائقاً أمام التقارب العربي الايراني في مقدمتها احتلال جزر الامارات الثلاث طنب الصغرى وطنب الكبرى وأبو موسى اضافة للمواقف المتباعدة بين الجانبين من سلام الشرق الأوسط في اسرائيل علاوة على مخاوف تصدير الثورة الاسلامية وزعزعة استقرار الدول العربية. (البيان) طرحت هذه الملفات على ثلاثة من كبار المثقفين ورجال الدين الايرانيين الذين زاروا القاهرة مؤخرا بدعوة من وزارة الاوقاف لحضور مؤتمر المجلس الأعلى للشؤون الاسلامية وهم آية الله محمد علي تسخيري مستشار علي خامنئي مرشد الثورة الايرانية, وآية الله واعظ زادة خراساني رئيس مركز التقريب بين المذاهب الاسلامية في إيران, ومحمد صادق الحسيني أحد رموز تيار الاعتدال والمستشار الخاص لوزير الثقافة الايراني الدكتور عطاء الله مهاجراني. العلاقة بين القاهرة وطهران * خيط الاسئلة بدأ من حيث الأزمة الأخيرة حول شارع خالد الاسلامبولي قاتل الرئيس محمد أنور السادات عام ,1981 والذي يصر بعض المتشددين الايرانيين على الاحتفاظ به في قلب العاصمة الايرانية الأمر الذي اعتبرته القاهرة إهانة للشعب المصري وتأييدا للخط المتطرف الذي يمثله الاسلامبولي. ــ من وجهة نظر آية الله تسخيري فإن العلاقات المصرية الايرانية أكبر من مجرد شارع في طهران أو ضريح للشاه في مصر حيث يعتبر أن التعاون والتنسيق بين الجمهورية الاسلامية الايرانية وجمهورية مصر العربية هو في مصلحة العالم الاسلامي أجمع خاصة أن البلدين يمثلان حضارات كبرى ودول مؤثرة في المنطقة, وفي حالة تعاونهما فإن كثيراً من الخير سوف يتحقق للمسلمين في كل مكان, واعتبر تسخيري ان عدم عودة العلاقات بصورة طبيعية هو خسارة للبلدين والعالم الاسلامي بأسره. ويقول محمد صادق الحسيني ان هناك في ايران اليوم من يتعامل مع قضية الشارع باعتبارها قضية منتهية على أساس ان يتم التغيير بالفعل, بل هناك بعض الأسماء المطروحة لدى ذوي الاختصاص بهذا الموضوع مثل تبديل الاسم الى شارع جمال عبدالناصر أو شارع عز الدين القسام أو حتى تغييره ليصبح شارع القاهرة, ويشير الحسيني الى ان الوفد البرلماني المصري الذي شارك في اجتماعات اتحاد البرلمانات الاسلامية في ايران كان قد التقى مع حجة الاسلام ناطق نوري وخرج هذا الوفد بانطباعات ايجابية عن اللقاء فيما يخص مسألة الشارع بشكل خاص والعلاقات المصرية الايرانية بشكل عام. * لكن الشارع ليس هو القضية الوحيدة فهناك مخاوف مصرية عديدة من عودة النهج المتشدد الى سدة الحكم, وإعادة انتاج شعارات تصدير الثورة خاصة ان قضية شارع خالد الاسلامبولي كشفت عن وجود قطاعات من المتشددين غير راضية عن تغيير اسم الشارع وعن الاتجاه نحو تطوير العلاقات العربية الايرانية؟ ــ محمد صادق الحسيني لا يتفق مع هذا الطرح مشيرا الى ان ايران تشهد تغيرات اجتماعية وسياسية كبيرة على مختلف الأصعدة وهناك تيارات وجماعات متباينة الأفكار لكن ذلك كله أحد مظاهر الديمقراطية وحرية الرأي, ورغم ذلك أيضا فإن هامش الخلافات أو التباينات فيما يتعلق بالسياسة الخارجية الايرانية ضئيل للغاية بين جميع التيارات الفكرية الايرانية, وتكاد عملية التوجه لتحسين العلاقات العربية الايرانية بوجه عام والمصرية الايرانية على وجه الخصوص تحظى باجماع كل التيارات الايرانية ولا يوجد شخص في ايران لا يدرك ان مصلحة البلاد تتمثل في أن تستعيد عافيتها من خلال علاقات متميزة مع الدول الاسلامية ودول الجوار العربية الاسلامية. أما آية الله تسخيري فلا يتفق من الأصل على تقسيم ايران بين الاعتدال والتشدد أو اليمينية واليسارية مشيرا الى ان الجميع يعمل من أجل هدف واحد هو خدمة الاسلام والمسلمين ومصلحة الوطن بعد ذلك, وتساءل تسخيري ما هي المعايير التي تحكم فكرة الاعتدال والتشدد, فلو توافقت توجهاتنا مع المصالح الغربية نصبح معتدلين في نظرهم أما إذا لم تتفق مصالحنا مع مصالحهم نصبح متشددين؟ تهمة الارهاب ويرى تسخيري ان الذين يتحدثون عن الاعتدال والتشدد أو يثيرون المخاوف لا يعرفون ايران جيدا, فايران تضع العلاقات مع العالم الاسلامي على رأس أولوياتها وهي في سبيل ذلك تحرص على استقرار جميع الدول الاسلامية وقد ظهر ذلك بوضوح قمة منظمة المؤتمر الاسلامي ثم تأسيس اتحاد البرلمانات الاسلامية والسعي الايراني لإقامة علاقات متميزة مع الدول العربية والاسلامية على المستوى الثنائي, ويضيف تسخيري أن بعض وسائل الاعلام الغربية حرصت على تقديم صورة مشوهة عن ايران وقدمت كلاماً خبيثًا مثل الارهاب والعنف والتشدد, وحرصت بعض الجهات على زرع هذه الفتنة مع مصر على وجه الخصوص لكن الحقيقة ان كل هذه محض اتهامات باطلة, والواقع يؤكد ان ايران أبعد ما يكون عن افكار الجماعات والتيارات الأصولية المتشددة أو التكفيرية التي ربما عانت منها لسنوات طويلة العديد من البلدان العربية وعلى رأسها مصر والدعوة الاسلامية التي تؤمن بها الجمهورية الاسلامية هي الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة وليس باستخدام العنف أو رفع راية تكفير المسلمين بغير حق. ورأى المثقفون الايرانيون ان مثل هذه الدسائس اعتاد عليها العالم الاسلامي وفق استراتيجية فرق تسد, وقد حاولو استخدامها حديثا بعد الحديث عن قيام ايران بتطوير صاروخ جديد بعيد المدى, وقالوا ان الصاروخ يستهدف العراق والأراضي العربية في حين أن المسافة القصيرة بين العراق وايران والمدى الواسع للحدود المشتركة بين البلدين لاتلزم بتصنيع مثل هذه الأنواع من الصواريخ بعيد المدى لكن هناك مؤسسات مهمتها تشويه الحقائق في الغرب والحفاظ على حالة العداء والخصومة التناحر بين البلدان الاسلامية لأن الغرب يدرك جيدا حجم الدور الذي يمكن ان تلعبه الأمة الاسلامية في حال وحدتها الجماعية أو التنسيق الكامل بين أطرافها المتعددة في قارات العالم. الجزر الاماراتية المحتلة قضية أخرى تأتي على رأس اجندة العلاقات العربية الايرانية, وهي قضية الجزر الاماراتية المحتلة في الخليج العربي, وهذه القضية تشغل حيزا كبيرا من اهتمام القيادة السياسية في مصر وتعتبرها احدى العقبات في طريق استكمال التطبيع الكامل في العلاقات بين البلدين, ومن وجهة نظر علماء الدين والمثقفين الايرانيين, الذين حاورتهم (البيان) , فان قضية الجزر لا ينبغي ان تكون عقبة في طريق عودة العلاقات العربية الايرانية بصورة كاملة وعميقة, وبينما يتحفظ صادق الحسين على رأيه بشأن الجزر وتأثيرها على العلاقات المصرية, ويؤكد ان الخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية, وان مثل هذه القضايا يمكن ان تحل من وجهة النظر الايرانية عبر المباحثات الثنائية المشتركة بين ايران والامارات في أجواء من التفاهم وحسن الجوار لا من الشكوك أو المخاوف. ويرى آية الله تسخيري ان ايران تسعى لحل هذه المشكلة عبر الطرق والوسائل الدبلوماسية والحوار المباشر بين أبوظبي وطهران, ويرى تسخيري ان الحوار حول الجزر بصورة ثنائية يمكن ان يحقق نتائج ترضي الطرفين خاصة ان الجمهورية الاسلامية الايرانية حريصة على دعم علاقاتها مع الأشقاء الاماراتيين, بينما يؤكد آية الله خراساني على المعنى نفسه يرى انه لا يمكن ان يحدث تطابق في وجهات النظر بشكل كامل بين أي بلدين في العالم, لكن التباينات لا يجب ان تقف حائلا ضد تحقيق مصلحة المسلمين ودفع التعاون بين البلدان الإسلامية وقد أمرتنا التعاليم الاسلامية بالحوار والتفاهم ونحن حريصون على تعزيز علاقاتنا مع جميع دول الخليج. ويضيف خراساني ان الامارات تحى بتقدير واحترام خاص لدى الايرانيين نظرا للعلاقات الواسعة التي تربط البلدين, والعلاقات التجارية والاقتصادية المتميزة بين ايران والامارات العربية المتحدة. السلام العربي الاسرائيلي ومن الجزر إلى قضية السلام والتسوية السياسية في الشرق الأوسط, فهناك بعض المتشددين داخل ايران ينظرون بطريقة سلبية لمصر ويتهمونها بأنها دولة كامب ديفيد, وبينما تعبر هذه الاتهامات عن عدم تقبل الساسة الايرانيين لمنهج الرئيس الراحل أنور السادات الذي استضاف الشاه (عدو الشعب الايراني والثورة الايرانية عام 1979) , إلا انها في الوقت نفسه تكشف عن وجود تيارات نافذة في الشارع الايراني تعرقل مسيرة العلاقات العربية الايرانية باثارة هذه المشكلات موسميا كلما تقدمت علاقات البلدين الاسلاميين بعض خطوات إلى الأمام, وتسعى هذه التيارات إلى اغضاب القاهرة والتشكيك في قدرات التيار الاعتدالي على استكمال برنامجه حتى النهاية. وفي رأي صادق الحسيني ان هذه التيارات لم تعد نافذة بقوة, خاصة انه رغم التحفظات الايرانية على مسائل التسوية السلمية وكامب ديفيد وما إلى ذلك فان ايران تدرك ان كل بلد من حقه اختيار سياساته ولا تتدخل في الشؤون الداخلية للدول الاسلامية, فالايرانيون اليوم يدخلون في تحالف متطور مع سوريا, رغم ان الأخيرة تعمل من أجل السلام وحريصة على التوصل إلى سلام شامل وعادل في الشرق الأوسط. أما آية الله تسخيري فيعتبر ان هذه الأشياء لا تمثل مشكلة حقيقية خاصة ان الدول العربية بشكل عام أعلنت ان السلام خيارها الاستراتيجي, وان كان ذلك لا يتفق مع رؤية ايران واعتقادها بالنسبة للكيان الصهيوني فاننا نؤكد على ان التعاون بين البلدان الاسلامية هو سلاح كبير ضد المخططات الصهيونية في المنطقة وأكبر ضربة لأعداء الإسلام ولذلك نحرص على تجاوز الخلافات في هذا الشأن ونعمل على تطوير علاقاتنا بجميع البلدان الاسلامية والعربية رغم التباين في الرأي حول هذه القضية. القاهرة ــ مكتب البيان