في معرض تعليقه على تقرير كوكيس المتعلق بالأمن القومي الأمريكي قال ترينت لوت زعيم الأغلبية بمجلس الشيوخ: (لقد وقف شعر رأسي من فرط الانزعاج) ووصفت نتائج هذا التقرير بأنها (مروعة) , وكان يشير بذلك الى التجسس ولكن, ليس ما فعله الصينيون في لوس ألاماموس هو الجانب المروع حقيقة في هذا التقرير, وانما المروع هو ما تقوم به المؤسسات الأمريكية ومسؤولوها المنتخبون من تصرفات في غمار جهودهم المسعورة لكسب الأسواق الجديدة وجمع الدولارات, وهي التصرفات التي يفلتون بها من دون أن يحاسبهم أحد في نهاية المطاف. ان المواد الواردة في تقرير كوكيس والمتعلقة بشركة هيوز للاكترونيات وشركة لورال للفضاء والاتصالات قد حظيت بقدر محدود من الاهتمام الاعلامي بالمقارنة مع المواد المتضمنة لتفاصيل عمليات التجسس الصيني, ومع ذلك فإنه وفقاً لما تقوله لجنة كوكيس, فإن تقريراً سرياً قامت باعداده وزارة الدفاع الأمريكية في سنة ,1997 توصل الى ان شركتي هيوز ولورال قد استعانتا بالخبرة الصينية التي زادت بصورة كبيرة (اجمالي مصداقية عمليات اطلاقهما للمركبات والصواريخ الباليستية وعلى وجه التحديد النظم التوجيهية الخاصة بها) . أليس هذا هو ما نتهم الجواسيس الصينيين بالقيام به؟ لقد أكد لنا وزير الطاقة بيل ريتشاردسون ان الخطوات الخاصة بالتصدي للجاسوسية التي أقرها مؤخراً سوف تجعل من المستحيل بالنسبة للجواسيس أن يقوموا بتحويل أو نقل الأسرار النووية في المستقبل, ولكن من الذي سوف يؤكد للأمة ان تلك الخطوات سوف توظف لمنع الشركات الأمريكية من ان تبيع الأمن القومي الأمريكي في الوقت الذي يمهد كلا الحزبين السياسيين الطريق لذلك؟ ان المشكلة هي كما أوضحتها أغنية معبرة تقول: (انك لا تستطيع أن تجد الشخص الذي تلقي عليه اللوم فهو أكثر براعة من أن تحدد اسمه, ونحن لا نتعارك مع كائنات من لحم ودم, وانما مع قوى وكيانات) , ولذا فدعنا نضع اللحم والدم لنوجه اصبع الاتهام الى كيان واحد على الأقل وهو شركة هيوز للاكترونيات. في الأيام الأخيرة من رئاسة رونالد ريجان قامت حكومته بالموافقة على اطلاق ثلاثة أقمار صناعية من انتاج شركة هيوز بالاستعانة بصواريخ صينية, وكان ذلك يمثل ارتداداً عن السياسة الأمريكية الراسخة منذ وقت طويل, ولكن عندما شكا نواب الحزب الديمقراطي في الكونجرس من الجدول الزمني الذي وضع لعملية التسليم وأنه يعجل ويسرع بتلك العملية ردت وزارة الخارجية بالقول ان أي تأخير في تنفيذ هذا الجدول ربما يعرض للخطر 300 مليون دولار من العقود التي حصلت عليها الولايات المتحدة. وعندما تركزت المخاوف في الكونجرس حول مدى جدارة الصين بأن تكون محلاً للثقة حتى بعد بيعها صواريخ (سلكوورم) لإيران, فإن وزير الدفاع وقتها فرانك كارلوشي وصف عمليات نقل التكنولوجيا بأنها (قضية تجارية) , وليست (قضية للأمن القومي) . وأضاف قائلا وبالأسلوب المألوف الان من جانب المدافعين عن حكومة الرئيس كلينتون, ان الصين (قد أعطتنا كل التأكيدات التي نحتاجها لحماية هذه التكنولوجيا) , وبعد أقل من سنة من ذلك فإن الحكومة التي كان كارلوشي (مقتنعاً بالكامل) بأنها سوف تتصرف (على نحو مسؤول تماما) قامت بدفع دباباتها الى ميدان تيان آن مين لارتكاب المجزرة الوحشية ضد الطلاب الداعين للديمقراطية هناك. وفي 1993 قام الرئيس التنفيذي لشركة هيوز مايكل آرمسترونج بالشكوى للرئيس كلينتون من أن الحظر المفروض على بيع التكنولوجيا ذات الاستخدام العسكري والمدني يلحق الضرر بشركته وفي مذكرة حملها (لمناقشتها مع ديفيد ويلهيلم) , وكان حينها رئيساً للجنة الوطنية الديمقراطية, وأحد المدافعين عن شركة هيوز, قام بوضوح بتقديم طلب للرئيس الأمريكي (لإعفاء هذه الأقمار الصناعية من العقوبات) , وربط هذا الطلب بحقيقة ان (شركة هيوز قد وقفت وساندت بصورة علنية الرئيس في اقرار ميزانية النافتا وبرنامج الرعاية الصحية, وان مايكل آرمسترونج كان من المؤيدين الداعمين له خلال الحملة) , وبعد مضي شهرين من ذلك, قام الرئيس بفعل ما طلب منه. والأمر يزداد جلاء, فلقد كوفئت شركة هيوز بتعيين رئيسها رئيساً لمجلس الصادرات التابع لمكتب الرئيس الأمريكي, وكان ذلك بعد ان ساهمت هذه الشركة بمبلغ 116 ألف دولار لمرشحي الحزب الديمقراطي في دورة انتخابات الكونجرس عام 1993 ــ 1994. ولعدم رضاها بالعائد على استثماراتها, فإن شركة هيوز بدأت بالضغط على حكومة الرئيس كلينتون (لتحويل المسؤولية عن اصدار تراخيص تصدير الأقمار الصناعية من وزارة الخارجية الى وزارة التجارة) , حيث تلعب التجارة هناك دائماً دور الورقة الرابحة مقارنة بقضايا الأمن القومي, وتجاوز كلينتون اعتراضات وزارة الخارجية في مارس 1996 وقام باعطاء الصلاحيات والتصريح اللازم لاتمام هذا النقل غير المسبوق. وفي خطوة أثارت ضيق وزارة الخارجية, وفي أعقاب فشل عمليات الاطلاق الصينية للأقمار الصناعية الأمريكية عامي 1995 و,1996 قامت شركتا هيوز ولورال بإرسال تحليل للصينيين بالغ الدقة للاخفاقات المفاجئة لعمليات الاطلاق, وذلك من دون الحصول على تصريح وزارة الخارجية بذلك, ولقد أدى هذا الى ان تقوم وزارة العدل بالتحقيق جنائيا في هذا الأمر مع كلا الشركتين وهو التحقيق الذي لايزال مستمراً حتى الان ومع ذلك فإنه من عام 1998 وتجاوزا للمعارضة القوية من جانب وزارة العدل, قام الرئيس الأمريكي بالسماح لشركة لورال بإجراء عملية اطلاق أخرى. ويؤدي بنا ذلك الى ما يحدث اليوم, فوزارة العدل تواصل الان اجراء تحقيقها, ووزارة الدفاع توصلت سلفاً الى نتيجة مفادها ان الأمن القومي أصبح معرضاً للخطر, وشركة هيوز تواصل الضغط بروح الانتقام حيث انفقت في هذا الصدد 3.1 مليون دولار في عام ,1997 وفقاً لما أورده مركز دراسات الاستجابة السياسية, وقام آرمسترونج بترك شركة هيوز والتحق بشركة ايه تي آند ئي ولكنه مازال عضواً مدى الحياة بمجلس العلاقات الخارجية ولجنة الاتصالات الاستشارية التابعة لمجلس الرئيس للأمن القومي. ولم تنته بعد العناصرالتي يتم كشفها, ضمن الأوراق التي سلمها شارلي تراي, الذي اعترف بأنه مذنب في مواجهة التهم التي وجهت له بمخالفته قوانين تمويل الحملات الانتخابية, وكانت هناك مذكرة تم فيها ادراج اسم شركة هيوز ثلاث مرات جنبا الى جنب مع رخص التصدير وحكومة الولايات المتحدة والاشارة الى تقديم رشاوى. واثارت المذكرة كثيراً من الاسئلة التي تبحث عن اجابات لها حول من يقدم الرشاوى لمن؟ وما هي مصالح الأمن القومي التي تمت التضحية بها عبر هذا الطريق؟ ولكن نستطيع ان نقدم إجابة واحدة في هذا المقام, وهي تلك الإجابة التي تكمن في النظام السياسي الأمريكي, حيث يتم اضفاء الطابع المؤسسي على تقديم الرشاوى متمتعا بالحماية ومتفشيا بلا ضابط بصرف النظر عن أي حزب سياسي يتولى ادارة البيت الأبيض. وإذا لم يكن هذا الوضع قد جعل التجسس عملا لا ضرورة له حيث ان كل الاسرار مكشوفة فإنه بسبيله الى القيام بذلك قريبا. ــ خدمة لوس انجلوس تايمز ــ خاص لـ (البيان) .