في الجزء الثاني من مذكرات رفعت السعيد (تحت الطبع) والتي تدور في معظمها حول الحقبة الساداتية, يركز الضوء على فئة في المجتمع احترفت الرقابة الطوعية على الآخرين واصطياد المواقف التي تسند نهج التملق للمسؤولين للحصول على منافع شخصي ة يطلق على صاحبها في اللهجة المصرية (المكتوبجي) كوصف لكاتب التقارير التتري, هذا الـ (مكتوبجي) صور اتصالا هاتفيا للسعيد مع صديق سوفييتي للخروج من ورطة في المطار على انه (زلزال هز الكرملين) كما تطوع برشاشه لحماية السادات الذي لا يحتاج لها. تفاصيل الجزء الثاني من المذكرات التي لم تنشر تاليا: المكتوبجي كانت في الاساس مهنة, لكنها في الزمن الناصري اصبحت تعبيرا عن هؤلاء البصاصين المندسين في كل لقاء أو اجتماع, يتسلقون على جدران حياتنا من حيث لا تحتسب, يتسقطون كل ما يتساقط من الفاظ أو نقد أو شكوى أو تأوه, أو همسة أو نكتة, ليسودوا بها تقارير ترفع إلى المسؤولين المنتظرين دوما في تطفل لهم. والمكتوبجية.. اغلبهم متطوعون, فقد اصبحت هذه المهنة مشاعا لكل من يرغب في طرق الابواب الذهبية لتملق الحكام, وتسلق جدران السلطة, ولو فوق رقاب البشر. (ف) .. غليظ الفهم والتملق والكتابة ضد البعض تقربا للسلطان تبقى حرفة من لا موهبة له, تبقى حتى وان تغير الزمن, وتغير السلطان, السادات أتى, وظهر له رجال كانوا ايضا من رجال العهد السابق, وربما من اكثر المتملقين له, لكنهم اجروا حساباتهم بطريقة مخالفة بعض الشىء للاخرين. من هؤلاء شخص سأرمز له (ف) .. صعيدي, غليظ الفهم, وغليظ التعامل. نصف متعلم لكنه متعالم, يخفي جهله خلف ستار من صلف مترفع ويستر ذلك كله بعلاقة خاصة جدا بالسادات, يكرر ويكرر, ولا يمل من تكرار حكايته يوم 15 مايو عندما حمل رشاشا (غير مرخص) وذهب لبيت السادات كي يحرسه من عدوان (مراكز القوى) . كان يعرف ان رئيس الجمهورية لا يحتاج له كي يحميه, فلديه ما يكفي من حماية, لكنها حرفة التملق عندما تتقن الاداء. هذا الرجل اوفد الينا ليمثل الحكم الجديد في مجلس السلام, وسافر معنا كثيرا وكأنه رقيب يتحتم وجوده هذه المرة كنا في طريقنا لمؤتمر في هلسنكي, وكالمعتاد نحط الرحال في موسكو ومنها إلى هلسنكي, كانت الارض بيضاء, ومازال المزيد من الابيض يأتي من السماء حتى يخيل اليك ان لن ينتهي, والمدى الابيض لوحة منسوجة من تماوجات ذات لون واحد, والوفد مكون من احمد الخواجة, ود. جمال العطيفي, وعبدالمجيد أبوزيد, و(ف) هذا, وانا, وازعم أن (ف) هذا لم يكن يعرف أي شىء مما يجري حوله الا انه صمم ان ينصب نفسه رئيسا لنا, ورقيبا علينا. وبرغم ان احدا لم يستطع ان يبتلع هذا الرجل, الا ان نظراتنا توافقت على محاولة احتماله دون مشاكل. كنت جالسا إلى جواره في صالة الفندق, اخرج محفظة نقوده ليعيد عد الثروة التي نالها من جهة ما كبدل سفر, لاحظت ان بها ورقات من فئة الخمسة جنيهات استرليني, حذرته بضرورة استبدالها خلال شهرين فقد تقرر سحبها من السوق. غاب نصف ساعة وعاد سائلا: (معاك عشرين جنيه استرليني سلف) , اعطيته ما اراد, رسم على فمه ضحكة صفراء, وهو يعطيني اربع ورقات من فئة الخمسة جنيهات, ولما لاحظ دهشتي قال: يا سيدي انت راجل متعلم وبتعرف انجليزي, واحنا صعايدة, غيرهم انت. وذات مرة اصطحبتهم إلى محل (ستوكمان) في هلسنكي ليشتروا ما يريدون, وهلسنكي دوما ملتهبة الاسعار, الاسعار اربكتهم, كل منهم ركب في رأسه آلة حاسبة تحول الماركات الفنلندية إلى دولارات, والدولارات إلى جنيهات مصرية ثم يصرخ من الدهشة, انما كنت معتادا, فقد عشت في هلسنكي زمنا, كانت الآلة الحاسبة تعمل باستمرار في رأس (ف) وكانت تدفعه بعيدا عن شراء أي شىء انتظارا للعودة إلى موسكو حيث كل شىء ارخص مما يتصوره العقل. ولعلي اخطأت اذ اشتريت فستانا لزوجتي, اذكر ان سعره كان قريبا من المائة دولار, دارت رأس السيد (ف) , اختلت آلته الحاسبة, ظل طوال اليوم غير قادر على اسكات دهشته, يحكي ويحكي قصة الفستان ويشفع كل جملة بعبارة (يا نهار اسود مائة دولار) , الدهشة سيطرت على الرجل حتى اضجرنا جميعا, وكان الاكثر ضجرا د. العطيفي الذي قال: اصل واحد زي ده اول ما يحوش مائة دولار يجري على البلد ويشتري قيراط طين, التفتنا لنجده خلفنا, اوشكت ان استشعر حرجا لكنه اكد كلام العطيفي قائلا: (أي والله, قيراط طين, فستان بقيراط طين, يانهار اسود) . وظلت الدهشة تلاحقه .. واظن انها لم تزل. هاتف زلزل الكرملين كان من المفترض ان نعود بالطائرة فجر السبت إلى ليننجراد ثم إلى موسكو. تحدث عبدالمجيد ابوزيد عن ليننجراد وجمالها وعن متحف الارميتاج, والح اعضاء الوفد ان نمضي اليوم في ليننجراد ونغادرها بقطار المساء إلى موسكو, أما د. العطيفي فقد غادر من هلسنكي إلى القاهرة مباشرة. ولانني كنت الاوثق علاقة برجال حركة السلام الذين عملت معهم طويلا, طلبوا إلى أن ارتب الامر, وبالفعل رتبت, واكدت, واعدت التأكيد على الرفيق كالانداروف ممثل لجنة التضامن الاسيوي الافريقي السوفييتي في المؤتمر. غاب كالانداروف قليلا ثم عاد ليؤكد ان كل شىء تمام. هبطت الطائرة في ليننجراد, لم يكن هناك احد في انتظارنا, المعتاد ان ينتظروك على سلم الطائرة, حاولت ان امنح نفسي بعض الطمأنينة, وركبنا الاوتوبيس مع خلق الله العاديين, ثم طابور الجوازات, الطابور المعتاد يتحرك ببطء, وانا من فرط القلق اتجاوز الطابور لابحث عن احد يكون في انتظارنا, عين ضابط الجوازات ترمقني بغضب وتأمرني دون كلمات أن اعود, وعندما وصلت اليه لاحظت انه كان في انتظاري, سلمته اربعة جوازات دفعة واحدة. تأمل كل باسبور ببرود وملل, ركنها الواحد تلو الاخر, ثم اغلق الشباك واتى الينا ليسحبنا خلفه. احضر فتاة تعرف بعضا من الانجليزية من مكتب الانتورست (شركة السياحة السوفييتية) بالمطار, توالت اسئلته, من انتم؟ إلى أين؟ لماذا؟ حاولت ان اجيب بثقة من يثق ان الامر سيسوى فورا, قلت باعتزاز: نحن ضيوف لجنة السلام بليننجراد, وقلت, وقلت, وذكرت اسماء خيل إلي انها مهمة, الفتاة تترجم وهو ينصت ببرود يهز رأسه وكأنه يتفهم, لكنه وفجأة فجر قنبلة (باسبوراتكم غير صالحة) كيف؟ مد يده واشار إلى مكان توقيع صاحب الجواز, ولا توقيع, كل الجوازات المصرية خالية من هذا التوقيع لا ادري لماذا؟ هو قال ان الجوازات غير صالحة, لان التوقيع هو احدى وسائل التأكد من شخصية صاحب الجواز, صاح الجميع, توعدوا, صرخوا, اختلط صراخهم بكلمات انجليزية, واخرى فرنسية, وكثير من العربية, لكن الجليد الواقف امامنا ازداد برودة ولم يهتز, لانه لم يفهم حرفا واحدا, الفتاة حاولت تهدئتنا بالانجليزية قائلة: انها ساعة أو ساعتان حتى يبدأ يوم العمل, فنحن لم نزل في السادسة صباحا. في غرفة انيقة وبهدوء اكتشفنا اننا شبه مقبوض علينا, أو بالدقة محتجزون, قلت للفتاة: ارجوك عندما يبدأ يوم العمل ان تتصلي بلجنة السلام ليحضر احدهم ويخلصنا من هذا الاشكال, وفيما ابحث في اجندة التليفونات عن رقم اللجنة, قالت الفتاة, في اسى: اليوم السبت ولن يكونوا في مكاتبهم قبل صباح الاثنين, لكنني سأحاول تسوية الامر على اساس ترحيلكم إلى موسكو وهناك تحلون مشكلتكم وحتى هذا يحتاج إلى مسؤول, والمسؤول سيحضر بعد ساعتين, تعالى صوت الجميع في غضب ضاحك أو متضاحك, وتراكمت شتائمهم وانتقاداتهم على رأسي, ناسين ان الاقتراح اقتراحهم. وبعد عدة امتار سرناها ونحن محاطون بعدد من الافراد واضح تماما انهم من رجال الامن فتحوا باب حجرة ادخلونا بهدوء, ثم اغلقوا الباب, تاركين اضخمهم واقفا بالخارج. الحجرة انيقة, لابد انها غرفة واحد من المسؤولين, ولابد انهم حاذروا من سوء المعاملة, فقرروا الاحتياط في معاملتنا, خاصة بعد ان نقلت الفتاة عني وعيدا وتلويحا بأنهم يرتكبون خطأ كبيرا. ما ان اغلق الباب علينا حتى انفجرنا جميعا في الضحك, وبدأت النكت تنهال على رأسي: تسجن في مصر نعم, لكن انت غاوي, حتى في ليننجراد تسجن ايضا وتسجننا معك. على المكتب تليفون: اقترح احدهم ان نتصل بالسفارة المصرية في موسكو, قلت الوقت مبكر ونحن يوم السبت, معي رقم منزل السفير لكن لننتظر قليلا من الوقت حتى يستيقظ, وفيما اقلب في الاجندة بحثا عن رقم منزل السفير, قفز امامي رقم منزل فاديم سينيلنيكوف, كان صديقا قديما وحميما, عمل لفترة طويلة مستشارا في سفارتهم في القاهرة, وكان مسؤولا عن التنسيق بين الاتحاد الاشتراكي والحزب الشيوعي السوفييتي. تصادف ان التقيت به في موسكو قبل ان نغادر إلى هلسنكي, دعاني على العشاء في بيته وقضينا سهرة ممتعة مع زوجته (نينا) التي كانت مثله تتقن العربية. ادرت قرص التليفون بهدوء حذر كي لا يشعر الضخم الواقف خارج الباب, كود موسكو ثم الارقام واحدا تلو الاخر بهدوء متتابع, وكأنني اتوسل إلى القرص ان يمضي بلا صوت, رنين التليفون, ثم آلو غاضبة من هذا الذي يوقظها في فجر يوم الاجازة, قلت: نينا, اجابت بالروسية: دا (نعم) , قلت بالعربية وأنا لم اتمالك نفسي, يخرب بيتك يا نينا, قالت: من قليل الادب ده. حكيت لها الموضوع هامسا وانفاسي تتسارع مع الكلمات خوفا من ان يسمع الضخم الواقف خارج الباب فيأتي ليقطع المكالمة, أو ان تكتفي نينا بالاعتذار, فقد قالت من البداية ان فاديم خارج موسكو, لكنها كانت تعرف كيف تتصرف, وكيف تستفيد من وضع زوجها الذي كان في ذلك الحين مسؤول مصر والسودان في لجنة العلاقات الخارجية باللجنة المركزية للحزب, وكلمة اللجنة المركزية تمتلك سحرها ووجلها الخاص, وهي المفتاح السحري لكل شيء, وأي شيء, قالت ببساطة وهي تضحك معلنة انها سعيدة لانني سجين في بلاد السوفييت: هات لي واحد من اللي عندك. بهرولة وتوسل وبجسارة أحسد عليها دققت الباب, قبل ان ترفع يدي من الدقة الاولى كان الباب يفتح والضخم يوشك ان يقبض على عنقي كي اسكت, تراجعت خطوة مشيرا إلى السماعة المرفوعة قائلا: تليفون, ذهب بتثاقل مصطنع ما ان قال: آلو حتى انهالت (نينا) , كانت تتكلم بصوت عال آمر, متعال يعرف كيف يؤثر في المتلقي, كان صوتها عاليا لدرجة انني كنت التقط رنينه, وانا واقف إلى جوار الضخم, والتقطت اذناي العبارة التي توقعتها (كوميتات سنترالنه) (اللجنة المركزية) , كان الضخم ينطفىء يذبل, يوشك ان ينهار متوسلا, تكلم بمسكنة, ترك السماعة وجرى ليحضر شخصا اخر, اتى الاخر مهرولا, اعتذر الف مرة وهز رأسه وكأنه يؤكد على فهم التعليمات, ثم ناولني سماعة التليفون, قالت نينا وهي تضحك: كل شىء تمام, تعال استجن هنا في موسكو, باي باي. فجأة حضر الضابط والفتاة وعدد من الاشخاص, الفتاة تترجم اعتذارات متوالية, وسلمتنا الباسبورات مؤكدة ان كل الترتيبات تمت لنمضي يوما ممتعا في ليننجراد, من تحت الارض احضروا مسؤولا من حركة السلام, اتى الرجل مهرولا, المسكين تلقى الموعد خطأ كان سينتظرنا في اليوم التالي, وبالفعل امضينا يوما جميلا, وركبنا القطار إلى موسكو. وفيما ازهو بما فعلت, افلت (ف) من مقصورتنا, وما ان خرج حتى انقض الاثنان علي في وقت واحد: ايه المصيبة اللي انت عملتها دي, تعرف (ف) بيقول ايه؟ بيقول (شوفوا نفوذ العملاء, ضرب تليفون للكرملين هز الدنيا) , ثم أكد (ف) لهم انه سيحتاج لشهادتهم اذ سيطلب التحقيق معي في القاهرة, وقد كان, فور عودتنا كتب السيد (ف) تقريرا ضافيا عن نفوذي الواسع في الكرملين. واستدعاني د. حافظ غانم, الامين العام للاتحاد الاشتراكي, ليناقش الامر معي, شرحت له الامر ببساطة, وببساطة تفهم الرجل وهو يلقي نحوي بنظرات مليئة بالشجن. وكان علي ان اتعلم من هذه الواقعة, انني لم اتعلم الدرس بعد.