العسكر الاتراك نجحوا في تحطيم الاسطورة لدى اتباعه وامام العالم جزيرة امرالي عبارة عن قلعة محصنة في قلب بحر مرمرة, في مواجهة مدينة مودانيا على الشاطئ الآسيوي لتركيا . وفي هذه القلعة يقع السجن العسكري الشهير الذي شهد اعدام عدنان مندريس في عام 1961 على يد الانقلاب العسكري الأول الذي أطاح بالحكم المدني في تركيا, وجعلها منذ ذلك الحين تحت رحمة المؤسسة العسكرية سواء كانت تحكم مباشرة أم من خلف ستار. وفي هذه القلعة تجري الآن محاكمة عبدالله أوجلان, زعيم حزب العمال الكردستاني الذي تم اعتقاله في فبراير الماضي بفعل مؤامرة دولية محبوكة الأطراف شاركت فيها السي اي ايه والموساد وأطراف حاكمة في افريقيا وأوروبا, وانتهت أخيرا باصطياده في العاصمة الكينية نيروبي, حيث رحل في الحال بعد تخديره ليستقر به المقام في سجن قلعة امرالي, تمهيدا لمحاكمته بتهمة قتل 30 ألف تركي منهم عدد غير قليل من الأطفال, والخيانة العظمى, ومحاولة تمزيق الوطن... إلخ. ومع ان أخبار أوجلان الشخصية اختفت منذ ذلك الحين, فلا يدري أحد ما يجري له في ذلك السجن المعزول عن العالم بأسره, الا ان الاعلام التركي المرئي والمسموع والمقروء تولى بكفاءة منقطعة النظير اعداد الرأي العام لمحاكمة أوجلان بحيث يصبح الحكم عليه بالاعدام مطلبا شعبيا. وطوال الأشهر الأربعة الماضية لم تنقطع من كل وسائل الاعلام الروايات البشعة التي تصور عبدالله أوجلان قاتلا للأطفال, وسفاحا لا يشبع من سفك الدماء, وانه لم يكن فقط مسؤولا عن جرائم (عصابته) الا ان هو نفسه كان يقتل ضحاياه بيده, بمسدسه أحيانا, وذبحا بالسكين أحيانا أخرى. وكم من سيدة مسنة حكت, وظهرت صورتها في الصحف أو على شاشة التلفزيون, كيف أطلق بنفسه الرصاص على وحيدها فقتله بعد أن أمر أتباعه أن يغتصبوها أمام عينيه!! وآخرون قالوا ان عصابات أوجلان كانوا يتربصون بالجنود الاتراك العائدين إلى ديارهم من الاجازات, فينزلونهم من سياراتهم, ويأمرونهم تحت تهديد السلاح بحفر قبورهم بأيديهم ليدفنوهم فيها, أحيانا بعد اطلاق الرصاص. وأحيانا وهم أحياء! وسيدة جميلة متشحة بالسواد, كانت عروسا في الأيام الأولى لشهر العسل حينما اقتحم عليها وعريسها بعض رجال أوجلان, فذبحوا زوجها أمام عينيها دون أن يستمعوا إلى توسلاتهم, ثم تركوها تتخبط في دمائه وتستغيث ولا مغيث. وأخيرا جاء يوم المحاكمة وسط حراسة أمنية بحرية حول الجزيرة وبرية حول القلعة وداخلها. وبوابات تفتيش لا أول لها ولا آخر لابد أن يمر بها الجميع دون استثناء حتى يصل إلى قاعة المحاكمة, حيث يجلس على المنصة خمسة قضاة ــ أحدهما يرتدي زيا عسكريا, ومعهم ممثلو الادعاء, وأمامهم ــ تحت ــ جمهور لا يقل عن 600 شخص, معظمهم ان لم يكن كلهم من ممثلي الصحافة الدولية والمحلية ووكالات الأنباء وشبكات التلفزيون العالمية, بالاضافة إلى نحو 100 سيدة من مختلف الأعمار من أسر ضحايا (خيانة) عبدالله أوجلان. إعداد المشهد ثم ها هو أوجلان نفسه معروضا داخل قفص من زجاج واق من الرصاص, وقد بدأ أكثر رشاقة مما ظهر في الصور القليلة التي التقطت له عند اصطياده, وبدلا من الزي الكردي القومي يرتدي حلة أوروبية أنيقة قيل ان أهله اشتروها له بعد اعتقاله بمائتي دولار. والمشهد عموما معد جيدا كأنه المشهد الأول في مسرحية مشوقة, ومثلما يسبق الفصل الأول في المسرحيات فاصل موسيقي, فقد كانت فاتحة مشهد المحاكمة معزوفة مؤثرة من صراخ وبكاء وسباب مائة سيدة في وقت واحد وهن يطلقن من عيونهن شررا لولا الحاجز الزجاجي لحول أوجلان إلى كومة من رماد. ويدق رئيس المحكمة بمطرقته بعنف طالبا الهدوء فيسود الهدوء لحظة ليسمع من خلال الميكروفونات صوت القاضي قائلا.. المتهم عبدالله أوجلان.. هل لديك شيء تريد أن تقوله قبل أن تبدأ الاجراءات الرسمية للمحاكمة؟ ومن خلال الميكروفونات جاء صوت أوجلان: ــ أجل لدي أشياء أريد أن أقولها.. كان جميع مراسلي الاعلام في القاعة يعرفون مقدما ما سوف يقول.. أو على الأقل يتصورون انهم يعرفون.. فها هو الرجل المطلوب اعدامه تتاح له الفرصة لان يعرض قضية شعبه التي قاتل من أجلها خلال 15 عاما على العالم أجمع من خلال وسائل الاعلام العالمية التي جاءت من كل مكان لتتابع محاكمته.. سوف يقول بلا شك انه لم يقاتل الا دفاعا عن النفس, وان أصل القضية ان السلطات الحاكمة في أنقرة لا تريد أن تعترف بالخصائص القومية للأكراد مع انهم لهم تراثهم الخاص ولغتهم وفنونهم وعاداتهم وتقاليدهم التي حافظوا عليها وتمسكوا بها منذ مئات السنين.. وان المعارك التي سال فيها من دماء الأكراد أكثر مما سال من دماء الأتراك كانت كلها بسبب تصميم حكام أنقرة على محو هوية الأكراد بالعنف والقوة. ولكن عبدالله أوجلان لم يفعل شيئا من ذلك بل لعله فعل العكس تماما. وكانت أول مفاجأة أن تحدث بالتركية بدلا من لغته الكردية القومية. اما المفاجأة الثانية فكانت ان وجه كلامه للسيدات الثكالى النائحات الصارخات قائلا انه لا يقل عنهن حزنا على ضحاياهن وانه لو كان اعدامه يمكن ان يعيد الحياة الى (شهدائهن) لكان اول من يرحب باعدامه.. ولكن ان ما حدث لن يتكرر وانه يطلب من انصاره ان يلقوا السلاح ويكفوا عن أي عمل يهدد سلامة الدولة التركية. ولم يكتف اوجلان بذلك بل راح في اجاباته عن اسئلة المحكمة يكرر اعتذاره مؤكدا في كل اجابة على انه (كمالي) اي مؤمن بمبادئ كمال اتاتورك من اعلى الرأس الى اخمص القدم. وانه لم يفكر لحظة في فصل الاكراد عن الدولة الام وانه في النهاية تركي لا يقبل ابدا تمزيق الدولة التركية. اما لماذا قاتل على مدى 15 عاما مهددا تركيا بالتمزق فان هذا كان خطأ من ناحية ووقوعا في فخ دول معينة هي التي اغرته وحرضته على قتال الاشقاء. وعلى هذا المنوال استمرت الجلسة الاولى والثانية حتى قررت المحكمة التأجيل اسبوعين حتى يتمكن الدفاع من مراجعة الملفات واعداد دفاعه. ولكن يبقى السؤال المحير.. كيف خان عبدالله أوجلان قضيته, قضية شعبه بهذا الشكل وتحول في نظر شعبه وفي نظر كل الذين تعاطفوا معه من بطل مغدور الى فأر مذعور يتلمس النجاة بحياته بأية وسيلة حتى ولو كانت التنكر لكل ماضيه وكل القيم التي عاش من أجلها. وكيف فاته وهو الزعيم الذي يدين له بالولاء عشرة ملايين كردي, ونحو 40 الف مقاتل انه وقد شوه صورته بنفسه على هذا النحو قد اعفى جلاديه من التردد في اعدامه حيث كان يخشى ان يؤدي ذلك إلى تحول في نظر الشعب الكردي الى اسطورة قد تكون اشد اثرا وتأثيرا في تزكية النزعة الانفصالية لدى الاكراد. ثم الم يفكر في رد فعل موقفه المتخاذل لدى قوى عالمية كثيرة كانت مستعدة للتعاطف معه فاذا بها تكتشف الآن انه لا يستحق؟ الانتصار التركي لا شكل ان الصحف التركية كانت على حق عندما قالت كل عناوينها الرئيسية في اليوم التالي ان (تركيا تعيش اليوم لحظة انتصار) فاعتقال اوجلان لم يكن انتصارا ولا كان اعدامه انتصارا.. وانما الانتصار الحقيقي هو القضاء على اسطورته كبطل وطني لدى الاكراد ولا يهم بعد ذلك ان يعدم او لا يعدم. وهذا ما تحقق في المحاكمة حتى الآن, وقبل ان ننتهي.. ثم هناك كسب اضافي كسبه النظام الحاكم في تركيا, هو اعتراف اوجلان باسماء الدول التي خدعته واغرته وحرضته ومولته لينشق على دولته, وهي اليونان وسوريا وايران وقبرص (اليونانية) .. ومع ان المحكمة لم تتوقف كثيرا عند هذه النقطة الا ان صحف اليوم التالي ابرزتها.. فبادرت الدول المذكورة بنفي أية علاقة لها بحزب العمال الكردستاني ومع ذلك فان حكوماتها الآن في موقف الاتهام, وعليها ان تقدم للحكومة التركية ما يؤكد حسن نواياها. ولكن كيف يمكن تفسير سلوك اوجلان في المحاكمة؟ كيف يتفق هذا الانهيار الكامل مع تاريخ الرجل وصلاته وكفاحه الطويل.. ان ظاهر الامر يقول انه كان في واقع الامر مجرد فقاعة صابون تلاشت عندما اصطدمت بأول نسمة هواء. ولكن اكثر المراقبين لا يقتنعون بهذا التفسير.. ولذلك ظهرت تفسيرات اخرى. أحدها يقول ان الرجل وقد فقد كل شيء وافق على ان يعقد صفقة مع جلاديه ان يقول ويعلن امام العالم كل ما يريدون ان يقول, في مقابل حياته. غير ان هذا التفسير يفترض في اوجلان سذاجة لا يفترض في رجل مثله ان تكون الى هذا الحد اذ ان اعترافاته جعلت اعدامه اسهل الاف المرات ولا يوجد لدى السلطات التركية ما يجبرها على احترام الجزء المطلوب منها وفقا لهذه الصفقة. التفسير الثاني هو ان عبدالله اوجلان تعرض لجرعات مكثفة من التعذيب المصحوب بعقاقير كيماوية معينة تذهب العقل وتلغي ارادته تماما بحيث اصبح اشبه بالروبوت, لا ينطق الا ما يملى عليه.. اما التفسير الثالث فيقول ان عبدالله اوجلان لم يقل كلمة واحدة مما نسب اليه وان الصوت الذي نقلته الميكروفونات من الصندوق الزجاجي الواقي من الرصاص انما هو تسجيلات ملفقة ومعدة بعناية بحيث تبدو وكأنها هي صادرة من الصندوق.. وطبعا اوجلان نفسه لم يسمعها, وحتى لو سمعها وحاول ان يعترض او يحتج فما كان سيستمع اليه, والصندوق يمنع صوته من الوصول للخارج الا عن طريق الميكروفونات او بمعنى اصح عن طريق الفنيين الذي يتحكمون في هذه الميكروفونات. ان التفسير الرابع يقول, ان هذا الرجل الواقف في الصندوق الزجاجي ليس عبدالله اوجلان وانما هو شبيه جاءوا به لتمثيل الدور اي دوبلير مثلما يحدث في افلام السينما ولقنوه جيدا ما يجب ان يقول. ايا كان الامر, فقد نجح النظام التركي في القضاء على عبدالله اوجلان, وقد لا يجد ضرورة لاعدامه ويكتفي بسجنه مدى الحياة في مكان منعزل لا يستطيع احد ان يصل اليه او يتصل به فيه. ثم يمكن بعد ذلك ان يموت بالسرطان او السكتة القلبية وينتهي بنهايته كل شيء. ولكن, هل صحيح سينتهي كل شيء بنهاية اوجلان او (ابو) كما كان يسميه رجاله؟ من المؤكد ان القضية التركية ستظل قائمة حيث تجد حلا معقولا. ولقد سبق لهذه القضية ان وجدت مثل هذا الحل, في عهد تورجوت اوزال الذي كان هو نفسه ينتمي الى اصول كردية, ولكن تورجوت اوزال ذهب قبل ان يضع حله المعقول موضع التنفيذ, وجاء العسكر فألغوه.. وكانت هذه هي الشرارة التي اشعلت الثورة. ولقد كان ذلك الحل يحقق الكثير من طموحات الاكراد ويعطيهم قدرا واسعا من الحكم الذاتي ويحفظ عليهم لغتهم كلغة رسمية ثانية ويحترم هويتهم وتقاليدهم وعاداتهم الموروثة. ومن المؤكد ان هذا ما سوف تنتهي اليه اية حكومة تركية عاقلة وهو ما نأمل ان ينعم به الاشقاء الاتراك ولو بعد حين.