ابدى الامين العام للجامعة العربية الدكتور عصمت عبدالمجيد تفاؤلا حذرا بمستقبل مشرق للعالم العربي, لكنه استبعد بشكل قاطع تحقيق وحدة دستورية كاملة بين الدول العربية قائلا ان دمج 22 دولة تحت رئاسة واحدة امر غير وارد وغير ممكن . ودافع عبدالمجيد في حديث مطول اجرته معه (البيان) في باريس عن الجامعة العربية رافضا الاتهامات التي تحمله مسؤولية الاخفاق في هذا الصدد. وقال ان الذين يوجهون اتهامات مثل هذه تغيب عنهم (امور يصعب الكشف عنها) . وقال في هذا الصدد انه لا يملك عصا سحرية لحل كل الازمات وان له حدودا لايستطيع تجاوزها. وقال عبدالمجيد ان مواثيق الجامعة العربية التي تخلو من النص على عقد قمة دورية تجعل من امر قمة مثل هذه امرا يخص القيادات العربية. وجدد الامين العام للجامعة العربية دعوته لـ (المصارحة قبل المصالحة) لكنه تجنب الخوض في تحديد الطرف الذي يعرقل تحقيق هذا الشعار قائلا ان ذلك (امر صعب) ودعا عبدالمجيد القيادة العراقية الى الاعتذار عن غزو الكويت رافضا بحذر حجة هذه القيادة بان ذلك امر يمس بكرامة العراق. وقال احترم رأي القيادة العراقية في هذا الامر لكني لا اوافق عليه! وطالب عبدالمجيد باشراك فرنسا في الجهود المتعلقة بحل قضية الاسرى والمفقودين الكويتيين مشيرا الى ان القصف الذي تعرض له العراق مؤخرا اجهض تحركا في اتجاه حل هذه الازمة عندما اوقف العراق اجتماعات ثلاثية يشارك فيها ايضا الصليب الاحمر الدولي والكويت, وقال ان العراق (معذور) في اتخاذ قراره بمقاطعة هذه الاجتماعات. وبدا عبدالمجيد فخورا بمواقف للجامعة العربية في قضيتي لوكيربي والقصف الامريكي لمصنع الشفاء السوداني وقال انه ابلغ الرئيس الامريكي بيل كلينتون بان قصف الشفاء كان خطأ وان توقيت الهجوم كان خطأ اكبر (لانه تم يوم الخميس الذي يليه الجمعة) مشيرا الى ان ذلك اعطى فرصة للاحتجاج ضد الضربة في المساجد! وقال (طيب يا سيدي عايزين تضربوا مش كان ممكن تختاروا يوم تاني) !! وحذر عبدالمجيد رئيس وزراء اسرائيل الجديد ايهود باراك من (اللعب بالنار) داعيا اياه الى اخذ العبرة من سقوط سلفه المتشدد بنيامين نتانياهو. تضارب الحديث عن عقد قمة عربية وتنوع الحديث عن مستواها بين مصغرة وموسعة وشاملة ما الذي يحول دون عقد القمة بصورة سنوية منتظمة وشاملة؟ ــ دعني اعود للموضوعات من اساسها: ميثاق جامعة الدول العربية الذي وضع في العام 1945, ليس فيه اي نص يشير الى قمة عربية, يعني جاء خاليا تماما من الحديث عن قمم عربية على خلاف ميثاق منظمة الوحدة الافريقية ومنظمة المؤتمر الاسلامي, كل منهما ذكر في نص ميثاقه عن عقد اجتماعات قمة افريقية سنوية وانعقاد قمم اسلامية كل ثلاث سنوات اما في جامعة الدول العربية فاعلى سلطة فيها هو مجلس وزراء خارجية الدول العربية. ولكن بالنسبة للقمم فهي من صميم اختصاص القيادات العربية وبدأت بمبادرات عربية واستمرت الى آخر قمة التي عقدت في العام 1996, والتي دعا اليها الرئيس المصري حسني مبارك, بعد انتخاب نتانياهو, وكانت بمبادرة شخصية منه. ولكن منذ ذلك الوقت وحتى اليوم لم تنعقد قمة اخرى سوى قمم جانبية ثنائية او ثلاثية او خماسية ألا ترى ان القمم المصغرة تدل على واقع عربي لا يطمح اليه المواطن العربي؟ ـ لا يا افندم, انا اعتقد ان هناك بعض الموضوعات المشتركة بين بعض الدول العربية مثلا عندما نتلكم عن دول الطوق, وهي الدول التي تحيط باسرائيل, هذه الدول لها وضع خاص, صحيح الدول في المغرب العربي, او في الخليج, او في مناطق اخرى تهتم بهذه القضية, انما دول الطوق لها تركيز اكثر على هذه المسألة, اي النزاع مع اسرائىل ولكن عندما تجتمع اثنتان وعشرون دولة عربية, انما تجتمع من اجل البحث في موضوع عربي مشترك ويهم العالم العربي بشكل عام. ولكن ألا يوحي بأن التضامن العربي غائب؟ ـ انا اعتقد ان التضامن العربي يبرز جيدا في مسألة السلام ولاسيما مواقف مصر وسوريا, الاردن, لبنان, فلسطين حيث ان كافة الدول العربية تدعم وتؤيد توجهات هذه الدول, واعطى دليلا على ذلك التضامن ان الجامعة العربية اتخذت قرارا في سبتمبر في العام 1991 وبعد انعقاد مؤتمر مدريد في اكتوبر من العام نفسه اتخذت الجامعة قرارا بتأييد مسيرة السلام.. اذ لا يمكن ان نقول ان التضامن العربي تحقق بالنسبة الى قضيتي السلام. ولكن أليس بموقف غريب او خارق ان يتضامن العرب للوقوف بوجه العدو, ولكن هناك ازمات اخرى تعصف بالامة العربية ونرى هناك انقسامات وتحل القمم المصغرة مكان القمم العامة ألا يبدو ذلك امرا شاذا؟ ـ انا اتكم الآن عن قضية التضامن العربي ازاء مسيرة السلام ألا تتفق معي ان هناك موقفا عربيا تضامنيا وواحدا ازاء السلام؟ نعم ولكن سؤالي يتعلق بصعيد العلاقات العربية ـ العربية مثلا (أزمة العراق, الحصار على السودان, ليبيا, الجزائر) . ـ انا احرص على ان نتفهم الموضوعات المختلفة التي تتكلم عنها ولكن التضامن والموقف واحد اصبح واضحا الآن بالنسبة لقضية السلام, مثلا عندما وقعت مصر (آتفاقية كامب دايفيد) كان الواقع العربي مقسما وكان هناك خلاف عربي, لانه كان هناك وجهات نظر عربية تختلف مع وجهة النظر المصرية.. اما بالنسبة للخلافات العربية ـ العربية التي اشرت اليها نعم , وللاسف هناك وجهات نظر مختلفة بالنسبة للعراق هناك اختلاف رئيسي بالنسبة لهذه المسألة وانا ذكرت بكل امانة انه حصل عدوان عراقي على الكويت ولا نزال حتى اليوم نعيش تداعياته, وانا لابد ان اتكلم عن دور الجامعة العربية خصوصا وان هذه الموضوعات لها علاقة بدور الجامعة فعندما حصل الغزو العراقي للكويت كنت انا وزيرا للخارجية المصرية ونائبا لرئيس الوزراء المصري وحضرت اجتماعات الجامعة العربية بصفتي رئيسا للوفد المصري واصدرت الجامعة قرارا من ثلاثة بنود: 1 ـ ادانة الغزو العراقي. 2 ـ عودة القوات العراقية الى الحدود التي تجاوزتها. 3 ـ عودة الشرعية الى الكويت. هذا القرار الذي صدر بأربعة عشر صوتا ضد صوت واحد وهو العراق وامتناع خمسة اصوات, هنا بدأ الانقسام فمن الناحية الرسمية تمثل الاصوات الاربعة عشر رأي الشرعية العربية, يعني ان الجامعة العربية اتخذت موقفا تضامنيا. هناك من يثير اتهامات باخفاقكم في تحقيق او تسجيل اختراقات لاقرار التضامن العربي, ما تعليقكم؟ ــ ياسيدي الاتهامات سهلة جدا ومن يوجه الاتهام ومع احترامي لرأيه يبدو انه غير مدرك لامور كثيرة, المسائل السياسية والدبلوماسية فيها امور غير معروفة ولا يمكن ان تقال الآن ليس كل ما يعرف يقال؟ لماذا دوما نخاف ان نقول لماذا دوما نحاول ان نخفي هذه الشؤون؟ ـ انا اتكلم بكل امانة انا لا اخاف سوى من ربنا, ولكن هناك امور لو اذيعت ونشرت لن تؤدي الى نجاح او الى خلق التضامن العربي.. هناك امور تعالج بالغرف المغلقة.. طبعا هناك مشاكل كثيرة جدا ولاسيما بالنسبة للعراق ولعلك تعلم انني ارسلت الى الرئيس صدام حسين خطابين وهذا ليس سرا وقام بالرد على الخطابين. حول ماذا كان يدور مضمون هذه الرسائل؟ ـ حول كيفية اجراء حوار هادىء وعقلاني مع الجامعة العربية بالنسبة لتصفية ما نتج عن حرب الخليج ولعلك تذكر انني قلت ضمن ما قلته اننا نطالب العراق بالاعتذار. وماذا كان رد العراق لمطالبتكم بالاعتذار؟ ـ العراقيون لم يعتذورا بل هم زعلانين معتبرين الاعتذار يعيب بكرامتهم وانا لا اعتبر ذلك يمس كرامة العراق لان هناك دولا ارتكبت عدوانا وبعد سنين طويلة اعتذرت وخذ على سبيل المثال: اليابان اعتذرت , الولايات المتحدة اعتذرت عندما قصفت سفارة الصين في يوغسلافيا هذه مجرد امثلة. وقد يكون لدى الاخوة في العراق رغبة او نية للاعتذار ولكن حتى هذه اللحظة لم يحصل ذلك, وفي كل الاحوال فالعراق دولة مهمة جدا, طاقات عظيمة جدا.. شعب عربي وشعب يمتلك قدرات وامكانيات وعلى قياداته ان تقول اننا اخطأنا في غزو الكويت وليس في ذلك ما يعيب وان حدث سيكون عملا قيما وكبيرا. لماذا برأيكم يعود هذا التعثر في التضامن العربي رغم المصالح والغايات السياسية المشتركة؟ ـ تطغى الآراء الشخصية للقيادات على مصالح الدول والشعوب العربية. ـ والله يجب ان تسأل اصحاب الشأن؟ ولكن حضرتكم من يعمل في قلب القضية العربية ما هي رؤيتكم؟ ـ انا اقول وانا اعلم ان الملايين من العرب مهتمون ويتمنون تنقية الاجواء العربية, حتى نصل الى هذا الوضع ليس بالكلام فقط انما باجراء مصالحة حقيقية وانا عرضت وعملت من اجل هذه الفكرة منذ مارس عام 1993 حيث طالبت بالمصالحة القومية.. وقلت ان المصالحة مشروطة بالمصارحة ان لم تكن هناك مصارحة فلن يكون هناك مصالحة.. وذلك يعني تسوية الخلافات من خلال الدخول بمناقشة الامور المختلفة عليها ولكن بشكل صريح وإلا ما الفائدة من المصالحة, خصوصا وان الظروف الحالية أفضل من السنوات التي سبقت واتمنى ان تكون السنوات المقبلة افضل من السنوات الحالية.. واعطي مثالا: عندما عرضت فكرة الاعتذار على العراقيين واجهت رد فعل عراقيا يقول: (لا نحن غير مستعدين للاعتذار, لان ذلك يمس بكرامتنا) , انا احترم هذا الرأي وان كنت لا اوافق عليه.. ولكن دعنا نتكلم عن هذا الموضوع: لا يمكننا تبسيط الامور بحيث (بكبسة زر) يمكن ان تتحرك المسائل. تتكلم عن مصارحة ومصالحة ما الذي يعيق هذه المصالحة, ومن الذي يعيق هذه المصارحة؟ ـ صعب جدا ان احدد مسؤولية من, انما خذ مثلا مشكلة الاسرى الكويتيين او المفقودين الكويتيين, هي من المشاكل المطروحة على الساحة وانا عايشتها.. انا في الشهر الماضي كنت في جنيف في اجتماعات خاصة بالصليب الاحمر الدولي المتعلقة بالاسرى والمفقودين, تحدثت مع رئىس الصليب الأحمر.. هناك لجنة ثلاثية كانت تجتمع وتضم الصليب الاحمر والكويت والعراق, لكن العراق اوقف اعمال هذه اللجنة عندما تعرضت للقصف الجوي والعراق معذور في ايقاف عمل هذه اللجنة كرد فعل للقصف ورغم ذلك اعتقد ان هذه اللجنة يجب ان تعود الى عملها. بالامس التقينا الدكتور رياض القبيسي, وكيل وزارة الخارجية العراقي خلال زيارته لفرنسا, واعلن ان الابواب مفتوحة امام من يريد ومن يتساءل للبحث والتفتيش عن الاسرى والمفقودين الكويتيين. ــ انا سعيد ان اسمع هذا الكلام من الاخ رياض القبيسي وانا علمت انه اجرى اتصالات مع الفرنسيين بهذا الشأن, وهنا يجب ان اشير الى موقف فرنسا بالذات التي تحاول ان تساعد في حل هذه المسألة.. مثل هذه الاتصالات مطلوبة, وهذا الموضوع من المواضيع المطروحة على مجلس الامن اضافة الى مسألة اسلحة الدمار الشامل والمسائل الانسانية وانا اتصلت رسميا برئيس مجلس الامن وبالامين العام للامم المتحدة كوفي عنان واتمنى ان يصل مجلس الامن الى حل لمسألة المفقودين, وهو جزء من التحرك الذي بدأناه حتى نصل الى تحريك الامور بمجملها, وقد رد علي رئيس مجلس الامن عارضا اقتراحا بأن تشارك الجامعة العربية في اللجنة الانسانية ووافقنا على هذه المشاركة, وبناء عليها نتحرك في هذه اللجنة مع الصليب الاحمر مع الامم المتحدة, وفي المجال السياسي والدبلوماسي لابد من تحريك الامور, لأنه في حال الجمود التي نحن فيها لن نصل الى اية نتيجة, لذلك زيارة كزيارة الدكتور السفير رياض القبيسي لباريس لا اعرف نتائجها ماهي, ولكن بلا شك ستكون مفيدة, بمعنى ان اللقاءات والمحادثات والمشاورات على اي مستوى يمكن بلاشك ستكون مفيدة ان نلتقي ونتحادث ان تؤدي الى امكانية للوصول الى حل. القبيسي دعا ايضا الجامعة العربية والدول العربية لتشكيل لجنة عربية مستقلة يمكها ان تتدخل في هذا الصدد, مجددا التأكيد على ان الابواب مفتوحة, فما ردكم على هذا العرض؟ ـ يا أخي.. تذكر ان لجنة عربية تم تشكيلها تذكر انه كان هناك اجتماع استثنائي, في 24 يناير وانسحبت منه العراق, هذه اللجنة تشكلت في الاجتماعات وتضم السعودية وعددا كبيرا من الدول, واطلق عليها تسمية لجنة رفع الحصار عن العراق, العراق رفض الاشتراك او التعاون مع اللجنة لاسباب هو قدرها ولكنني كنت اتمنى ان يتعاون العراق, وابلغت العراقيين بهذا التمني, اذن صميم المشكلة نحن تناولناها ولكن ليس بيدي عصا سحرية. الانقسامات العربية دليل صحة ام ضعف؟ ـ دليل ضعف طبعا وانا لا ارضى به, انما الامكانيات لدى الجامعة العربية محدودة جدا لأن الدول ذات سياسة وينحصر دور الجامعة في تفعيل عناصر التلاقي والتقارب. ماهي النجاحات التي تعتز بها الامانة العامة في جامعة الدول العربية؟. ـ هناك جو للحوار وللمناقشة مثلا موضوع (لوكيربي) انا اعتقد ان الجامعة العربية لعبت دورا مميزا, ان كانت على مستوى الاتصالات السرية والاتصالات العلنية واعتقد ان اخواننا الليبيين شعروا بذلك وكان لي اتصالات عديدة في هذا الشأن مع وزراء بريطانيين وامريكيين. ايضا في مسألة القضية الفلسطينية والمواقف التي اتخذتها الجامعة العربية في الامم المتحدة.. ايضا عندما ادانت الجامعة العربية القصف الجوي البريطاني الامريكي ضد العراق في ديسمبر من العام الماضي, هذه مواقف كانت واضحة. أين اخفق عصمت عبدالمجيد؟ ــ والله انت الذي ينبغي ان تقول وانا ارد على ذلك ـ الحصار على السودان, قصف مصنع الشفاء للادوية, الاقتتال بين الاخوة في السودان, الاقتتال الداخلي في الجزائر, قضايا الحدود العربية بين اكثر من دولة. ماذا فعلت الجامعة العربية حيالها؟ هناك جهود بذلت ولا نزال نقوم بها على اكثر من صعيد ومع اكثر من دولة لحل مسألة نزاعات الحدود بين الدول العربية, نحن نسعى وليس لدينا قوة تقديرية اما بالنسبة لمصنع الشفاء للادوية في السودان, اريد ان اخبرك سرا لم اقله, ولكن طالما انت (عايز) اسرار سأقول لك: يوم 20 اغسطس في العام ,1998 كان يوم خميس, وكنت اقضي اجازتي في الاسكندرية, جاءني هذا النبأ المؤلم وفي الوقت نفسه ارسل الرئيس الامريكي بيل كلينتون رسالة شرح لي فيها لماذا قامت الطائرات الامريكية بالقصف لمصنع الشفاء للادوية في الخرطوم؟ لماذا؟ ـ لانه ينتج اسلحة كيميائية, كما يقولون, واثبتت التحاليل والتحقيقات عدم صحة هذا القول, وهكذا قمت بادانة سريعة لهذا القصف كما ادانته الجامعة العربية, وانا زرت بنفسي هذا المصنع.. وهكذا جاوبت الرئيس كلينتون برسالة شرحت فيها هذه المسألة وقلت له: هل يعقل ان تقوموا بقصف المصنع يوم الجمعة, كل المساجد وكل العالم العربي والعالم الاسلامي, الناس تجتمع في صلاة الجمعة, وانا ذهبت بنفسي لأصلي يوم الجمعة ووجدت امام المسجد يتكلم على الذي حصل بالامس في الخرطوم ـ اي قصف المصنع ـ يعني اسأل الا يكن بالامكان قصف مصنع الشفاء للادوية في يوم اخر, طيب ياسيد (عاوزين تضربوا) لماذا يوم الجمعة؟ تصرف غريب وانا ابلغت هذا الشيء للامريكيين, بعد ذلك حصلت تحقيقات وثبت ان هذا المصنع لا يمكن ان ينتج اسلحة كيميائية, هذا خطأ وامريكا اعترفت ونحن نحاول اصلاح هذا الخطأ الذي ارتكب ضد دولة السودان.. هذا مثل من الامثلة التي حصلت وكان للجامعة العربية دور كبير فيها. هذا جزء, ماذا عن مسألة وضع الاصبع على الجرح فيما يتعلق بالانقسامات العربية, عدم التضامن وعدم الاتفاق.. كيف السبيل الى تصحيح هذه الصورة؟ ـ لابد من اننا نعالج الموضوعات بطريقة موضوعية وليست انفعالية بلا تحامل وبلا استفزاز وانا احترم الرأي والرأي الاخر, انما لا اقبل الاستفزاز او ان يعتدي شخص على الآخر, مهما كان.. اختلاف الرأي يجوز ولكن على الا يفسد في الود قضية, صحيح هناك مواقف تتخذها دولة عربية ضد دولة عربية انما كعربي مسؤول اتحدث مع هذه الاطراف, ولكن صدقني ان لي حدودا يمكنني ان اتجاوزها. طالما تتحدث عن حدود, هل وصلت في يوم ما الى اليأس؟ ــ أبدا, ابدا, لا يأس مع الحياة, وأنا انطلاقا من خبرتي الدبلوماسية السابقة والحالية في الجامعة العربية اذا كنت سأستجيب لليأس لحظة واحدة فليس هناك من داع كي ابقى في العمل لحظة واحدة. هناك فترات صعبة نمر بها حتى اليوم, و أنا احيانا اجد ان الشعب العربي يعاني من عدم ثقة في داخله بنفسه, والسؤال كيف تفقد الثقة بنفسك وتتصور ان الطرف الآخر الذي هو عدوك لن يستفيد من هذا الواقع؟ ما سبب انعدام الثقة؟ ــ الثقة بقضايانا. أقصد من كان السبب في انعدام الثقة, أكرر, من جعل بعض العرب لا يثقون بأنفسهم؟ ــ هذا عطب أو مرض رئيسي موجود في انفسنا وليس عند العرب بل عند كثيرين, وانا ذكرت في كتابي (زمن الانكسار والانتصار) انه في العام 1967 كانت الهزيمة, ومع ذلك مصر لم تفقد الثقة وأعدت الاعداد الكافي, وأنا مسؤول عن كلامي, كوني كنت في الموقع اتابع فيه, وانتصرنا في العام 1973, ولو قبلنا هزيمة 1967 لما كنا انتصرنا في العام 1973 وعبرنا قناة السويس وحطمنا خط (بارليف) وكسرنا اسطورة الجندي الاسرائيلي الذي لا يهزم, كسرتها القوات المصرية, هذا مضى عليه اكثر من خمسة وعشرين عاما, وكأنها لا تزال حية امامي, ولقنا اسرائيل درسا لن تنساه ابدا, وهكذا لم نيأس ولم نفقد الثقة اطلاقا. الذي يحصل في فلسطين اليوم في الانتفاضة, والذي يحصل في جنوب لبنان يقوي ثقتي بالشعب العربي ــ الفلسطيني, طفل الانتفاضة أجبر رابين, الذي يطلق عليه (مكسر العظام) على ان يطلب السلام. في جنوب لبنان, رأينا ما حصل اخيرا في جزين, هذه المنطقة التي اطلقت عليها اسرائيل منطقة امان, امان ماذا؟ ومن؟ بعد ما يقرب من 15 سنة انسحبوا منها, يا سيدي دعنا نثق بأنفسنا ودعنا نؤمن بقضايانا حتى لو استمرت سنين طويلة لا بد وان ننتصر على اسرائىل. طالما نتحدث عن الاحلام ــ الحقائق, هناك حلم الوحدة العربية وانتم من المؤمنين بهذه الوحدة, ما الذي يعيق تحقيق هذا الحلم؟ ــ أي عمل عظيم يبدأ بالحلم, ولكن المهم ان ننفذ الحلم. هناك تجارب وحدوية, لماذا فشلت؟ ــ الوحدة الدستورية, بعيدة المنال, وانا اتكلم كرجل قانون, اما الوحدة العاطفية المصلحية, الشخصية والثقافية, الموجودة في العالم العربي, هذه ستستمر, انما رئيس واحد لواحد وعشرين دولة, هذا الكلام غير وارد وغير ممكن. لماذا, وهناك توجهات في العالم في هذا الاطار الوحدوي, الاتحاد الاوروبي, الوحدة الاوروبية النقدية, حتى الولايات المتحدة الامريكية مجموعة ولايات؟ ــ هذا غير ممكن لدينا, فكل دولة لديها كيانها الذاتي وكل الدول تعمل من اجل ترسيخ انواع من الوحدة ولكن ليس الوحدة الدستورية, حيث يمكننا ان نتكلم عن منطقة عربية حرة تضم الآن اربع عشرة دولة عربية, هذا جزء من الذي تتحدث عنه المعارض الثقافية التي تشارك فيها مختلف الدول العربية, كالذي يقام سنويا, وقبل ايام افتتح في معهد العالم العربي في فرنسا, أليس دليل وحدة ثقافية, ولكن كل دولة تقدم ما لديها من انتاجات وابداعات, أليس هذا تواصلا, الفضائيات العربية, أليست هي نافذة على العالم, هذا التواصل الجغرافي لا مثيل له في العالم, انما هو موجود في العالم العربي. هل نحن امام مرحلة جديدة في الشرق الاوسط بعد وصول (ايهود باراك) الى رئاسة الوزراء في اسرائيل؟ ــ منطقة الشرق الاوسط في نظري مستقبلها مشرق بين الدول العربية, وإيماني تام بأن هذه الدول ستنشط وتقوى. وإسرائيل؟ ــ اسرائيل, العالم العربي يتعاون معها اذا احسنت التعاون والتعامل. وفق أي اطر؟ ــ وفق المعاهدات, كما تتعاون مصر واسرائيل, هل يعني ان مصر فقدت عروبتها, اطلاقا.. المفاوضات ستجري بين اسرائيل وكل من سوريا ولبنان والفلسطينيين, هل هذا يعني ان هذه الدول فقدت قوميتها وعروبتها, بالطبع لا. هل انتم متفائلون بوصول باراك الى الحكم؟ ــ اذا كان باراك سيكون صورة من نتانياهو, سيفشل وسيلعب بالنار, فالمسألة متوقفة على كيف سيتصرف باراك, وأرجو ان يكون سقوط نتانياهو عبرة لباراك. وهل انتم متفائلون بالمستقبل العربي؟ ــ نعم ولكن بحذر, التفاؤل تحكمه الحكمة والفكر وحسن التصرف, لأن هناك امورا كثيرة تنطبق علينا فيها بيت من الشعر العربي يقول: نعيب زماننا والعيب فينا وما لزماننا عيب سوانا نحن في زمن (انكسار أم انتصار) ؟ ــ انتصار, هذا ولا شك فيه, وهذا ما اصر عليه في كتابي (زمن الانكسار أو الانتصار) الذي هو خلاصة سنوات وسنوات من التجارب المعاشة يوميا. هل نحن قادرون على مواكبة التطورات العالمية؟ ــ لدينا قدرات عربية هائلة, ولكن المهم الا نخطىء, وحتى لا نخطىء علينا ان نحسب جيدا أي نجيد الحساب. بعد هذه السنوات الطويلة في الجامعة العربية, هل تعتقدون ان المطلوب اعادة تقييم عمل وأطر الجامعة العربية؟ ــ التقييم مطلوب كل يوم وليس كل عشر سنوات. كتابك (زمن الانكسار أو الانتصار) خلاصة تجربة عمرها نصف قرن, سؤالي, هل تغيرت أساليب العمل السياسي وهل تطورت معها؟ ــ طبعا بلاشك, فالتطور هو جزء اساسي من العمل الدبلوماسي. والانسان يتعلم كل يوم ولكن المهم هو ان يأخذ الانسان من الدروس العبر حتى لا يخطىء في المستقبل. باريس ــ حوار طوني شامية