استبعد المؤرخ البلجيكي ريمون ديتريس تخلي الرئيس اليوغسلافي سلوبودان ميلوسيفيتش عن السلطة, معتبرا ان أمامه فرصة ذهبية لتمديد أمد وجوده على سدة الحكم, عبر استثمار اخطاء حلف الناتو والتي حولته الى بطل شعبي على غرار صدام حسين . وقال المؤرخ البلجيكي في حواره مع (البيان) ان شعبية ميلوسيفيتش ساهم الساسة والاعلام الغربي في تدعيمها دون قصد عن طريق تضخيم شخصيته والمشكلة التي يثيرها بتعنته, الأمر الذي ضاعف من شعبيته وحوله الى بطل قومي في نظر شعبه وحامي حماهم, وقد استثمر ميلوسيفيتش هذه اللعبة لاطالة أمد الحرب من جانب, ولكسب مزيد من الانصار والشعبية الداخلية من جانب آخر, بينما نظر له الغرب نظرة واقعية وتم تقييمه كسياسي بلقاني عادي, وتم التركيز على حكومته, وتوجيه الحوار الى الشعب اليوغسلافي مباشرة عن أهمية السلام بالنسبة لهم, لما حدث ذلك, وهذا هو ذلك الخطأ الذي ارتكبته امريكا مع صدام حسين, عندما أهملت مخاطبة الشعب, وتم التركيز على شخصية صدام حسين, وتركز الهدف الأمريكي على اسقاطه من الحكم, وأقدمت على ضربات أضرت بالشعب وزادت من معاناته, فلم يعد لهم من مفر سوى الالتفاف حول زعيمهم الموجود في السلطة وكأنه هو الخلاص بالنسبة لهم من القبضة الامريكية, وهذا النموذج تكرر تماما مع ميلوسيفيتش, حيث وجهت القوات الغربية على رأسها أمريكا الضربات لتدمير البنية التحتية مما أضر بالشعب اليوغسلافي واضطرهم ايضا للالتفاف حول رئيسهم الذي وجدوا فيه روح المكافح أو التصدي للتحالف الغربي ضدهم. وأكد ان ميلوسيفيتش سيرتكز في المرحلة المقبلة على السعي لمكافحة البطالة واجراء اصلاحات اقتصادية واعادة الاعمار, وسيعتمد في ذلك كله في الطرق على الحديد الساخن بأنه وشعبه يجب عليهم بذل الجهود لاصلاح ما أفسده الحلف وقواته العسكرية, وانهم عليهم خوض حرب التعمير بنجاح كما صمدوا في الحرب العسكرية ضد دول الحلف. تجدر الاشارة هنا الى ان ضربات الحلف قد وفرت على ميلوسيفيتش المعاناة التي كانت تلازمه قبل الحرب في اغلاق الشركات الخاسرة, حيث ان أخطر المشاكل التي تواجه ميلوسيفيتش وقد تنهي وجوده السياسي, هو بدء محكمة مجرمي الحرب في لاهاي في العمل بجدية والمطالبة بتنفيذ أمر القبض عليه ومحاكمته في لاهاي, الأمر الذي سيشكل عقبات أمامه في السفر خارج بلاده للقيام بمهام سياسية, والتي لن يستطيع الاقدام عليها أبدا, وفي هذه الحالة سيتخلى عن شعبه, فليس من المعقول ان يستمر التفاهم حول رئيس سجين في بلاده, كما من غير الممكن ان يأتي اليه كل الزعماء الذين سيتفاوضون معه حول السلام والإعمار الى داره أو مكتبه دون ان يبادلهم الانتقال الى بلادهم. والصراع بين الألبان والصرب لا يمكن تصنيفه في لونين متناقضين الأبيض أو الاسود فقط, فبداخل جيش تحرير كوسوفو توجد نفس مشاعر القومية ونغمتها المرتفعة والموجودة داخل الصرب, واستعداد جيش تحرير كوسوفو من أجل الاستقلال يدفعها للتضحية للنهاية حتى سقوط آخر رجل لديها, ولديهم ولاتزال حتى الآن استراتيجية ثابتة تم تجربتها عشرات المرات, تبدأ ببعث روح المعارضة والرفض, التي تقابلها عمليات قمع من الجيش الصربي, وبهذا يجد جيش كوسوفو الذريعة للتحرك وابراز قضيته أمام الرأي العام الدولي ولفت النظر اليها, وقد مارس جيش كوسوفو ذات التجربة في عام 1998 ولكنهم فشلوا. وتنص اتفاقية رامبوييه على حق تقرير المصير لشعب كوسوفو في مجتمع متعدد الثقافات داخل يوغسلافيا, وايضا أكدت اتفاقية سلام كوسوفو الحديثة هذا الحق, غير ان المراقبين السياسيين يؤكدون انه على المدى الطويل لن يتحقق حدوث ذلك, ومن الممكن فقط بقوات عسكرية أجنبية ان يتم ضمان حدوث حكم ذاتي لكوسوفو داخل يوغسلافيا, وتكمن المشكلة في عدم موافقة الكوسوفيين على اتمام ذلك تحت وجود قوات أجنبية, كما يرفض الصرب ايضا تدخل قوات أجنبية في هذه المسألة, ومن المتوقع ان يستمر كفاح الكوسوفيين من أجل الاستقلال. كان اتحاد الجمهوريات اليوغسلافية الفيدرالية قبل وفاة الرئيس تيتو يضمن سلامة كل الاقليات ذات الاصول العرقية في مجتمع واحد, وفي الواقع فإن الغرب لم يبذل مساعي جدية قبل حرب البوسنة والهرسك للحفاظ على الفيدرالية اليوغسلافية, وهو الأمر الذي أدى الى تفكك يوغسلافيا وانفصال كرواتيا, سلوفينيا, صربيا, على مرأى ومسمع من الاتحاد الاوروبي الذي يدعو الى الوحدة لا التفكك, وهو أمر مثير للتساؤلات, كما ترك صندوق النقد الدولي يمارس ضغوطه على يوغسلافيا دون تدخل لتقديم مساعدات اقتصادية اوروبية حتى تفجرت حرب البوسنة والهرسك التي انتهت باتفاقية دايتون للسلام, تلك الاتفاقية التي تحميها القوات العسكرية الاجنبية, ولكن الى متى ستظل هذه القوات باقية للحفاظ على أمن وسلامة هذا المجتمع المتعدد الثقافات وحماية أقلياته؟! لقد ترك الغرب يوغسلافيا تحتضر, وبدلا من حماية الفيدرالية اليوغسلافية لبقاء مجتمع متعدد الثقافات قائما, جاء خياره لدويلات عرقية صغيرة, والآن يدفع الاوروبيون الثمن, ويواجهون نتيجة تجاهلهم اخطائهم في حق يوغسلافيا, ومن حق كوسوفو الآن ان تطالب باستقلالها على غرار استقلال سولوفينيا وكرواتيا, ولا يحق لأحد حرمانها من هذا الحق. بروكسل ــ حوار سعيد السبكي