الغياب الاختياري لرئيس جنوب افريقيا المناضل نيلسون مانديلا بعد اول فترة رئاسية في ظل حكومة لا تعترف بالتمييز العنصري, يطرح العديد من علامات الاستفهام حول ماهية المستقبل الذي ينتظر هذا البلد الافريقي الكبير . ومبعث التساؤلات ليس بحال من الاحوال الجدل حول كفاءة من سيخلف مانديلا, وانما جملة التحديات التي تواجه تجربة الحكم الوطني, بعد غياب الزعامة التاريخية لحزب المؤتمر الوطني التي ألهمت جهود مكافحة التمييز العنصري, سواء داخل جنوب افريقيا أو على صعيد العمل الدولي طوال السنوات الماضية. وتأتي هذه التحديات أولا من فلول النظام العنصري السابق, وخاصة الاقلية البيضاء المعروفة بالأفريكانرز, والتي تؤلف حوالي 60% من العناصر البيضاء في جنوب افريقيا (40% للعناصر المتحدثة بالانجليزية). ذلك ان هذه الاقلية بحكم هيمنتها على اقتصاديات البلاد وخاصة في مجالات التصنيع واستخراج الذهب والماس, وقد أخذت تستشعر الخطر من استمرار زحف الأغلبية السوداء على مقاعد الحكم وتمكنها من مقاليد الأمور, وذلك لما تحمله من افكار ترمي على تباينها الى اعادة توزيع عوائد العمليات الانتاجية بطريقة تحسن من المستوى المعيشي للأفارقة. مطامح الهيمنة وثمة شواهد تؤكد ان الأفريكانرز قد عادوا من جديد الى طرح صيغة الحكم الكونفدرالي, التي سبق للحزب الوطني (العنصري) ان طرحها في ظل خططه لانشاء معازل السود (سياسة الأبارتيد) المعروفة باسم (البانتوستانات) . وقد ظهرت الصيغة الكونفدرالية للدولة منذ منتصف السبعينات تحت اسم (مجموعة دول جنوب افريقيا) , ومورست عدة ضغوط بدءا من عام 1983 من أجل خلق سلطات سوداء في المدن الافريقية ودفع البانتوستانات نحو الاستقلال, أملا في ان تنضم جميعها الى اتحاد فيدرالي مع الحكومة البيضاء. ولكن ضغوط الحركة الوطنية الافريقية من ناحية, ورفض اغلب المعازل السوداء الاستقلال وتفضيلها الخيار الفيدرالي, أدى الى فشل الصيغة الكونفدرالية. ويعود الأفريكانرز بعد سقوط نظام الفصل العنصري الى طرح صيغة معدلة, يصبح بمقتضاها الاتحاد الكونفدرالي قائما بين معزل كبير للسود والملونين, وهو دولة جنوب افريقيا الحالية باستثناء الاقليم الشمالي الغربي الذي يقترح الأفريكانرز اقامة دولة للأقلية البيضاء فيه تدخل في الشراكة الكونفدرالية فيما بعد. ويعتقد الأفريكانرز ان هذا الاقتراح قد يغري حكومة جنوب افريقيا بالموافقة, حيث ان المنطقة المقترحة للبانتوستان الأبيض لا تضم ايا من مناجم الذهب أو الماس المستغلة حاليا, كما انها بعيدة بحدودها عن التجارة البحرية وخدمة الموانىء اضافة الى محدودية الانشطة الصناعية والزراعية فيها. ورغم ذلك فإن حزب المؤتمر الوطني يرى في مثل هذا الاقتراح خطرا شديدا على الانجازات التي حققتها حركة التحرير الافريقية, حيث ترغب الاقلية البيضاء في انشاء كيان مستقل يمارس الهيمنة الاقتصادية والسياسية على جنوب افريقيا وذلك بفضل المستقبل الزراعي الباهر للمنطقة الشمالية الغربية وما يشاع عن احتياطات تعدينية كبيرة فيه كشفت عنها دراسات مكثفة قامت بها شركات الأفريكانرز قبل ان تتقدم باقتراحها الأخير بصورة رسمية. ميراث العنصرية ولا يأتي الخطر من الميول الانفصالية لفلول النظام العنصري السابق, ولكن ايضا من الميراث السياسي لهذا النظام الذي عمل دائما على الفصل بين الجماعات العرقية المختلفة عبر اجراءات وتدابير قانونية متعددة. وقد ظلت هذه الخطط تؤتي ثمارها في تعطيل انتصار القوى المناوئة لنظام الفصل العنصري, مثلما تطرح اليوم معضلات تتصل بالاندماج الوطني في جنوب افريقيا. فبالاضافة الى الجماعة البيضاء (17% من السكان), توجد الجماعة الملونة المنحدرة من أسلاف مختلطين (9% من السكان), والجماعة الهندية (3%). وقد سعى نظام الحكم العنصري الى تعزيز اوضاعها الاقتصادية والسياسية على حساب الجماعة الافريقية التي تؤلف اغلبية تعداد سكان جنوب افريقيا. وحتى في داخل هذه الجماعة الاخيرة توجد بعض التباينات القبلية, ذلك ان عناصرها تنتمي الى اصول قبلية عديدة, اهمها قبائل زولو واكسهوزا وتسوانا وبيدي وشوشو وشانجان وسوازي وفندا. وطوال حقبة الحكم العنصري ركزت نخبة الحكم البيضاء على تعميق الفوارق القبلية, وذلك بتخصيص مساحة من الأرض تبلغ 13% من اجمالي مساحة البلاد (بموجب قانون الأرض عام 1913 وعام 1936) للأفريقيين على أساس قبلي, وأعقب ذلك محاولة احياء السلطة القبلية مرة أخرى في هذه المناطق التي تسمى بالأوطان المحلية (البانتوستانات) حتى ان أربعا منها منحت الاستقلال قبل نهاية عام ,1988 وهي ترانسكاي (1976) وبوفوتاتسوانا( 1977) وفندا (1979) وسيسكاي (1982). وداخل هذه الدول ــ المعازل شجع نظام الفصل العنصري على تعزيز التناقضات القبلية والطبقية داخل الجماعة الافريقية, بتبني خلق نخبة عليا قبلية افريقية متحالفة معه لتتولى زعامة البانتوستانات, ثم هي تشجع قيام طبقة وسطى افريقية في الحضر من رجال الاعمال والتجار ترتبط مصالحها بمصالح الجماعات البيضاء, اضافة الى تغذية الخلافات داخل صفوف الطبقة الدنيا الافريقية استنادا الى دعاوى قبلية تارة وباللجوء الى التمييز في المعاملة بين من يسمون قاطني الحضر الافريقيين ووافدي الحضر الافريقيين, ولا عجب ان نسمع بين الحين والآخر عن مصادمات دامية بين العناصر الافريقية حتى بعد زوال نظام الفصل العنصري وتولي مانديلا للرئاسة. النزاعات القبلية ويواجه حزب المؤتمر الوطني منذ 1968 تهما ذات طابع قبلي, وبسببها انفصل بعض قادته تحت دعوى ان هناك صراعا داخل المؤتمر بين القيادة التي تنتمي الى قبائل اكسهوزا وبين الجماهير أعضاء المؤتمر التي تنتمي الى قبائل الزولو وسوتو, ثم حدث انشقاق آخر على الحزب نتيجة لقبوله بالعضوية الفردية للملونين والهنود وهو ما اعتبره البعض مسانا بالطابع الافريقي للحزب. وتجسد المنظمة الثقافية للزولو المعروفة باسم (انكاثا Inkatha واحدة من العثرات القبلية التي خلقها النظام العنصري للحيولة دون وحدة الجماعة الافريقية, حيث تقود وتدعم الروح القبلية التي برزت بصورة تنذر بالخطر أثناء تنصيب ملك الزولو في ظل رئاسة نيلسون مانديلا. وبالتوازي مع هذه المنظمة, فقد عبرت الروح القبلية في معازل ترانسكاي وسوازيلاند وسيسكاي وفندا عن نفسها في أحزاب سياسية تدعو دون مواربة الى (تدعيم وتعزيز مؤسسات الزعامة القبلية) وتدعيم نظام السلطة القبلي وتكييفه ليتواءم مع نظام الحكم الديمقراطي. ان هذا الارث العنصري المثقل بالاختلافات السياسية والثارات القبلية, قد توارى على استحياء خلال الفوران الشعبي الذي صاحب التحول التاريخي لنظام الحكم, وتحت ضغط الشعبية الجارفة التي يتمتع بها مانديلا, ولكنه اليوم يعود ليطل برأسه من جديد في ظل قيادة جديدة لا تمتلك تاريخية الزعامة, وان كانت قدراتها القيادية الفائقة والمعترف بها تتعرض الى اختبار عسير, اذ عليها قيادة التطور السياسي والاقتصادي الموحد للبلاد, وادماج الجماعات المختلفة في نظام وطني يقاوم محاولات الانفصال البيضاء والدعاوى القبلية السوداء, وقبل هذا وذاك القضاء على آثار حقبة التطور المستقل, التي خلقت فوارق اقتصادية عميقة بين أفارقة الحضر وبين أقرانهم القبليين في المعازل ومناطق الريف. ان ما تخشاه جنوب افريقيا بعد اعتزال مانديلا ليس عودة نظام الفصل العنصري, ولكن ببساطة خطر تفتت الدولة وانهيارها بسبب هشاشة وحداثة تجربة الاندماج الوطني. جامعة القاهرة