يبدو ان قراء الصحافة السياسية في السودان ــ وهم كثر ومعروف عنهم الشغف ــ اسرفوا في التفاؤل بادراك فجر طالما انتظروا شروقه حاملاً بشائر حرية الصحافة عندما انتفضت الصحف (فجأة) لتفتح وعلى نسق(متوالي)ملفات الفساد , ومضت بعيداً في الترويج لوفاق وشيك بين أهل السودان لدرجة نشر خطاب لزعيم المعارضة في المنفى, بنصه الحرفي. فقد تعرضت اربع صحف مستقلة لاجراءات قضائية بعد ان فتحت في مواجهتها بلاغات تتراوح بين الاخلال بالسلام العام, ونشر بيانات كاذبة, والمساعدة على مقاومة النظام بالقوة, والتشهير, وفتح مستشار الأمن الداخلي بلاغات ضد: آمال عباس رئيس تحرير (الرأي الآخر) ومحمد محمد أحمد كزر رئيس تحرير (الشارع السياسي) ومحيي الدين تيتاوي رئيس تحرير (الاسبوع) بسبب نشر الصحف الثلاث خطاب محمد عثمان الميرغني زعيم الحزب الاتحادي الديمقراطي المعارض رئيس التجمع الوطني الديمقراطي (تحالف المعارضة السودانية) أمام اجتماعات هيئة قيادة (التجمع) التي عقدت بالعاصمة الارترية أسمرة ما بين 7 ــ 14 يونيو الجاري, ويواجه رؤساء تحرير الصحف الثلاث تهما بالاخلال بالسلام العام, ونشر بيانات كاذبة, والمساعدة على مقاومة النظام بالقوة, فيما تواجه صحيفة (الوان) المقربة من الحكومة اجراءات قانونية بعد ان فتحت هيئة الامدادات الطبية بلاغاً في مواجهتها بسبب نشرها لتحقيق مثير حول المحاليل الوريدية الفاسدة, ورداً على قيام نيابة جرائم أمن الدول بتوجيه اتهاماتها ضد رؤساء تحرير الصحف الثلاث. قالت امال عباس رئيس تحرير (الرأي الاخر) امام لجنة التحقيق التي مثلت أمامها انها غير مذنبة, وان صحيفتها استغلت مساحة الحريات المتاحة لنشر الرأي الآخر دون المساس بأمن الدولة أو الدعوة لتقويض النظام, وأضافت: انني تعاملت مع خطاب الميرغني بشكل مهني في ظل محاولات الوفاق الجارية بين الحكومة ومعارضيها, ونفت عباس ان تكون صحيفتها تتآمر مع الجهات المعادية للنظام. وقال محمد محمد أحمد كرار رئيس تحرير (الشارع السياسي) لـ (البيان) : ان كان رئيس الجمهورية يرحب بعودة الميرغني ونائبه علي عثمان محمد طه يقول لرؤساء تحرير الصحف ان هناك جولة من المفاوضات مع الميرغني ستعقد بعد فشل انعقاد الجولة الاولى بسبب النشر, وان كان حسن الترابي رئيس المجلس الوطني (البرلمان) والأمين العام للمؤتمر الوطني (الحزب الحاكم) يلتقي الصادق المهدي رئيس الوزراء السابق زعيم حزب الأمة المعارض, فما الذي يمنعنا من اعادة نشر خطاب الميرغني, سيما وان القانون الجنائي لايجرم اعادة النشر لأن (ناقد الكفر ليس بكافر). وأضاف كرار: ان واجب تمليك القارىء السوداني كافة المعلومات المتعلقة بمجمل قضايا الصراع السياسي يقتضي نشر خطاب الميرغني الذي تعاملنا معه بمهنية وامانة ومسؤولية, من باب تكافىء الفرص وتأكيد استقلالية صحيفتنا. وأوضح كرار شقيق صلاح كرار عضو مجلس قيادة انقلاب (الانقاذ) وسفير السودان الحالي بالبحرين, أنه لم يساعد جهات تعمل على إطاحة الحكومة بالقوة, وزاد: سبق لنا ان نشرنا مذكرة المعارضة في 29/12/1998م وهي تدعو الى تفكيك النظام ولم نتعرض لمساءلات أو اجراءات قضائية ما الجديد الذي حدا بتعريضنا لاجراءات قضائية؟ وأجاب أعتقد ان السبب هو رغبة الحكومة في ممارسة المزيد من الضغوط على الصحافة, معتبراً ان الأمر جزء من أزمة حكومة (الانقاذ) التي تعاني من عدم وجود قرار موحد او اجراء موحد او حتى توجيهات محددة, وأضاف: لم ترد الينا توجيهات بعدم نشر وثائق مؤتمر المعارضة باسمرة, بل العكس كان المناخ السياسي مشجعاً على نشر وثائق واخبار وتقارير الاجتماعات ذلك لأن محمد الحسن الأمين مسؤول الدائرة السياسية بالمؤتمر الوطني (الحزب الحاكم) قال في تصريحات صحفية ان المؤتمر في انتظار نتائج اجتماعات اسمرة, وأنه (المؤتمر) أجل انعقاد مجلس شورى المؤتمر (الحاكم) الى حين ظهور نتائج اجتماعات أسمرة. وختم كرار بالقول: ان نشر صحيفتنا لخطاب الميرغني جاء منسجماً مع مساحة الحرية المتاحة حينه. وأستنكر توجيه الاتهامات للصحف في الوقت الذي تجرى فيه الحكومة المفاوضات في السر والعلن مع المعارضين. من جهة أخرى تواجه صحيفة (ألوان) المقربة من الحكومة اجراءات قضائية بعد ان فتحت الهيئة العامة للامدادات الطبية بلاغاً في مواجهتها بتهمة الكذب الضار بسبب نشر الصحيفة تحقيقاً حول المحاليل الوريدية التي استوردتها الهيئة من شركة كور الهندية, ومثل حسين خوجلي رئيس التحرير واشراقة النور ومحمد عبدالرحيم الصحافيان بالصحيفة امام الشرطة للتحقيق. وقال حسين خوجلي رئيس تحرير (ألوان) ان صحيفته ليست مخطئة وأنها لن تتراجع عن معركتها ضد الفساد, وألا تارات لصحيفته مع أية جهة أو شركة, وأنهم على الرغم من تقديرهم لانجازات مدير الامدادات الطبية إلا انهم يرون انه يجب ان يحاسب على ما اقترف من جرائم في حق المرضى وذويهم. واضاف خوجلي لـ (البيان) ان الصحافة ليست قاضيا ولا شرطيا مشيرا إلى ان صحيفته دخلت معركة المحاليل الفاسدة ليست لأن لديها خبراء معامل لكن لأنها تعمل على تمليك المعلومة الصحيحة للدفاع عن الناس, ولأن كل القرائن تدل على ان هناك حرجاً في شهادات مجموعة من العلماء والمختصين. وأضاف: نحن نرى انه ليس من الحكمة ان يتم استيراد دواء استراتيجي من شركة واحدة, ودولة واحد, وألا يتم التعامل مع المسائل التي تهم الشعب السوداني بمعايير السوق والسلع, سيما الدواء لأن المريض في مثل هذه الحالات لا يملك خيارات أخرى. واعتبر خوجلي ان بيان وكيل وزارة الصحة السودانية الذي تراجع عنه بعد يوم واحد يثير الشكوك والتساؤلات, هذا فضلا عن أن مجموعة من الأطباء والعلماء السودانيين يرون ان المحاليل المثيرة للجدل ليست فوق مستوى الشبهات اضافة إلى ما ذكره المرضى للمحررين في المستشفيات من ان تلف المحاليل يرى بالعين المجردة, وفوق ذلك تقرير اعدته الباحثة د. ناهد صالح احدى كوادر التحليل يؤكد ان هذه المحاليل ليست بالصلاحية التي يتحدث بها مدير الامدادات الطبية.وأضاف هذا التقرير بطرفنا الآن. ورأى خوجلي انه حتى في حال التشكك فقط كان الأحرى بمدير الامدادات الطبية ايقاف المحاليل المثيرة للشك إلى حين التثبت من صحة ما ورد حولها, المهم ألا نفقد مواطنا سودانيا جراء تضارب المصالح والشبهات, وأوضح خوجلي ان بين أيديه مجوعة من الصحف الهندية قادت حملة ضد شركة (كور) في الهند التي اضطرت وزارة الصحة الاتحادية الهندية إلى سحب تجديد الترخيص للشركة, وزاد: حتى الأطباء في سيرلانكا وتنزانيا أجبروا حكومات بلدانهم على عدم التعامل مع الشركة المنتجة للمحاليل الفاسدة. ورأى خوجلي في البعد السياسي للأزمة انها لأول مرة تكشف عن عافية الجدل في حزب سياسي, إذ فصلت المحاكم مجموعة من الكوادر الطبية رأت انها غير مؤهلة للمواقع الموجودة فيها. ودعا خوجلي إلى ان يكون عيد (الانقاذ) العاشر منطلقا للشفافية, ورأى انه آن الأوان لفتح كل الملفات ليتعرض كل المسؤولين للجراحة والتعديل, وزاد: ان كان الادعاء بان هذه السلطة لله, فعليها فتح كل الأبواب والنوافذ وانتقاد كل القصور, لأن الله قادر على حماية سلطته. وطالب خوجلي الجميع بالحديث بالصوت الجهير, وأضاف: يجب ألا يرعبنا الخوف على مشروعنا الفكري ويمنعنا من كشف أخطائه, معتبرا ان أغلب قيادات (الانقاذ) الحالية لا تمثل الأهداف التي قامت من أجلها (الانقاذ). وتشير (البيان) إلى ان صحيفة (الرأي الآخر) كان أوقفها المجلس القومي للصحافة والمطبوعات يومي الثلاثاء والأربعاء الماضيين بسبب نشرها خطاب الميرغني, كما سبق ان مثل محيي الدين تيتاوي رئيس تحرير (الأسبوع) نائب رئيس اتحاد الصحفيين السودانيين أمام قاضي التحقيق بعد ان نشر تصريحات للحاج مضوي محمد أحمد نائب رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي المعارض الذي يتزعمه محمد عثمان الميرغني رئيس التجمع الوطني الديمقراطي (تحالف المعارضة السودانية) قال فيها ان ممارسة ضغوط على الحكومة لاجبارها على قبول الحوار والتفاوض حتى لو كانت ضغوطاً عسكرية فهي مشروعة. الخرطوم ــ محمد الاسباط