جاء نجيب محفوظ الى ثورة يوليو من حقبة تاريخية, كان حزب الوفد فيها هو الحزب الجماهيري بجدارة... والحزب الذي كان على سلم قيادته سعد زغلول ... وكمعظم ابناء جيله ظل نجيب محفوظ طوال حياته وفدي الهوى... لا ينكر ذلك... ولا يخضعه لاي حسابات... يتحدث دائما بحب ووجدان عن مرحلة الوفد ونضاله ويستحضر ذلك دائما في اعماله الروائية التي غاصت كثيرا في الحارة المصرية, ومعالم الطبقة الوسطى, وحين صدرت مذكراته في العام الماضي التي اعدها الكاتب والناقد رجاء النقاش اثارت جدلا كبيرا في الساحة الثقافية والسياسية ليس على صعيد مصر فقط بل على الصعيد العربي... ايد البعض هجوم نجيب محفوظ على الثورة وعبدالناصر... وعارضه البعض الآخر منتقدا بضراوة ما قاله سيد الرواية العربية, وذهب هذا الفريق الى تشبيه ماقاله نجيب بما قاله توفيق الحكيم في مطلع السبعينات في كتابه (عودة الوعي) وتوقع هؤلاء ان يكون نصيب ماقاله نجيب من هجوم هو النسيان كما حدث مع كتاب الحكيم الذي طواه الزمان. وبين الاثنين ذهبت آراء الى ان القراءة المتأنية لأعمال نجيب محفوظ الادبية, تؤكد ان الرجل لم يضف جديدا, خاصة ان اعمالاً ادبية هامة له صدرت في عهد عبدالناصر, وانتقدت بعض الجوانب السلبية في التجربة الناصرية... وذلك دون ان يمس الرجل اي مكروه... كان الجدل يدور واطراف اللعب فيه كثيرة, والتيارات السياسية في مصر تتناول القضية على ارضيتها الخاصة التي تنطلق منها... غير ان احدا لم يسمع آنذاك رأي شخص من صلب عبدالناصر في القضية... اي احد ابنائه حتى كان حوار (البيان) مع الدكتور خالد عبدالناصر الذي قال فيه عن نجيب محفوظ: نجيب محفوظ اديب كبير, وانا لا أتعامل معه او مع آرائه بوصفه حاصلا على جائزة نوبل وفقط, وانما والدي كان يحبه كثيرا... وكان دائم القراءة لانتاجه الادبي, بالاضافة الى مشاهدة الافلام السينمائية عن رواياته, مثلا ثرثرة فوق النيل, وميرامار واللص والكلاب وغيرها من الروايات العظيمة له, ولن اتحدث عن تدخله المباشر في بعض الاحيان لصالح هذه الاعمال الروائية او السينمائية, فقد تناول هذا الامر شخصيات اخرى... وأنا واخوتي كأبناء لجمال عبدالناصر تعلمنا حب نجيب محفوظ على يد الاب, وحين تعرض لمحاولة اعتداء ارهابية غاشمة, وتم نقله الى المستشفى كنت من اوائل الذين توجهوا اليه للاطمئنان على صحته, متمنيا له الشفاء والعافية, ولا انسى مشهده حين ابلغت الطبيب بقدومي حين هب بصوته... ابن الزعيم ... ابن الزعيم... كان فرحا بزيارتي ... وآراء نجيب محفوظ غير اختصاصه... واقول حين يكتب نجيب محفوظ في الادب والرواية له كل التعظيم, وحين يتحدث في السياسة بالشكل الذي تحدث به في مذكراته... نقول له: نحن نختلف معك... وكل ما قاله نجيب محفوظ في حق عبدالناصر انا كإبن اغفره له... واعتقد ان الكل تعامل معه على هذا النحو. كانت هذه آراء خالد في مذكرات نجيب محفوظ والتي قالها لــ (البيان) ... ومنذ نشرها بدأت فكرة اللقاء بين الاثنين, وكل يوم كانت تزداد فيه اختمارا... ولا يبقى فقط غير الفرصة والموعد... وبالتالي كان الانتظار لايام طالت بعض الشيء. سأل د. خالد اكثر من مرة في اتصال هاتفي معه... ماهو رأي الاستاذ وكنت ارد عليه انا ايضا في انتظار الرأي جاءت الاجابة من نجيب محفوظ عبر الاديب والكاتب جمال الغيطاني (الاستاذ يشكر خالد كثيرا... وهو سعيد بما قاله) وتولدت فكرة لقاء الاثنين... ورحبا على الفور... كان على الطرف الآخر اديبنا الكبير يوسف القعيد... يقول: فور ان علم الاستاذ ان الدكتور خالد تكلم عنه, كان مشتاقا كثيرا لمعرفة طبيعة هذا الكلام, وكان يتوقع ان يكون الكلام عبارة عن مذبحة... لكنه فوجىء بنبل ماقاله خالد واثلج هذا صدره. لقاء غير سياسي اشترط د. خالد الا يكون اللقاء في ثوب سياسي حتى لايتهمنا البعض اننا نسعى الى تأويله... فالاستاذ نجيب يقول كما يحب ان يقول واللقاء معه هو نوع من المحبة الخالصة, والتقدير الكريم لشخصه اريد ان يكون الكل على تلقائيته الانسانية, وانا تحت امر الاستاذ نجيب. الساعة السادسة والنصف مساء يوم الثلاثاء كانت القاهرة تعيش مناخا لاسعا في حرارته, والكل يبحث عن سبيل للهروب من هذا وكان اللقاء فيما يبدو هو السبيل لهروب الكوكبة التي حضرت الروائي جمال الغيطاني والروائي يوسف القعيد ... القريبان من قلب ووجدان نجيب محفوظ, بوصفهما تلاميذه وابناءه كما يفضلان الاذاعية اللامعة السابقة في اذاعة مونت كارلو فريدة الشوباش وشقيقها الكاتب علي الشوباش, والكاتب السياسي امين اسكندر وكاتب السيناريو هشام السلاموني, والكاتب نعيم صبري, وسكرتير نجيب محفوظ ذكي سالم... كانت مركب (ليلة) الراسية على شاطيء نيل مصر بالقرب من مبنى السفار الفرنسية, وتبعد قليلا عن منزلي الرئيس الراحل انور السادات والكاتب الكبير محمد حسنين هيكل هي مكان اللقاء... وهي المكان الذي يلتقي فيه هؤلاء بنجيب الساعة السادسة كل ثلاثاء. كان نجيب محفوظ الذي يقترب من نهاية الثمانينات يجلس وفور ان دخل د. خالد صالة المركب ومن حول نجيب هذه الكوكبة... وبين اصابعه سيجارة مشتعلة وكأنها تعبير عن تحدي الزمن اخبره جمال الغيطاني, فقام الرجل والابتسامة الصافية تطفو على وجهه, وقبل ان ينطق بكلمة واحدة... دخل معه خالد في عناق حار... وقال: شرف لي يا استاذ هذا اللقاء وكلي سعادة اني اطمئن عليك واراك لاننا جميعا نحبك... رد نجيب: انت شرفتني جدا يا خالد والله, كانت المشاعر فياضة, والكل يقف متأثرا بهذه اللحظة الوجدانية وكأنها تطوي ما قاله سيد الرواية العربية من قبل عن عبدالناصر. سألت يوسف القعيد عما قاله نجيب في مذكراته.. فقال: الأستاذ نجيب وفدي الهوى, لكن حقق نفسه في مشروع عبدالناصر وليس فترة السادات, ثم جاءت إليه نوبل مع الرئيس مبارك, والجائزة نالها من أيديولوجية تعادي فكر الغرب.. هو له بعض الاختلافات مع المرحلة الناصرية, لكنه ليس ضدها بالشكل الجازم.. ويضيف القعيد نقلا عن نجيب محفوظ في جلساته معه قوله: (لم أطالب أبدا في كل ما كتبت أيام عبدالناصر ببديل عن شخص عبدالناصر.. دوما كنت أقول له في أدبي.. ابق لكن حقق ما كان يطالب به الوفد) . كان ايقاع اللحظات الأولى في اللقاء يسير متداخلا في الوجدان والأفكار والآراء.. والبحث عما يمكن أن يقال. جمال الغيطاني: فرصة سعيدة بمقابلتك يا دكتور خالد. د. خالد: شرف لي أنا كبير, وكلي سعادة بلقائكم. كان خالد يجلس بجوار نجيب الذي لم تفارقه عصاه, والكل ينظر إلى مياه النيل من نافذة صالة المركب.. وقطع د. خالد لحظات قليلة من الصمت ليقول لنجيب محفوظ: - يا أستاذ نجيب شرف كبير قوي اني أقابل حضرتك وأراك وأطمئن عليك. - يرد نجيب محفوظ: انت اللي شرفتني جدا.. والله. - د. خالد: أستاذنا.. انت روائي عظيم وأعمالك كلها في قلبي, وقلوب الشعب المصري.. وبالمناسبة جمال الغيطاني من جيلي, وأنا أعتبره أستاذي وأخي. جمال الغيطاني: هذه لحظة مهمة مملوءة بالأحاسيس الفياضة والمشاعر الجميلة لانها تجمع أستاذنا العظيم نجيب محفوظ, والدكتور خالد الذي نحبه ونقدره جميعا. د. خالد: أنت معزتك يا أستاذ نجيب عندنا كبيرة, والمؤكد اننا جميعا نحبك. نجيب محفوظ: أنا اللي شجعني انك يا خالد قلت انا غفرت له (اشارة إلى ما قاله د. خالد في حواره مع (البيان) ). - ضحك متواصل من الجميع على النقطة التي التقطها نجيب محفوظ. - د. خالد: انت تقول يا أستاذنا ويا عمنا الكبير ما تريد وما ترى ونحن نحبك أيضا. - نجيب محفوظ: والله القلوب عند بعضها يا خالد يا غالي يا ابن الغالي. - د. خالد: على فكرة ابنتي تحيه (كبرى بناته) أنهت رسالة ماجستير في الأدب المقارن بالجامعة الأمريكية عن أديب أمريكا الجنوبية ماركيز.. كان أمنيتي أن تحضر معي هذا اللقاء, وان شاء الله تحضر لك مرة ثانية, لان الظروف لم تساعدها هذه المرة. يرد نجيب محفوظ.. ما شاء الله.. ما شاء الله.. ماركيز أديب عظيم, وابنتك تشرف في أي وقت. - يلتقط جمال الغيطاني خيط الحوار, ونحن ما زلنا في مرحلة الترحاب ويقول: تزاملت مع د. خالد في منظمة التضامن الافروآسيوي في مرحلة السبعينات. - د. خالد: نعم كانت يا جمال أيام كتابتك أجزاء رواية التجليات.. كنت بتكتبها وقتها جزء جزء.. وكل جزء كنت أنتظره بفارغ الصبر لقراءته, وعلى فكرة يا أستاذ جمال أحلى قصة قرأتها لك هي (اتحاف الزمان) الله.. الله يا جمال عمل أدبي عظيم. جمال الغيطاني: هي نواة رواية الزيني بركات. فريدة الشوباشي: التجليات تشمل على وجدان هائل.. فيها المزج بين الوالد (والد الغيطاني) والحسين, وعبدالناصر.. أنا تأثرت بروايات الغيطاني كلها.. لكن التجليات وحدها أبكتني. جمال الغيطاني: يا ترى يا دكتور خالد.. رحت منطقة الأستاذ نجيب محفوظ.. الجمالية.. والحسين.. د. خالد: لا.. لا.. لم أذهب كثيرا أو يمضي مشاهدتها بتأمل كمنطقة قديمة.. وبالمناسبة أنا عندما أحس بضيق أذهب إلى منطقة الحسين.. أرى الناس وهم يضحكون ويلقون بهمومهم وراء ظهورهم, ويعيشون البساطة.. الماشي مبسوط.. والنائم أيضا مبسوط.. أحس اني أعيش وأرى الناس بجدية. - جمال الغيطاني: نفس المعنى يقوله أستاذنا نجيب في حكاياته ورواياته. - د. خالد: صحيح هي موجودة فعلا في رواياته.. حياة الناس في منطقة الحسين رائعة. حضر الروائي والكاتب يوسف القعيد.. وقبل أن يترك د. خالد مكانه بجوار الأستاذ نجيب.. قال له: تأذن لي يا أستاذ نجيب, أن أترك مكاني.. وأؤكد لك مرة أخرى انني سعيد بوجودي إلى جانبك, ونحن أبناؤك الصغار.. وتحياتي للمدام وهي كانت زارت شقيقي عبدالحميد في المستشفى.. يرد نجيب محفوظ: والله يا خالد أنا سعيد.. ولولا اني خجلان كنت سأكون سعيداً جدا جدا. فكرة كتاب ابن الزعيم يجلس يوسف القعيد بجوار نجيب محفوظ, وتسود حالة من الحوارات الجانبية بين الحاضرين.. قالت فريدة الشوباشي: على فكرة يا دكتور خالد.. قضيتك.. قضية ثورة مصر, كانت من أسباب فصلي من اذاعة مونت كارلو فيما بعد بسنوات لاني غطيتها اذاعيا بوضوح.. وتذرعوا بهذه التغطية, وقالوا في أسباب الاستغناء عني: (اني ناصرية ومعادية لاسرائىل..) وعلى فكرة الكلام صرحت به لـ (البيان) لابد أن يتطور الكتاب لان فيه معلومات عن عبدالناصر أول مرة نسمع عنها.. يلتقط نجيب محفوظ خيط الكلام ويقول انها فكرة ممتازة وتستحق الاهتمام التنفيذ, فيرد خالد.. أولادي عندما قرأوا الحوارات قالوا ان فيها معلومات نسمع عنها أول مرة.. بعد ثواني من كلام خالد يعلق نجيب محفوظ: مهم جدا يا خالد ان تقول الحقيقة وتنشر كل ما في جعبتك. - جمال الغيطاني: على فكرة يا دكتور خالد عندما قرأنا الحوار للأستاذ نجيب قال لنا ما لم نسمع عنه سابقا مثل انه كان في العباسية وجاء للسيدة الوالدة (تحية عبدالناصر) وكان صديقا مباشرا لأخيها مصطفى كاظم.. وكان يسمع ان لها أخت, لكنه لم يشاهد السيدة تحية أبدا. د. خالد: الوالدة كانت تعيش عند شقيقها خالي عبدالحميد كاظم رحمه الله.. المهم أنا أطمح يا أستاذ نجيب برواية الثلاثية (بين القصرين - السكرية - قصر الشوق) هدية بامضائك.. يرد نجيب محفوظ: يا سلام.. يا سلام عيني لك يا دكتور خالد.. اعتبر الثلاثية موجودة عندك وبامضائي. عبدالناصر ... حاضر دوما كانت سيرة جمال عبدالناصر تفرض نفسها على الجلسة رغم حرص د. خالد على أن يكون الطابع الأساسي للجلسة طابعا إنسانيا وتسلل الجانب الجماهيري وارتباط الناس بعبدالناصر إلى حديث الحاضرين. فقال هشام السلاموني.. لم أر د. خالد من عام 68 وكان زميل دراسة في كلية الهندسة, واشترك معانا في المظاهرات التي رفضت الأحكام الصادرة في حق الذين تسببوا في النكسة. تعلق فريدة الشوباشي: المخابرات الأمريكية والبريطانية والموساد كانوا يتحدثون عن الحراسة على جمال عبدالناصر وانها كانت تحميه, ومثل هذا الكلام الفارغ.. ووقت استشهاد الفريق عبدالمنعم رياض عام 69 أنا شاهدت عبدالناصر وحراسه بيتفرقون, وعبدالناصر ينزل في وسط الناس, ويهتف معاهم.. التار.. التار.. التار. - جمال الغيطاني: عمر الحراسة على جمال عبدالناصر ما زادت عن ثلاثة أفراد.. أنا كنت أشاهد عبدالناصر مباشرة في الشارع بحراسة لا تزيد عن الثلاثة. ينقل يوسف القعيد إلى الأستاذ نجيب محفوظ بعض الأخبار الهامة العالمية والمحلية التي تبثها وكالات الأنباء العالمية في هذا اليوم, ويخبره بأن كرواتيا قررت ترجمة رواية له, ولم تستقر بعد على اسم الرواية.. ويقول له ان حزب العمل المعارض برئاسة المهندس ابراهيم شكري قرر فريق منه فصل فريق آخر, والفريق المفصول قرر هو الآخر فصل الفريق الذي فصله, ويتهم فريق منهما الآخر بتلقي أموال من الخارج.. وابراهيم شكري رئيس للفريقين! يسأل نجيب محفوظ من فعل هذا يا يوسف؟ يرد يوسف: جناح في حزب العمل.. يسأل نجيب: هل ينتمي اي منهم الى تيار ديني.. يرد البعض كلهم يا استاذ رغم انه اسمه حزب العمل الاشتراكي.. يتطرق الكلام عن انتخابات نقابة الصحفيين ويسأل نجيب محفوظ عن باقي الانتخابات في النقابات الاخرى. جائزة مبارك الادبية ويخبر يوسف القعيد نجيب محفوظ: انت مرشح يا استاذ لجائزة مبارك في الادب ومعك شوقي ضيف, ود. عبدالقادر القط.. وانا رأيي تعتذر عنها. نجيب محفوظ: لماذا يا يوسف ـ يوسف القعيد : لا يوجد بعد نوبل جوائز.. والناس المنافسون اقل منك رغم اني متأكد انك ستفوز بها. ـ يرد نجيب محفوظ: لا.. لا.. يمكن لاحد المرشحين ان يحصل عليها ولا يصح ان نعتذر عن جائزة تحمل اسم الرئيس مبارك, فالرئيس مبارك يشجع المناخ الثقافي دائما بهذه الخطوات. ـ يوسف القعيد: على فكرة ثروت اباظة مرشح للجائزة لكنه قال طالما ان استاذي نجيب مرشح انا اتنازل عنها. لحظة من الصمت تسود قبل ان يرد نجيب محفوظ.. على فكرة صبري قرأ لي قائمة الترشيح وفيها ثروت ويمكن يكون هو اعتذر لكنه مرشح رغم ذلك انا اصلا اعتزلت ويمكن هو ان يفوز بها. يحتل ثروت اباظة حيزا من الكلام وهجومه الدائم على عبدالناصر.. وتسأل فريدة الشوباشي د. خالد عن ذلك فيقول لها: انا لا اقرأ له.. ثم ينتقل طرف الكلام لنجيب محفوظ ويقول: الاعتذار انا رأيي فيه تجريح للجائزة وليس معنى حصولى على جائزة نوبل ان اعتذر..لا.. لا هذه جائزة مصرية ولها احترامها وتقديرها.. وانا اشك في حصولي عليها, وعندي اسبابي, ولن اتحدث عنها. ينتقل الحوار من هذه القضية ليلتفت يوسف القعيد الى نجيب محفوظ قائلا: نحن سعداء بلقائك مع دكتور خالد.. انت صحيح وفدي.. لكن بداخلك يا استاذ جزء ناصري. يرد نجيب محفوظ: نعم طبعا.. وكل كلام خالد عنى منتهى النبل. ـ يوسف القعيد مداعبا نجيب محفوظ: هل يمكن ان نستغل وجود د. خالد ونحضر لك يا استاذ طلب عضوية من الحزب الناصري. ـ يتدخل د. خالد لا.. لا يا استاذ نجيب انا اصلا لست عضوا في الحزب الناصري. ـ يرد نجيب محفوظ هل هو معقول يا خالد انك لست عضوا في الحزب انا ظننتك منتميا له. ـ د. خالد: نحن نعتز بك يا استاذ نجيب محفوظ وانت ملك مصر كلها.. وليس ملك تيار سياسي معين... وانت فوق كل الاحزاب, واقوى بأدبك وروائعك.. من الاحزاب.. ولهذا وفإن الاحزاب هي التي تسعى اليك وليس العكس. محفوظ.. وفدي الهوى ينقل جمال الغيطاني الاستاذ نجيب محفوظ الى محطة الماضي.. ويسأله.. بالمناسبة هل كنت عضوا يا استاذ في حزب الوفد قبل الثورة؟ ـ يرد نجيب محفوظ: لا لم اكن عضوا في حزب الوفد.. لكن الناس على ايامنا كانت بطبيعتها وفدية.. وانا كنت من جماهيره.. قبل ثورة يوليو. جمال الغيطاني: انت كنت يا استاذ نجيب عضوا في الطليعة الوفدية. ـ نجيب محفوظ: لا.. انا كنت نصيرا فقط... وكنت صديق د. محمد مندور وعبدالقادر جمعة.. والطليعة الوفدية نادت بما نفذه جمال عبدالناصر فيما بعد. يسأل امين اسكندر د. خالد.. هل تتذكر شيئا عن نجيب محفوظ وعبدالناصر. ـ د. خالد: في الستينات كان عندنا سينما في البيت وافلام الاستاذ نجيب كانت مقررة علينا خمس او ست مرات..لأن الوالد كان يحب نجيب ورواياته وكان يجب ان نشاهد الافلام هذه كلها بطبيعة الحال كان هو يشاهدها ايضا. مصافحة محفوظ ـ عبدالناصر يسأل يوسف القعيد الاستاذ نجيب عن زيارة عبدالناصر للاهرام, ولقاء الاستاذ نجيب به؟ ـ يقول نجيب محفوظ: عندما جاء الرئيس للاهرام قابل توفيق الحكيم ونزل لنا الرئيس انا وصلاح جاهين وحسين فوزي.. وسألني عبدالناصر وهو يسلم على اين كتاباتك لم نقرأ لك شيئا منذ زمن لماذا.. فرد هيكل.. ان شاء الله بعد ثلاثة ايام ستقرأ حاجة (تودي في داهية) ضحك عبدالناصر.. وكانت هذه هي المرة الوحيدة. جمال الغيطاني لخالد عبدالناصر: هل كنت تكتفي يادكتور بمشاهدة السينما في المنزل؟ ـ د. خالد لا.. كنت اتفرج في سينما عامة بطبيعتي وانا شاب واحب مشاهدة السينما, وانا كنت امارس حريتي قدر الامكان..و ـ جمال الغيطاني: منزل منشية البكري يا دكتور خالد.. هل كان ملك الرئيس.. يعني ملك الاسرة. ـ د. خالد: لا .. كان ملك الدولة.. تقدر تقول يعني قطاع عام. ـ فريدة الشوباشي: اذكر عندما كنت اعمل في الـ (بي. بي. سي) كنت مع الناس في التنحي, ولا انس هتاف: (يا خالد روح قول لابوك.. العرب ميش هيسبوك) وفي الجنازة.. هتفت الجماهير.. (ياخالد روح قول لأبوك.. مية مليون بيودعك) . يفكر د. خالد في الانصراف.. يطالبه الحاضرون بالبقاء فترة اطول.. ويقوم خطوات في اتجاه نجيب محفوظ.. ويقول له: كلنا نحبك يا استاذ.. يرد نجيب في عناق حار مع خالد: اشكرك يا خالد يا ابني على هذه الخطوة.. باركتنا.. ربنا يخليك ويبارك فيك. يدخل الجميع في حالة وداع لخالد.. ويصمم جمال الغيطاني ويوسف القعيد على مصاحبته الى الخارج, ومن خلفهما فريدة الشوباشي يقول جمال الغيطاني: على فكرة يادكتور خالد: لولا عبدالناصر لما كنت انا ويوسف درسنا ولا دخلنا مدارس, تدخل فريدة على خط الكلام وتقول: وانا ايضا. يرد خالد عبدالناصر على خلفية صوت ام كلثوم يتسلل عبر الاذاعة (ذكريات داعبت قلبي وفكري) ويقول خالد بصوت منخفض شجي.. عبدالناصر كان رجل شهم مبتسم.. طيب على فكرة أقول لكم شيئا.. كان الرئيس ورفاقه في حصار الفالوجا يأكلون البسكويت.. ومرة رأوا (رجلة) (نبات شيطاني) فأكلوه.. تصوروا بعد ان اصبح رئيس جمهورية اصبحت (الرجلة) طعاما مفروضا علينا مرة كل شهرين. يصافح الجميع د. خالد.. على امل لقاء آخر. ـ سألت جمال الغيطاني هاتفيا بعد اللقاء ما رأي الاستاذ نجيب اجاب الغيطاني: الاستاذ كان في حالة نفسية هائلة بعد زيارة د. خالد, وانا بصفتي خبير به كنت ألاحظ ونحن في الجلسة تعبيرات وجهه التي تدل على السعادة.. وأقول: كثير من الآراء التي تقال عن نجيب محفوظ في ثورة يوليو تركز على اشياء دون اخرى وانا اعرفه منذ 40 عاما, وهو يتكلم عن عبدالناصر كزعيم كبير, والتحولات التي احدثها في المجتمع جعلته يبطل كتابة بعض الوقت.. وبعض الانتقادات لم تؤثر في حبه لجمال عبدالناصر. القاهرة ــ سعيد الشحات