يوالي الدكتور رفعت السعيد المفكر الماركسي المعروف نشر مذكراته تحت الطبع, الجزء الثاني عن الحقبة الساداتية والتي تنشرها (البيان) لقرائها بالتزامن مع صحيفة الاهالي المصرية , وفي حلقة اليوم يخصص السعيد فصلا عن صراع السادات مع مراكز القوى والتي استطاع (دهسها ككومة قش) على حد قوله لينفرد بالحكم. وفي سرده لاحداث تلك الفترة يمر السعيد على كثير من الوقائع المثيرة ويميط اللثام عن اسرار صاعقة, من ذلك ان مخابرات المانيا الشرقية كانت تتنصت على مكالمات السادات الهاتفية, كما يكشف تفاصيل معركة اندلعت بين الاتحاد الاشتراكي ــ البرلمان ــ والتنظيم الطليعي من جهة وصحيفة (الاهرام) ممثلة في رئيس تحريرها الاشهر محمد حسنين هيكل من جهة اخرى, وعن معلومة مررتها الاهرام إلى رئاسة الجمهورية حول مشتريات زوجة علي صبري عضو مجلس قيادة الثورة اطاحت به من على منصبه, كذلك وضع خالد محيي الدين عضو الثورة رهن الاقامة الجبرية في منزله اثر محادثة تليفونية مع شعراوي جمعة وزير الداخلية واحد مراكز القوي آنذاك قال له فيها شدوا حيلكم. وتاليا ما كتبه رفعت السعيد: وفيما كانت مصر تخطو ــ عبر تناقضات الحكم ــ مسرعة نحو 15 مايو, كنا في المجلس المصري للسلام, نستعد للمؤتمر العالمي للسلام الذي سيعقد في (بودابست) . وكان من المفترض ان يحضر هذا المؤتمر اعضاء المجلس العالمي من المصريين. تمت الترتيبات, استعد الجميع, بطاقات السفر وصلت, وفجأة بدأ مسلسل الاعتذارات, في نصف ساعة دق التليفون مرات متتالية لنتلقى في كل مرة اعتذارا عن السفر. كان المعتذرون من اعضاء اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي, فريد عبدالكريم, ود. حكمت ابوزيد, وأحمد الخواجة, وغيرهم, إلى درجة اننا تشككنا في ان ثمة موقفا ضد الاجتماع, أو ضد مجلس السلام, واتصل خالد محيي الدين تليفونيا بشعراوي جمعة (وزير الداخلية, ومسؤول التنظيم الطليعي) ليستفسر, الاجابة كانت: نحن نستعد لاجتماع حاسم للجنة المركزية, وسنحتاج فيه لكل صوت) . (شدو حيلكم) قالها محيي الدين ببساطة وعفوية. ولكن متى كانت البساطة يجري تقبلها ببساطة في اطار مثل هذه الصراعات الوحشية؟ (فشدوا حيلكم) قد تكون تشجيعا, وقد تكون تحريضا, وقد تكون مجرد مجاملة, والآذان التي تتنصت على همسات التليفونات تلتقط, وتنتقي, وتتحفز, ويصل تحفزها إلى درجة تصنيف (شدوا حيلكم) في باب التحريض. المهم استكملنا الوفد بصورة أو بأخرى, وكالمعتاد سافرنا على شركة طيران الايروفلوت عبر موسكو, حيث تجمعت افواج وفود عديدة, وبطائرة (تشارتر) وصلنا إلي بودابست. اخبار من مصر جلسات المؤتمر تتهادى وفق روتينها المعتاد المغموس دوما بالملل, فأنت من فرط التكرار توشك ان تعرف مقدما كل ما سيقال, وكل ما سيحدث, وبينما كنت اتلمس اي عذر لانقذ نفسي من بين امواج الملل, هبطت يد مترفقة على كتفي, انه روميل رئيس وفد المانيا الديمقراطية, وصديق قديم وحميم. كان روميل مرتبكا إلى درجة اربكت انجليزيته المتأنية إلى أخرى مفككة, قال: لدينا اخبار مقلقة من مصر, هناك انقسام حاد في السلطة, هناك حملة اعتقالات واسعة بين كبار المسؤولين, والمظاهرات تملأ الشوارع تأييدا للسادات. لم انتظر كي اسمع اكثر, في دقائق كان الوفد المصري كله ينسحب, خارج قاعة المؤتمر, ويتجمع في غرفة خالد محيي الدين, كان الجو مشحونا بشحنات غريبة, البعض قلق على (الثورة) والبعض قلق على (الوطن) والبعض قلق على (نفسه) والبعض المعتاد على كتابة التقارير يتفرس الوجوه, ويستشف الالفاظ بحثا عن معلومات لتقرير يحدد فيه من ابتسم, ومن انزعج, ليحدد من مع السادات ومن مع الاخرين, والبعض يعرف ذلك, فيصوغ جملا متقنة الصياغة, مصوبة تصويبا متقنا يغسل بها نفسه من اية علاقة مع المعتقلين. بذلنا كل جهد ممكن لتسقط المعلومات, سفارتنا في بودابست, سفارتنا في موسكو, الرفاق المجربون والالمان, اتصلنا عدة مرات بالقاهرة, توسلنا للراديو أن يقول اي شيء, وبالالحاح الجماعي المتراكم, تراكمت قطع من المعلومات لتقدم لنا صورة وان كانت مبسطة لما حدث في 15 مايو. واستغرقنا في محاولات للتحسب والحساب, نحن خارج لعبة السلطة, ولسنا طرفا في صراعاتها, لكن ماذا عن الوطن ومستقبله؟ عرض من برلين يعود الرفيق روميل إلى الظهور, وجهه الان اكثر تجهما, الاحمر ازداد احمرارا, أوما إلي لالحق به في غرفته, دون مقدمات, وبعد ان تأمل الغرفة ليتأكد اننا وحدنا, وتأمل سقفها وكأنه يتمنى الا يكون هناك من يتنصت على ما يقال, فتح الراديو ليحدث ضجيجا وهمس (برلين تبلغكما انت وخالد بانه بالامكان استضافتكما لاي مدى تريدان) وبعد فترة صمت, ربما استعاد فيها نص الرسالة التي لقنت له, اضاف: ان وجدتما هذا ملائما. بلعت ريقي في حركة لا ارادية وسألت, وجيوش من النمل تنتشر في ظهري ورأسي, وهل ترى برلين ان الوضع وصل إلى هذا الحد؟, آن له ان يبتلع ريقه, صمت قليلا وقال: انا شخصيا ليست لدي معلومات, لكنهم ابلغوني هذه الرسالة من لحظات, ولابد ان لها معنى معينا, وانها لاتأتي من فراغ, واذا اردت وجهة نظري, فانا اعتقد انه اذا كانت الاوضاع مرتبكة إلى هذا الحد, فقد يكون التأني في العودة مفيدا. كنت اعرف ان المانيا الديمقراطية متورطة في الهجمة الراهنة التي يشنها خصوم السادات, واعرف من خبرة سابقة انهم وثيقو الصلة بشعراوي جمعة, وكانت شائعات كثيرة تتناثر عن امدادهم الامن المصري بخبرات واجهزة (وفيما بعد علمنا انهم اسهموا في التنصت حتى على مكالمات السادات وعلى احاديثه في بيته) , ومن ثم فحتى لو ان هناك تأنيا في العودة, فبرلين هي اخر ما افكر فيه, وفيما كنت اتجه إلى غرفة خالد محيي الدين لابلغه الرسالة, كان اصرار حاسم يتجمع, لسنا طرفا في شىء, والعودة المتعجلة هي الافضل, على الاقل لنعيش ما يجري, دون نقاش كان خالد محيي الدين يرى الرأي ذاته, وابلغت روميل شكرنا واعتذارنا. هل أحتاج ان اقول ان احداث المؤتمر مضت بلا مذاق, وحتى كل الأوقات مضت بلا مذاق, أن تعيش, تتكلم, تناقش لكن قلبك وعقلك غائبان, أفلتا منك ليعيشا وجد الوطن وهمومه ومخاوفه. وتحسبا لأي شيء جلست طويلا مع فاروج سلاطيان (وكان أكثر من صديق) رتبت معه أشياء كثيرة, من بينها انه في حالة وقوع أي خطر سأرسل له رسالة بريدية على ورق أزرق اللون, وحددنا عبارات محددة, كل منها بريء المظهر, لكن لكل جملة معنى آخر متفق عليه, وفيما بعد اكتشفت انه كان على حق تماما اذ ألح في ترتيب هذه الترتيبات. ومن بودابست الى موسكو كالمعتاد .. وتلقتنا هناك أكثر من مفاجأة في مكتب السفير د. مراد غالب كان د. اسماعيل صبري عبد الله, الذي كان قد استدعى من زيارة لموسكو .. وعلى عجل ليتولى وزارة التخطيط, والسفير نفسه استدعى لتولي وزارة الخارجية, وهطلت معلومات أخرى د. فؤاد مرسي عضو في أمانة الاتحاد الاشتراكي أبو سيف يوسف عين عضوا في مجلس الشعب, لطفي الخولي أمين العلاقات الخارجية بالاتحاد الاشتراكي, البعض من هذه المعلومات أعلن والبعض كان بسبيله للاعلان. أذكر ان د. اسماعيل أبدى تمنعا وسألنا الرأي أكد خالد ود. مراد ضرورة القبول .. وأنا ايضا: لكنني أتذكر ان جملة انطلقت مني دون محاذرة, قلت: (الرجال في بلادنا يمتلكون في أيديهم يمين الطلاق, اقبل فإن وجدت ما يشين الق في وجوههم بيمين الطلاق, افعلها مرة في تاريخ مصر ما بعد 1952 وقدم استقالتك) وعلى الفور أدركت خطر الانزلاق هكذا, فلا الجو .. ولا الزمان .. ولا المكان ملائم لقول كهذا. لكننا فهمنا ــ ودونما حاجة الى تحليل معمق ـ ما يقصده السادات, كان يوجه رسالة حانية الى الرفاق السوفييت (أطحت بالمقربين منكم, وها أنا آتي لكم بالأكثر قربا) واعترف بأن هذه الرسالة نجحت في خداع الجميع .. السوفييت, والذين قبلوا, والذين ألحوا عليهم بالقبول. وأسرعنا الى القاهرة .. كنا في شوق كي نعيش وسط الأحداث وليس مجرد أن نسمع عنها وفي الطائرة جثم على صدري طائر أسود ضخم يغمرني بقلق شديد. كنت في الصباح قد تصفحت الصحف المصرية في مكتب السفير .. عناوين كثيرة , ومقالات أكثر تهاجم (التنظيم الطليعي) (كانوا بالأمس يتعلقون أي ظل من ظلاله) وأحاديث كثيرة عن نشاطه السري في دعم مراكز القوى .. تناسيت الأمر, لكن الانفراد بنفسي في مقعد الطائرة منحني هذا القدر المبالغ فيه من القلق. التنظيم الطليعي حكيت في صفحات سابقة كيف شكلنا مجموعة للتنظيم في (أخبار اليوم) لكنها تبعثرت, ربما لأن القيادة حاذرت منها بسبب ارتباطها بخالد محيي الدين. وقد بدايات عام 1970 (كنت محررا بالطليعة) واتصل بي محمود العالم (كان قياديا بارزا في التنظيم الطليعي) ليبلغني رسالة من شعراوي جمعه يطلب فيها ان نشكل مجموعة للتنظيم في مؤسسة الأهرام, كنا جميعا نعرف ان (هيكل) ضد التنظيم الطليعي, وانه نجح أكثر من مرة في تفكيك محاولات تشكيل مجموعات له في الأهرام .. وقيل يوما ان عبد الناصر أعطاه قائمة بأسماء الأهراميين أعضاء التنظيم, فاستدعاهم واحدا واحدا وأمرهم بتركه .. وكنت أعرف ان هيكل سيبطش بأية محاولة جديدة ان علم أو سمع بها, وفيما أشرب القهوة في بيت (العالم) وافقت بشرط متشدد لن أسلم الاسماء لأحد, ستبقى معي وحدي .. وفقط أعطيكم الأرقام. ألح, وتمسكت, وتشاور ثم وافق. وبدأت في العمل المحاذر .. وتشكلت أول مجموعة من أربعة: أمينة شفيق, عبد المنعم القصاص, ابراهيم عبد الجابر خلاف, وأنا وأبلغت العالم رقم (4) أمينة في الأهرام والقصاص وأنا في الطليعة وخلاف في التوزيع .. وتمدد كل منا في اتجاه حتى تكونت لنا وبسرعة مذهلة شبكة عضوية منتشرة في كل أرجاء الأهرام في المطابع والنقل والاشتراكات والاعلانات والتوزيع .. باختصار في كل مكان. وكانت المعركة في هذه الأيام مشتعلة بين هيكل ورجال الاتحاد الاشتراكي, والتنظيم الطليعي, وعبد الناصر يوازن بينهما, ولعله كان سعيدا بهذا الصراع, فبه يمكن أن يعرف كل شيء وبه يمكنه أن يتوازن مع صراعات القوى. فالأهرام .. كان مصدر المعلومة التي انهت علي صبري ونفوذه المتصاعد: قصة المشتريات الضخمة التي اشترتها زوجته أثناء (زيارة في موسكو) والتي احتاجت الى شاحنة لشحنها الى الطائرة ومنها وحصل فؤاد سعد مندوب الأهرام في الاتحاد الاشتراكي على صورة تليكس مرسل من سكرتير علي صبري المرافق له يطلب فيه ارسال شاحنة الى المطار, ووصلت الصورة الى هيكل ومن هيكل الى حاتم صادق الذي كان موظفا بالأهرام, ومن حاتم (زوج هدى عبد الناصر) الى عبد الناصر. وبدأنا نقدم فيض معلومات وفير من أعمق أعماق الأهرام .. حقيقة الميزانية, حقيقة الانفاق, حقيقة أرقام التوزيع .. وكان البعض سعيداً بذلك. وأبقى طوال رحلة الطائرة مهموما بهذا الهم, ماذا لو عرف هيكل بالأسماء؟ ماذا لو خاف واحد وأبلغه بما يعرف؟ في الماضي كان يحذر في عنف (حتى برغم احتضان عبد الناصر للتنظيم) فماذا سيفعل اليوم في ظل هذه الحملة الشرسة؟ كنت أشعر بمسؤوليتي ازاء هؤلاء جميعا, فأنا الذي فعلت, وورطت, ونقلت المعلومات .. وأدركت لماذا كان ثمة شيء داخلي يستحثني للعودة السريعة, كنت أريد أن أكون هنا, لاطمئن الجميع أن أحداً لا يعرف الأسماء. حرق القوائم وفور عودتي .. أسرعت الى البيت لأحرق قوائم العضوية, ومن البيت للأهرام لأمنح الجميع طمأنينة أن أحدا لا يعرف أي اسم, كان رجال هيكل يطلقون الشائعات .. ان (الأستاذ هيكل عرف الأسماء, وجدوها في أرشيف التنظيم, وانه ينتظر أن يعتذر له من تورط ليعفو عنه) وأبلغت الجميع بكذب هذه الشائعة, وأكدت ان ارشيف التنظيم الطليعي لم يكن سوى أرقام فقط. كنا جميعا في عجلة من أمرنا (خالد أسرع الى الاسكندرية حيث الأسرة فالمصيف, وأنا أسرعت الى الأهرام لأطمئن الزملاء بأن سرهم محفوظ, وأن أحدا لا يعرفه غيري, واستراحت القسمات والملامح, ومصر كلها كانت تلهث لتتابع أحداثا لم يتوقعها أحد, حتى ولا السادات نفسه (ذات يوم قابلت أحد الرؤساء العرب وتذاكرنا هذه الأحداث, قال انه ومع تصاعد الصراع سأل السادات هل هو مطمئن؟ فقال: أنا أراهن على انهم جميعا (قش) .. وعلى انهم يخشون بعضهم البعض, ويكرهون بعضهم البعض) كانت الأحداث تتسارع, أو بالدقة تلهث, لتلهث معها قلوب المصريين وأوجاعهم .. وعلى السطح يطفو منصب غريب, ورجل أكثر غرابة, (المدعي الاشتراكي) والرجل د. مصطفى أبو زيد, صعد سريعا بلا سابق مقدمات, ولعله من فرط سرعة الصعود فقد توازنه, وتصور انهم مهم فعلا, ولم يدرك انه مجرد ضرورة متعجلة, لمعركة متعجلة, وانه الى أفول فور انتهاء الدور المنوط به, تصور الرجل انه أمسك برقاب الناس, وقرر ان يمارس, وبالفعل تحكمه في رقاب الناس. وفيما كنت عائدا الى المنزل جاء صوت عبر التليفون: كلم السيد المدعي الاشتراكي, جاء الصوت مترفعا, مغلفا بترفع متعمد, وصلف مصنوع. فين خالد؟ خالد مين؟ خالد محيي الدين. في الاسكندرية. وطلب العنوان ورقم التليفون, مرق سهم ملتهب أمام ناظري, قلت: لا أعرف قال: على العموم حنقدر نجيبه (قالها بلهجة متوعدة أثارت مخاوفي) وأضاف في وعيد: (واذا اتصلت به أبلغه أن يحضر فورا لمكتب المدعي الاشتراكي في مبنى قيادة الثورة) . (يا لهذا الزمان) .. دقت العبارة فوق دقات قلبي, في هذا المبنى, ذات المبنى, كم من مرة دخل خالد محيي الدين حاكما .. والآن يستدعيه هذا الـ .. بهذا الصلف, فكيف ستدق أقدامه أرض المكان؟ وفيما أضع السماعة, رن التليفون مرة أخرى. كانت انجي رشدي تسأل عن أحوالي وأحوال الأستاذ خالد, أفضيت لها بمخاوفي قالت: (كلم الأستاذ هيكل, هو لازم يعرف كل حاجة) .. وكلمت هيكل وأبديت له مخاوفي, لكنه طمأنني, لأن لا شيء ضد خالد على الاطلاق, قلت: لكن لهجة المدعي الاشتراكي كانت حادة جدا, قال ببساطة مترفعة: (سيبك منه ده ..) وشتم شتمة كبيرة, اتصل بخالد وبلغه ان مفيش حاجة. ويبدو ان هيكل لم يكن يعلم ما يسرع به المدعي الاشتراكي, فقد كان يؤكد انه لاشيء عليه, وعلى أية حال اتصلت بخالد وحكيت له الحكاية, سأل (ما رأي الأستاذ هيكل؟) قلت: قال انه .. (هذه المكالمة سجلت وعرضت على المدعي الاشتراكي, ودفعته الى الهجوم على هيكل, وكان يقول بلا احتراز (أنا نفسي في هيكل, أجيبه هنا وأحقق معاه) لكن دور السيد المدعي كان محدودا ومحددا). شدوا حيلكم عاد الأستاذ خالد الى بيته بعد الغروب, من هناك كلمني, قال انه ذاهب الى المدعي الاشتراكي, وسيتصل بي فور عودته, طال الزمن, أو لعله تباطأ عن عمد ليرهق أعصابا هي مرهقة بالضرورة, بعد ساعات عدة مرت بأطول من قياسها الافتراضي بكثير, كلمني الأستاذ خالد .. كانت كلمته متأنية وهادئة وحزينة, التحقيق جرى كله حول عبارة (شدوا حيلكم) قالوا لي (كنت تحرضهم كنت تعرف مخططهم كنت , وكنت) . حاول خالد أن يفهم عقلا كان مستعصيا على الفهم, وانتهى الأمر بقرار وضعه في الاقامة الجبرية في منزله, (بعدها عرفنا ان قرارا بالقبض عليه كان قد صدر بتهمة الضلوع في المؤامرة, لكن السادات استعاد تقاليد اعضاء مجلس قيادة الثورة في تعاملهم مع بعضهم البعض, واكتفى بوضعه في الإقامة الجبرية). بعدها بقليل ــ بعد ان استعددت للخروج ــ حاولت الاتصال به مرة أخرى لأبلغه انني ذاهب اليه .. التليفون لم يرد (قطعوا الحرارة فور مكالمته معي) أسرعت الى بيته, أمام باب الشقة مخبر منعني من الدخول .. لم أضيع وقتا .. نزلت مسرعا واستدرت وصعدت من سلم الخدم الخلفي, دققت باب المطبخ فتح لي , تشاورنا .. ماذا سأفعل .. كيف سأبلغ الصحف ووكالات الانباء, وماذا سأقول لمدام سميرة, وكيف سأدعوها للحضور فورا من الاسكندرية؟ ومن سلم الخدم نزلت. كان الهم الأكيد هو ماذا سأقول لمدام سميرة (زوجة خالد) كيف أنقل اليها الخبر دون أن أزعجها؟ وهل يمكن ألا تنزعج, فالحمى الإعلامية تصدع الرؤوس, بل تدمرها بأحاديث هوجاء مشتعلة عن (المؤامرة) و(مراكز القوى) والمحكمة الخاصة التي ستحاكمهم بتهمة الخيانة العظمى, وبجهد جهيد نجحت في الاتصال بهيكل, وجدته يعرف, تجاهل وتجاهلت ما حاول قبل ساعات أن يطمئنني به من كلمات.