كشف وزير الخارجية السوداني الدكتور مصطفى عثمان اسماعيل عن وجود مساع عربية لانهاء الحرب في السودان بعضها علنا والاخر يعمل في الخفاء مؤكدا دعم الحكومة لهذه الجهود من اجل تحقيق الوفاق السوداني . واكد الوزير في حوار صريح اجرته معه (البيان) ان هناك ضغوطا على السودان لاعادة تطبيع علاقاته مع الغرب والاوروبيين مشيرا الى انه لمس خلال اللقاءات مع المسؤولين الاوروبيين ان هناك اربع نقاط مطلوبة من السودان مقابل العمل على رفع الحصار حددها بالديمقراطية وحقوق الانسان والارهاب واحلال السلام في الجنوب. وتناول وزير الخارجية في حواره قضايا السودان الداخلية والخارجية وايضا مسألة الحوار مع المعارضة اضافة الى العلاقات المتوترة مع امريكا قائلا ان امريكا هي العائق الاساسي امام انفتاح السودان على المجتمع الدولي. وفيما يلي نص الحوار: ما الهدف من جولتكم الاوروبية؟ ـ الجولة تأتي في اطار انفتاح السودان على العالم الخارجي وكما تعلم انه منذ قيام ثورة (الانقاذ الوطني) في العام 1989 وحتى بداية العام الماضي, كان هناك شبه قطيعة بيننا وبين اوروبا, ولكن في العام الماضي زار السودان حوالي ستة عشر وزيرا اوروبيا وبدأنا نحن ايضا في الاتصال بأوروبا حيث هذه الجولة هي الثالثة من نوعها والتي بدأتها في العام الماضي. وهذه الجولة تشمل دولتين عربيتين وخمس دول اوروبية بدأت بالقاهرة فنلندا, الجزائر, ايطاليا, اسبانيا, المانيا وختاما زيارة رسمية لباريس هي الاولى لوزير خارجية سوداني منذ العام 1989 اي منذ عشر سنوات, والهدف منها هي وضع الدول الاوروبية حول مايجري في السودان, تطوير العلاقات الثنائية بيننا وبين اوروبا ومعالجة الملفات الاقليمية بتبادل الاراء والوصول الى رؤية مشتركة. هل تعولون على دور اوروبي وهل هو قادر على التمايز عن الدور الامريكي؟ ـ الى حد كبير نستطيع ان نقول ان علاقاتنا مع اوروبا تتحرك الى الامام وهذا يعطي مساحة اكبر للحركة بالنسبة لاوروبا في الشأن السوداني, مازالت علاقتنا مع الولايات المتحدة يشوبها الفتور وبالتالي يصعب على الولايات المتحدة ان تتحرك طالما العلاقات لم تعد الى وضعها الطبيعي. ولكن الاترون ان هناك حدودا للتحرك الاوروبي في مسألة السودان من قبل الامريكيين؟. ــ حتى الان نحن فتحنا الباب لتحرك اوروبي, كما تعلم ان اوروبا دخلت في الشأن السوداني من باب اصدقاء منظمة (ايجاد) والتي تطورت الى شركاء الايجاد والتي تقودها الان النرويج, وايطاليا, وفي الاونة الاخيرة نشطت هذه المجموعة وقدمت مبادرات اعتقد ان من شأنها ان تدفع بعملية السلام في السودان. 4 نقاط مطلوبة ومن خلال تجوالكم ولقائكم مع المسؤولين الاوروبيين هل هناك شيء محدود ومطلوب من السودانيين مقابل رفع الحصار عن السودان؟. ــ ربما كانوا دوما يتحدثون عن اربع نقاط الديمقراطية, حقوق الانسان, الارهاب, واحلال السلام في جنوب السودان, ونحن من خلال معالجتنا لهذه الملفات في السودان, شعرنا ان هناك تقديرا من الدول الاوروبية التي زرتها حتى الان هناك تقديرا لما تحقق حتى الان هناك تشجيع ودعم كي يمضي السودان في هذا الاتجاه. لكن ماهي العوائق التي تقف اليوم دون هذا الانفتاح من قبل المجتمع الدولي ولاسيما الامريكيين باتجاه السودان هل هناك عوائق محدودة ــ امريكا العائق الاساسي لانها ظلت تتبع سياسة لتغيير النظام في السودان, هذه السياسة وصلت الى قمتها بضرب الولايات المتحدة لمصنع الشفاء للادوية في اغسطس من العام الماضي, نحن اخذنا هذه القضية وصعدنا بها الى مجلس الامن وطلبنا منه ان يرسل لجنة تقصي حقائق كي تتعرف على الحقيقة هل الولايات المتحدة مخطئة ام السودان مخطىء وقررنا مسبقا ان نقبل بالنتيجة, الولايات المتحدة في مجلس الامن قالت انها تطلب من المجلس اعطاءها فرصة لمحاولة ايجاد حل ثنائي نحن الان نتحاور من اجل الوصول الى حل ثنائي يعالج كافة الملفات العالقة بيننا وبين الولايات المتحدة فإذا نجحنا سنكون بدأنا بصفحة جديدة في العلاقات السودانية الامريكية واذا لم ننجح فسنعود الى تنشيط ملف معمل الشفاء للادوية في مجلس الامن وستظل العلاقات على ماهي عليه اليوم. تورط اسرائيل هناك اتهامات بأن اسرائيل تلعب دورا في هذا الاطار؟ ـ اجهزة الاعلام الاسرائيلية هي التي ذكرت مرارا ان هناك زيارات قام بها العديد من القيادات في حركة (التمرد) ولقاءاتهم رئيس وزراء اسرائيل السابق وتدريب عدد من جنود الحركة في اسرائيل, هذه المعلومات ذكرتها الاجهزة الاسرائيلية وليست بخافية على احد. العلاقة مع امريكا هل لكم ان تخبرونا الى اين وصلتم في اتصالاتكم مع الامريكيين خصوصا وان هناك اخبارا عن اعداد المرحلة جديدة, اي هل انتم حريصون على تحسين علاقاتكم مع الامريكيين؟ ــ الاجابة نعم, ولكن ليس بأي ثمن. ـ ماهو الثمن المطلوب من السودان؟. ــ اذا كان الثمن المطلوب من السودان لتحسين علاقاته مع الولايات المتحدة هو ان يمحي نفسه من الخريطة, هذا غير مقبول بالنسبة لنا, اما اذا كان تحسين العلاقات مطلوبة وتقوم على المصالح المتبادلة وعلى الاحترام وعلى النقد البناء فنحن حريصون على هذه العلاقة, واشير لك لاقول اننا لم نكن يوما البادئىن بالمناكفة مع الولايات المتحدة بل كنا دوما نسعى للحوار ولحل المشاكل. لماذا يريد الامريكيون ان يمحوا السودان؟ ـ الامريكيون يعتقدون ان السودان يهدد مصالحهم في المنطقة وان السودان يزعزع الاستقرار في دول الجوار وانه يدعم الارهاب وظل الامريكون يتلقون هذه المعلومات ويصدقونها ونحن كلما تحدثنا معهم في ان هذه المعلومات غير صحيحة وانه اذا كانت لديكم وثائق اكشفوها ظلوا يرددون بأنهم لن يكشفوا مصادرهم, الى ان وصل الامر الى قصف الشفاء, اعتقد انهم الان يراجعون كل مصادرهم ومعلوماتهم عن السودان. كوزير للخارجية هل يمكننا القول اننا انتقلنا من ارهاب اشخاص ومؤسسات ومنظمات الى ارهاب دول؟ اسرائيل تمارس هذا الارهاب في فلسطين وفي لبنان, وهي من حاولت قتل خالد المشعل في الاردن. هل سيستمر هذا الوضع وتحت شعارات انسانية, ومن سيحول دون تفرّد هذه الدول في القرار العربي؟ ــ اما ان تعيد الولايات المتحدة نظرتها الى شؤون المنطقة وتغيّر سياساتها أو اننا سنبقي وتصر على الاستمرار في هذا الخط, وبالتالي يستمر هذا الاحتقان في المنطقة والى المزيد من التوتر وبالتالي المزيد من التدهور في العلاقات بين دول المنطقة والولايات المتحدة. هل الفرنسيون مؤهلون للعب هذا الدور؟ ــ ليس هذا الدور أو غيره, نحن نتحاور ونعرض أفكارنا على الطاولة بطريقة واضحة, ونقول ان الحوار هو الوسيلة الحضارية لمعالجة المشكلات سواء كانت في داخل البلد, أو مع دول الجوار أو مع الولايات المتحدة.. الطريق ليست مغلقة والقنوات مفتوحة, المهم هل ان الحوار سيكون حوار طرشان أو ان يكون حوارا مجديا يصل بنا الى نتيجة, هذا ما سيحدده المستقبل. الحرب في الجنوب اليوم تحدثتم عن خطة لانهاء الاقتتال في جنوب السودان, ما هي؟ وهل حقيقة انتم تسعون لوقف القتال؟ ــ العالم يتحدث الآن ان الحرب يجب ان تقف, نحن تجاوبنا ونتجاوب مع النداء العالمي, ونقول اننا مستعدون لوقف شامل لاطلاق النار, العالم كله يتحدث عن انه لابد من حل سلمي لمشكلة جنوب السودان, نحن نطرح حلا يقر بأن السودان قطر متعدد الأعراق, متعدد الثقافات, متعدد الديانات, وان المواطنة يجب ان تكون هي الاساس حتى يشعر كل مواطن انه متساو مع الآخرين في السودان. نحن نعرض القضية الديمقراطية كحل للتداول السلمي للسلطة, نحن نعرض الفيدرالية كحل لعملية التنوع والمحافظة على وحدة السودان, نحن نعرض حلا جُرّب في العديد من الدول الشبيهة بالسودان, ما نريده من المجتمع الدولي الضغط على الطرف الآخر حتى يوقف هذه الحرب اللعينة ونصل الى السلام الذي يحقق التعايش السلمي بين أبناء السودان على مختلف دياناتهم وثقافاتهم وأعراقهم. ماذا عن الفئات الاخرى المعارضة كالصادق المهدي, وعلمنا ان هناك اتصالات واجتماعات معه, هل هذا صحيح؟ ــ أية حكومة عاقلة تريد ان تبني البلد, لابد من ان تشرك جميع أبناء الوطن, حكومة الانقاذ في السودان تؤمن بأن من مسؤوليتها ان تسعى الى المعارضين في كل مكان في الداخل أو في الخارج, وان تدخل معهم في حوار ينتهي في النهاية بأن أي مواطن سوداني يشعر بأنه يعيش في أمان في داخل السودان أكثر من خارجه.. يستطيع ان يعبر عن رأيه وان يمارس حياته السياسية داخل السودان أفضل مما هو عليه في خارج السودان.. هذا هو هدفنا, وهذه خطتنا التي لن تتوقف مهما كانت صعبة المنال, في هذا الاطار تم الاتصال بالرئيس النميري, وفي هذا الاطار يتم الاتصال بالصادق المهدي ومحمد عثمان الميرغني وجون قرنق حتى يشارك الجميع في بناء السودان. ضمانات حكومية حضرة الوزير, ما هي الضمانات التي تقدمونها للمعارضة كي تمارس العمل السياسي بحرية, ومن يضمن لها العودة وعدم تعرضها للضغوطات؟ ــ تسألني يا أخي عن الضمانات وأنت تقرأ ما يجري اليوم في السودان, جعفر النميري بعد ستة عشر عاما في المنفى جاء الآن ويرأس حزبا ويمارس حياته السياسية, الهادي بشرى الذي كان في القيادة العسكرية في الجنوب جاء الى السودان وهو الآن وزير الاتصالات, لام أكول الذي كان يقود فصيلا مسلحا هو الفصيل المتحد جاء الآن وهو وزيرا للنقل في السودان, الدكتور رياك مشار الذي كان نائبا لقرنق, هو الآن في السودان ومساعدا لرئيس الجمهورية ولديه حزبه, كاربينو الذي أسس حركة التمرد, حينما طلب السلام جاء الى السودان وهو الآن يعيش داخل السودان, الشريف الهندي الأمين العام للحزب الوطني الاتحادي حينما قرر ان يأتي الى السودان جاء الى السودان وشكّل حزبه ويمارس حياته, أعطني مثالا واحدا لمعارض سوداني جاء الى السودان ويريد ان يمارس حياته السياسية وأخذته الحكومة ووضعته في السجن أو عرقلت له ممارسة حياته السياسية.. لماذا أنتم يا أخي لا تضعون الأمور في نصابها؟ ولماذا لا تذكرون الحقائق؟.. أليست هذه ضمانات كافية؟! مساع وجهود عربية هل هناك مساع عربية لانهاء اقتتال الاخوة في السودان؟ ـ هناك جهود تبذل, بعضها علنا, وبعضها في الخفاء, والذي أراد ان يسعى للوفاق بين الاخوة في الخفاء فنحن نسأل الله سبحانه وتعالى ان يعطيه أجرا, وهناك دول تعمل في الخفاء والعلن, ونحن ندعم جهودها, ومنها مصر والاشقاء في ليبيا, الذين يسعون الى جمع الشمل وتحقيق الوفاق, ونحن نقدر جدا هذه المساعي ونتجاوب معها الى ان نصل الى الوفاق السوداني. الى أين وصلت الحوارات مع المصريين؟ ــ هذه الجولة, كما ذكرت, بدأت في مصر باجتماع مع الأخ وزير الخارجية المصري عمرو موسى وعدد من المسؤولين المصريين, وفي هذه الاجتماعات استطعنا ان نحدد العقبات التي تقف دون تطور العلاقات ونضع الحلول حتى تنطلق هذه العلاقة الى الأمام, واعتقد انه في بحر هذه الاجتماعات بدأت هذه الظاهرة في الحلحلة, وبدأنا في تنفيذ ما اتفقنا عليه, واعتقد ان الأيام المقبلة ستشهد المزيد من الانفراج والتطبيع في العلاقات المصرية ــ السودانية. وماذا عن الطرح الليبي؟ ــ حتى أكون واضحا.. ليبيا من أكثر الدول العربية اهتماما بالشأن العربي, وهي أكثر الدول دعما لحركات التحرر الافريقية, وانا شخصيا مقتنع بأن الحصار الذي فرض عليها وما سمي بقضية (لوكيربي) لم تكن في الحقيقة نتيجة قضية (لوكيربي) , حتى ولو كانت صحيحة, فإنها لوقف هذا النشاط الليبي. انطلاقا من ذلك أقول ان ليبيا لا تهتم فقط بالوفاق السوداني, لكنها ظلت مهتمة بالعلاقات السودانية العربية أو العلاقات السودانية ــ الافريقية, هي التي سعت الى اصلاح العلاقات المصرية ــ السودانية, هي التي سعت لفترة طويلة جدا لاصلاح العلاقات السودانية ــ الاوغندية, والآن لعلك ترى انه بمجرد ان رفع الحصار عن الجماهيرية الليبية, شرعت ليبيا ان تكون دولة سلام في القرن الأفريقي, فهي تعمل الآن في منطقة البحيرات, وهي تعمل في مختلف المناطق الافريقية من أجل احلال السلام. نحن كجيران لليبيا, كانتماء للعربية, كانتماء للأمة الاسلامية, ليس هناك أي شيء مستغرب في ان تبذل ليبيا الجهود لاحلال السلام. باريس ـ طوني شامية