بعد ان قدم معظم شبابه وقرابة نصف عمره, في سبيل وطنه وشعبه .. يترجل مانديلا, راضيا مختارا, عن صهوة الحكم وسدة الرئاسة, مضيفا نموذجا آخر لسجل حياته ومختطا لنهج سياسي قل سالكوه في القارة الافريقية وفي العالم الثالث بشكل عام . والنماذج الفريدة في حياة مانديلا ليست قليلة .. ففي حين عجز الكثيرون ممن عاصروه أو سبقوه عن اكمال طريق النضال والحرية, وتوقفوا في نصف الطريق أو قبله, ومنهم من ارتد الى غيره ونقيضه, فإن مانديلا الذي أفنى شبابه وجزءا كبيرا من كهولته محكوما بالاعمال الشاقة في سجن التمييز العنصري على مدى 27 عاما, لم تهن عزيمته, ولم يفتر ايمانه بعدالة قضيته وحق شعبه في الحرية والانعتاق, ولم يتردد لحظة واحدة في اكمال طريقه الى النهاية. وهكذا ظل مانديلا متمسكا بعزيمته واصراره, متحملا كل أصناف التعذيب النفسي والبدني, ورافضا لكل المساومات والعروض لاطلاق سراحه, ما لم تشمل حريته تحرير شعبه بالكامل من الظلم والاستبداد العنصري. ورغم ان مانديلا أعد نائبه (الرئيس الحالي ثابو مبيكي) ليخلفه, حيث أعطاه صلاحيات شبه كاملة خلال العامين الماضيين, الا ان غياب الجاذبية الشخصية والزعامة التاريخية لمانديلا عن المسرح السياسي الرسمي, لاشك سيترك أثرا بالغا وفراغا كبيرا, سواء داخل جنوب افريقيا نفسها أو على مستوى القارة ككل, وعلى الساحة السياسية الدولية بشكل عام. وهذا ما يثير العديد من التساؤلات لدى بعض المحللين والمراقبين بشأن المستقبل السياسي لجنوب افريقيا بشكل خاص, حيث ما زال هناك الكثير من التحديات أمام الرئيس الجديد مبيكي, بما فيها ارتفاع مستوى البطالة وانتشار وباء الايدز, وبقايا الهيمنة العنصرية, وليس أقل هذه التحديات النموذج السابق (مانديلا). لكن جنوب افريقيا ــ مع ذلك ــ تمتلك من الامكانيات ما يجعلها قادرة على مواجهة هذه التحديات وقد أرست قواعد الاستقرار السياسي, وحددت لنفسها خياراتها المستقبلية بوضوح وثقة, وهو ما تؤكده الانتخابات الاخيرة ونتائجها التي جاءت بمثابة حفل توديع للزعيم مانديلا ومبايعة لخليفته الذي اختاره بنفسه. ويبقى مانديلا ــ على أي حال ــ (زعيما تاريخيا له مكانته الدولية) كما وصفه صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان, كما انه سيظل القائد الرمز في وجدان شعبه, وأحد أبرز قادة النضال والتحرر في العصر الحديث, وآخر العمالقة المحترمين في القارة الافريقية, بعد ان كادت هذه القارة تنسى وجود مثل هؤلاء العمالقة بعد رحيل زعامات مثل عبد الناصر ونكروما ولومومبا وأمثالهم.