في بلجراد تنطلق الصافرات لتعلن انتهاء الانذار في الساعة السادسة صباحا, وصافرات الانذار هذه تنطلق في ساعات متغيرة, وبعدها تتناهى الى اسماعنا اصوات الصواريخ المضادة للطائرات, وعلى مبعدة تتساقط القنابل على الضواحي القديمة . قبل ضرب السفارة الصينية في الثامن من مايو بدأ قادة الحلف الاطلسي يترددون في القصف الجوي, وفي الحقيقة بدأوا يختارون اهدافا جديدة في مركز المدينة في ساحة الجمهورية, لا تزال المنصة موجودة, وفرق الاوركسترا تعزف ظهرا ومساء وفي أي وقت تتمكن من ذلك حيث اصبحت رمزا للمقاومة الصربية. وفي شارع الامير ميشيل وهو اكبر شارع للسير, الحشود الكثيفة على الدوام, والمقاهي مكتظة بالرواد, وتتمتع بروحية الشباب التي تعود الى ايام زمان.. ولكن ينبغي ألا يخدعنا هذا المظهر, ذلك لان الحرب تضرب كل عائلة, والدلائل بانت قبل بدء الضربات الجوية. فلا تزال العقوبات الاقتصادية ـ والتي كان من المفترض ان ترفع بعد التوقيع على اتفاقيات دايتون حول البوسنة ـ تصيب البلد بالشلل منذ اشهر. والآن تضاف آثار الضربات الجوية الى ذلك. لي صديق يوغسلافي يعمل في شركة تقع مكاتبها في البناية القديمة للجنة المركزية للحزب الشيوعي, فقد دمرت هذه البناية اثر القصف الجوي وتوقفت شركته عن العمل, وثمة شركة اخرى في البناية تعمل على تنظيم اقامة رجال الاعمال الالمان الذين لم يعودوا يأتون بسبب عدم وجود العمل, وفي كراجوليفاك, دمر اكبر مصنع للسيارات في البلد من خلال صاروخ موجه بدقة كبيرة ولهذا فالعمال سيبقون في منازلهم دون عمل. وسكان بلجراد ليس لهم الحق إلا في حيازة عشرين لترا من البترول في الشهر, هذا اذا ما افترضنا ان محطات الوقود تكون مزودة بالبترول وترى الطوابير تحتشد امام المخازن في بلد يدمن غالبية سكانه على التدخين, فقد اصبحت السجائر بقيمة الخبز. ومنذ ان بدأ الحلف الاطلسي يجرب قنابله على المواقع الالكترونية فالمآسي اخذت تصيب المستشفيات وبدأ المواطنون يكتشفون الشموع والمصابيح الحبيبة التي تعمل بالبطاريات والحياة طبيعية في المظهر الخارجي فقط وفي الحقيقة فإن الناس يكافحون من اجل العيش. والصرب مشهورون بسرد الفكاهة السوداء على سبيل المثال يتناقش ثلاثة اشخاص احدهم يقول: ماضينا تراجيدي حقا, فيجيبه الثاني: الحاضر اسوأ, فيما يهمس الثالث: لا تنشغل بالمستقبل لانه لا وجود له. والثالث كما يبدو يفتقر الى اللياقة حيث يضيف قائلا: في رامبوييه قالت لنا مادلين اولبرايت انفعل السلام ام نفعل الحرب؟ ماذا تريدينا ان نفعل؟ هكذا تسير الحياة على خلفية الموت, وكل واحد يعرف هنا ان عدد الضحايا يزداد يوما بعد آخر. وبين بلجراد وبريشتينا لا تزال شاحنة مدمرة بقنابل الحلف الاطلسي شاخصة على جسر مهدم. والدخول الى كوسوفو يعني القفز في الفراغ, على طول كيلومترات, على امتداد الطريق ترى البيوت مهجورة, ومنازل الالبان المسلمين ظاهرة للعيان من معمارها وحدائقها, بعضها محترق او مقصوف بالقنابل واثار الحرب بادية. في بريشتينا قام جيش تحرير كوسوفو بعمليات عديدة ضد الصرب, وبناء على اقوال شهود ان الميليشيا الصربية استعانت بالجيش اليوغسلافي مرات عديدة ولم تستجب بلجراد بسبب تواجد منظمة الامن والتعاون في اوروبا. قبل بدء عمليات الحلف الاطلسي كان قادة البان كوسوفو متفائلين امثال آدم ديماسي وابراهيم روجوفا وغيرهما ممن كانوا يتوقعون بأن الحرب ستكون قصيرة يليها استقلال كوسوفو, مما لا شك فيه انهم اخطأوا وربما بشكل غير ارادي حول مقاصد الحلف الاطلسي وهكذا عمل الجيش اليوغسلافي على منع جيش تحرير كوسوفو من ان يتحول الى عنصر مهيأ لاي هجوم بري متوقع من الحلف الاطلسي. ويبدو ان الجيش اليوغسلافي لم يتأثر كثيرا بالقصف, اما البنية التحتية وعلى الخصوص الجسور فقد اصيبت بشكل كبير, وكوسوفو ليست خالية من السكان نهائيا, وبعد الساعة السادسة مساء لا ترى احدا يتجول في الشوارع والازقة ومن غير الممكن الحديث الى اولئك الناس اذ سرعان ما تصرخ بك امرأة من شرفة منزلها: هيا اذهب.. ماذا تريد منهم؟ توتر الحرب شيء لا يمكن احتماله هنا. من الواضح ان الصربيين يريدون التوصل الى اتفاق ولكن هل سيوافق الحلف الاطلسي؟