تعد التحولات في علاقة جمهورية جنوب افريقيا مع كل من الدول العربية واسرائيل, منذ انتهاء النظام العنصري القديم وانتصار المؤتمر الوطني الافريقي بزعامة نيلسون مانديلا واقامة النظام الديمقراطي الجديد , هي التعبير المكثف عن التحولات الهائلة التي شهدتها تلك الدولة في ظل نظامها الديمقراطي, وهذا التحول أمر منطقي لان العلاقة الخاصة بين النظام العنصري البائد وبين دولة اسرائيل العنصرية كانت بدورها تجسيدا لجملة العوامل المشتركة الرديئة بين ذلك النظام والدولة الصهيونية, وكانت كلها ضد الغالبية الافريقية في جنوب افريقيا وضد العرب عامة والفلسطينيين بصفة خاصة. كما ان الدول العربية في مجملها قدمت مساعدات كبيرة لشعب جنوب افريقيا وحزب المؤتمر الوطني الافريقي في النضال ضد النظام العنصري القديم, بما انعكس ايجابيا على علاقة جنوب افريقيا مع الدول العربية بعد هزيمة النظام العنصري القديم وصعود المؤتمر الوطني الافريقي الى قمة السلطة فيها. وتجد التحولات في العلاقة, بين جنوب افريقيا من جهة وكل من الدول العربية واسرائيل من جهة أخرى, تجسداتها في القضايا الهامة المتعلقة بالمنطقة مثل القضية الفلسطينية وقضة لوكيربي وصفقات الأسلحة والعلاقات الاقتصادية والتكنولوجية. وفيما يتعلق بالقضية الفلسطينية تعتبر جنوب افريقيا منذ سقوط نظام الفصل العنصري البائد نهائيا في عام ,1994 دولة مؤيدة للحقوق الفلسطينية, وهي بصفة عامة مؤيدة للحقوق العربية, خاصة وان نيلسون مانديلا الزعيم التاريخي للمؤتمر الوطني الافريقي وأحد أعظم زعماء العالم, والقائد الحقيقي لتأسيس جنوب افريقيا الجديدة غير العنصرية, أقر دائما بالوقفة العربية القوية الى جانب حزبه وشعب بلاده, خاصة وان الدول العربية كلها قامت بقطع العلاقات مع النظام العنصري في جنوب افريقيا عام 1962 وقدم العديد منها دعما ماديا ومعنويا قويا للمؤتمر الوطني الافريقي في النضال ضد الحكم العنصري. كما ان مانديلا أشار مرات عديدة الى تشابه نضال حزبه وشعبه من أجل الحرية والمساواة مع نضال الشعب الفلسطيني من أجل حريته وأرضه وتقرير مصيره, وأشار بالتحديد في جولة له في الولايات المتحدة بعد اطلاق سراحه وقبل السقوط التام للنظام العنصري, الى هذا التشابه بقوله (اننا نتفق مع منظمة التحرير الفلسطينية لأنهم يكافحون مثلنا من أجل حقهم في تقرير المصير, ومسلكنا الخاص تجاه أي دولة يتحدد بناء على سلوك تلك الدولة تجاه كفاحنا .. وعرفات والقذافي يؤيدون كفاحنا ويضعون الموارد تحت تصرفنا كي نحقق الاستقلال) . كما أكد مانديلا والمسؤولون في جنوب افريقيا بعد سقوط النظام العنصري على ان اسرائيل كانت السند الرئيسي لنظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا, وانها ساعدته على الاستمرار في قهر الأغلبية الافريقية طويلا مقابل استنزاف الموارد الطبيعية لجنوب افريقيا. تحول جوهري ويمكن القول ان جنوب افريقيا, التي كانت في زمن الفصل العنصري تقف في خندق واحد مع اسرائيل ضد العرب, قد انتقلت في ظل النظام الديمقراطي الجديد الذي أرساه مانديلا الى الخندق المقابل, وأصبحت بالتالي مؤيدة رئيسية للشعب الفلسطيني والدول العربية الأخرى في التفاعل مع اسرائيل. ويمكن ادراك أهمية هذا التحول اذا علمنا ان جنوب افريقيا في زمن الفصل العنصري كانت تؤيد اسرائيل على طول الخط, وكانت المصدر الرئيسي لليورانيوم الخام الذي استخدمته اسرائيل في مفاعلاتها النووية, كما انهما تعاونتا معا في صناعة الأسلحة النووية وفي صناعة الصواريخ والأسلحة بصفة عامة, كما قدم يهود جنوب افريقيا مساعدات كبيرة لاسرائيل بلغت خلال حرب اكتوبر وحدها نحو 300 مليون دولار, بل ان اكثر من 2500 يهودي من جنوب افريقيا حاربوا الى جانب اسرائيل ضد مصر وسوريا في حرب اكتوبر ,1973 كما ان اسرائيل كانت تحصل على جانب من الموارد الطبيعية لجنوب افريقيا وبالذات الحديد والذهب والماس, بأسعار رخيصة مقابل سماحها لنظام الحكم العنصري الجنوب افريقي البائد باختراق الحظر الدولي المفروض عليه بمساعدة الشركات الاسرائيلية. وبدلا من التعاون العسكري واسع النطاق بين اسرائيل وجنوب افريقيا في زمن الفصل العنصري, أصبحت جنوب افريقي بزعامة مانديلا والمؤتمر الوطني الافريقي راغبة ومستعدة للتعاون مع الدول العربية, بعد ان أوقفت تعاونها العسكري مع اسرائيل. ويعد النموذج الأبرز الذي يجسد رغبة جنوب افريقيا في التعاون العسكري مع الدول العربية هو صفقات السلاح التي أرادت عقدها مع سوريا والسعودية, وكانت الصفقة السورية وهي الأهم باعتبار سوريا دولة مواجهة مع اسرائيل, تبلغ نحو 3 مليارت راند جنوب افريقي اي حوالي 640 مليون دولار في بداية عام ,1997 وكانت عبارة عن أنظمة اليكترونية لتدقيق اطلاق النار في الدبابات بما تسمح به هذه الأنظمة من رؤية ليلية جيدة ورصد جيد في حالة الحركة, وكانت سوريا تريد استخدام هذه الأنظمة لتطوير دباباتها من طراز تي ,72 لكن اسرائيل والولايات المتحدة شنتا حملة هيسترية ضد هذه الصفقة التي وصفتها واشنطن بأنها (سيئة للغاية) لأنها تعني بيع أسلحة متقدمة لدولة تدعم الارهاب برأي واشنطن. ووصل الأمر بالولايات المتحدة الى تهديد جنوب افريقيا بقطع المساعدات الامريكية عنها استنادا الى ان قانوني العمليات والمساعدات الخارجية يحظران تقديم أنواع معينة من المساعدات الى الدول التي تمد سوريا أو اي دولة تضعها واشنطن على لائحة الدول المساندة للارهاب, بما تسميه الولايات المتحدة بمعدات قاتلة, لكن مساعدات الولايات المتحدة لجنوب افريقيا والبالغة 118 مليون دولار, والتي تقل عن 0.1% من الناتج المحلي لجنوب افريقيا الذي بلغ 129 مليار دولار عام ,1997 لم يكن في مقدورها اثناء جنوب افريقيا عن عقد الصفقة. ولكن الأهم من تلك المساعدات الهزيلة التي تستطيع جنوب افريقيا الغنية الاستغناء عنها بكل بساطة, هو مجمل علاقة جنوب افريقيا السياسية والاقتصادية مع الغرب عامة والولايات المتحدة بصفة خاصة, وهي علاقات شديدة الأهمية في كافة المجالات, وهي حاسمة في اندماج جنوب افريقيا في الاقتصاد الدولي أو استبعادها منه, ولايمكن التضحية بها بسهولة من أجل صفقة أسلحة, حتى ولو كانت هامة ومع دولة صديقة للنظام الجديد في جنوب افريقيا. ونظرا للمعارضة الامريكية الحاسمة للصفقة السورية فانها فشلت, لكن أهم ما أظهرته هو ان جنوب افريقيا الجديدة على استعداد للتعاون العسكري مع العرب وان بصور أخرى لا تستفز الولايات المتحدة بالصورة التي حدثت فيما يخص الصفقة المشار اليها آنفا. أما الصفقة السعودية فانها تتعلق ببيع مدافع جنوب افريقية من طراز G6 الى السعودية بقيمة 7 مليارات راندا اي نحو 1.4 مليار دولار بأسعار الوقت الراهن, وهي لم تتم فعليا حتى الآن, لكنها لن تواجه الصعوبات التي واجهتها الصفقة السورية, بحيث انه من الممكن تماما ان تكتمل في الفترة المقبلة. رد الجميل أما بالنسبة لقضية لوكيربي والحظر الدولي الذي فرض على ليبيا, فان جنوب افريقيا كان لها موقف رائع في هذه القضية, حيث اكد مانديلا دائما على انه لن ينسى الوقفة الليبية القوية مع بلاده وحزبه, حيث قدمت ليبيا الدعم المادي الأكبر للمؤتمر الوطني الافريقي بزعامة مانديلا في نضاله ضد الحكم العنصري البائد. ومن باب رد جزء من الجميل وايمانا بعدالة موقفها, قام مانديلا مستندا الى مكانته الدولية الكبيرة ومصداقيته لدى الغرب والعرب, بمبادرات خلاقة لحل الأزمة الليبية ــ الغربية متعاونا في ذلك مع السعودية, ومكملا للجهود الدؤوبة التي بذلتها مصر من قبل, وساهم في النهاية في التوصل الى حل مرض للجماهيرية الليبية كفل لها تعليق العقوبات المفروضة عليها والتي كلفتها ما يزيد على 24 مليار دولار, وهذا التعليق للعقوبات هو بمثابة رفع عملي لها الى حين الغائها كلية, كما كفل لها هذا الحل الضمانات الضرورية لعدالة محاكمة مواطنيها ولعدم تعرضهم لأي ضغوط بدنية أو معنوية, وهو حل مشرف في اطار الممكن في ظل حالة الهيمنة الأمريكية عالميا, وهذا الحل في النهاية هو أمر على غير هوى اسرائيل التي كانت تتمنى أن يستمر الحظر على ليبيا. أما بالنسبة للعلاقات الاقتصادية الجنوب افريقية مع العرب واسرائيل, فان تحولا حاسما حدث فيها في ظل النظام الجديد الذي أسسه مانديلا والمؤتمر الوطني الافريقي بعد الانتصار التاريخي على نظام الفصل العنصري, فبعد ان كانت العلاقات الاقتصادية العربية مع جنوب افريقيا مجمدة تماما أصبحت هذه العلاقات نشيطة ومتنامية, وقد ارتفعت قيمة التجارة بين الطرفين من صفر أو لا شيء عام 1989 الى نحو 1689 مليون دولار عام 1997, حسب بيانات صندوق النقد الدولي (Direction of Trade Statistics yearbook) وأصبحت صادرات جنوب افريقيا للدول العربية تشكل نحو 1.4% من اجمالي صادرات جنوب افريقيا, وأصبحت وارداتها من الدول العربية بشكل نحو 4.5% من اجمالي وارداتها في عام 1997. وتتصدر الكويت والسعودية والامارات والعراق ومصر لائحة الشركاء التجاريين العرب لجنوب افريقيا في الوقت الراهن. وبالمقابل استمرت التجارة بين جنوب افريقيا واسرائيل, ولكنها تدهورت في قيمتها المطلقة وفي نسبتها من التجارة الخارجية لجنوب افريقيا. فقبل السقوط النهائي للنظام العنصري عام 1994 كانت التجارة بين جنوب افريقيا واسرائيل قد بلغت نحو 667 مليون دولار عام 1993 بما شكل نحو 1.6% من اجمالي تجارة جنوب افريقيا في ذلك العام, هذا بالاضافة الى التجارة السرية في الاسلحة والماس. اما في عام 1997 فقد بلغ اجمالي التجارة بين جنوب افريقيا واسرائيل نحو 588 مليون دولار بما يوازي 1% من اجمالي التجارة الخارجية لجنوب افريقيا, الا انه من الضروري الاشارة الى ان الاقلية البيضاء واليهود في جنوب افريقيا, يملكون الكثير من المؤسسات والشركات المعنية باستمرار وتطوير العلاقات مع اسرائيل في المستقبل. وعلى اي حال فإنه اذا نظرنا الى احتمالات تطوير العلاقات بين جنوب افريقيا وكل من الدول العربية واسرائيل في المستقبل, فإن هذه الاحتمالات تتوقف على امكانيات تطوير العلاقات وهي كبيرة للغاية بين العرب وجنوب افريقيا, وتتوقف على التحرك العربي والاسرائىلي تجاه تلك الدولة الهامة وشبكة المصالح التي يمكن لكل طرف صياغتها مع شركات جنوب افريقيا, في تفاعله مع توجهات تلك الشركات ومواقفها من العرب واسرائيل. ويمكن القول ان الميراث التاريخي من تأييد العرب لنضال شعب جنوب افريقيا ضد الحكم العنصري, مقابل تأييد اسرائيل لذلك الحكم العنصري, يتيح فرصة افضل للعرب في كسب الأولوية في العلاقات مع جمهورية جنوب افريقيا في الوقت الراهن وفي المستقبل, شريطة ان يتم البناء بفعالية وبفكر خلاق على الميراث التاريخي لتطوير شراكة استراتيجية عربية مع جنوب افريقيا على اساس تبادل المصالح بين الطرفين, وهي مصالح اكبر كثيرا من اي مصالح يمكن ان تتبادلها جنوب افريقيا مع الدولة الصهيونية. * خبير بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بمؤسسة الاهرام