مع اقتراب بزوغ فجر الالفية الثالثة تتصاعد قوى تيار سياسي يميني نافذ في الولايات المتحدة, هو تيار الاصولية الانجيلية البروتستانتية , الذي اصبح يمثل صلب قاعدة الحزب الجمهوري ولب برامجه السياسية, ويحاول ان يصوغ الحزب بالكامل صياغة دينية قائمة على النبوءات والبشارات التي حفل بها (سفر الرؤيا) . سياسات (القيامة) وفي قيادة هذا التيار الديني يوجد كاهنان كبيران هما: جيري فولويل, وباث روبرتسون, وهما الآن يعدان من ابرز نجوم السياسة والدين والاستقطاب في امريكا وقلما يمر يوم إلا ويظهران على شاشات التلفاز وقلما يظهرا على الشاشات, من دون ان يفجرا قنابل مدوية في نقد الليبراليين والعلمانيين, او ان يرسلا بشارات جديدة بقرب اليوم الموعود, واحدى آخر تلك البشارات (الانذارات) جاءت في شكل الاعلان الذي هللت له اوساط كثيرة بقرب ظهور المسيخ الدجال, لانه قد ولد فعلا الآن, وفي مكان ما, لا يعرفه إلا جيري فولويل وقليلون. اما باث روبرتسون فقد اعلن ان الفصل الخاتم للحياة في هذا الكوكب الارضي قد ازف. وبلغت به الجرأة ليحدد ذلك اليوم بالضبط. وحسب رؤيته فإن ذلك اليوم سيأتي في 29/ ابريل 2007م وهو ميعاد قيام معركة هرمجدون المهلكة وهو اليوم الذي يتوافق مع الذكرى الاربعمائة لانشاء مستوطنة كيب كيندي العبرانية بأمريكا, والذكرى الاربعين لاحتلال الجيش الصهيوني للقدس الشريف عقب حرب الايام الستة, ويترافق ايضا مع مناسبة عيد الميلاد السابع والسبعين لصاحب النبوءة باث روبرتسون, الذي بلغ به الغرور ان وضع نفسه في مقام الشخصيات الدينية التاريخية الخارقة التي ارتبط بعضها بيوم نهاية العالم. هذه النبوءات التي تبدو من طراز احاديث الوعاظ المجدفين, لم يتردد صاحبها ـ باث روبرتسون ـ في ان يعقد حولها فصلا صافيا, في كتاب جدي ـ اصبح مقررا دراسيا جامعيا! ـ باسم النظام العالمي الجديد وهو نظام عالمي سياسي ديني المنزع, يزعم الاصوليون انه سيرث النظام العالمي الهش السائد حاليا والذي لما يتبلور بالكامل بعد! الضلال.. لا الحرب هنا تتطابق السياسة العالمية مع الفكر الديني اذ يقرر الاصوليون ان ضلال البشر عن العقيدة الحنيفية في السيد المسيح, هي مشكلة العالم الاولى.. فالمشكلة العالمية الاكبر ليست هي مشكلة الحرب وويلاتها, كما يقرر الواقعيون الذين يتحكمون في صنع وتنفيذ السياسة الخارجية الامريكية, وانما هي مشكلة الضلال العقائدي, ولذلك فلابد من ادخال هذا البعد العقائدي الروحاني, في صلب, بل في مقدمة اجندة السياسة الخارجية الامريكية, من اجل حماية النصارى عبر العالم, وكذلك لاسماع صوت الانجيل الى اكثر من ملياري انسان اكثرهم من المسلمين والهندوس والبوذيين والكونفشيوسيين. وفي اعتقاد الاصوليين فإن ظروف الاحادية العالمية الحالية, انما هي الفرصة السانحة التي ينبغي ان تنتهز لنشر وتعميم الديانة النصرانية على نطاق العالم كله, وفي نقدهم للقادة السياسيين العلمانيين فإنهم ينعون عليهم تفريطهم في ذلك الواجب وحيادهم إزائه, الامر الذي اضر كثيرا بالاداء الرسالي لحضارة الغرب, والامثلة التي يسوقونها لذلك التفريط التاريخي تجاه العقيدة, تتمثل في عدم الاهتمام بتنصير العالم الاسلامي ايام استعماره, ورفضه الاستجابة لنداء كابلاي خان, الذي ارسله عبر الرحالة ماركو بولو الى حكام الغرب, ليرسلوا رسلهم لنشر العقيدة بين رعاياه, الذين كانوا وقتها يمثلون نصف تعداد البشر, وكذلك الفرصة التي ضاعت في اليابان عقب انكسارها في الحرب العالمية الثانية وتولي ماك ارثر لشؤونها. ولا يتردد الاصوليون الامريكيون في الاشارة الى استخدام (القوة) لحل تلك المشكلات ذات الطابع الايماني, والروحي, والاخلاقي, وان تذرعوا بأن القوة انما تستخدم ضد تعدي الكفر على حرمات الايمان, وهم يدعون ان سياسة (الاحتواء) التي افرزها التيار الواقعي ليست هي السياسة الخارجية المثلى, ويطالبون بتصميم سياسة خارجية جديدة تعتمد على (الاقتحام) لا (الاحتواء) وتغليب اعتبارات (الدين) على اعتبارات (الامن) او (الاقتصاد) وحل مشكلات العالم دفعة واحدة بحل مشكلة الايمان وتأسيس النظام العالمي الالهي الجديد. لماذا السياسة الخارجية؟ يستقوي هؤلاء الاصوليون في اندفاعهم في ذلك الخط, بعدة مؤسسات للضغط اقواها ما يسمى بمركز ابحاث الاسرة وهو مركز كانت رسالته محصورة في مجال تخصصه, فكان يناهض عدوى انحلال الاسرة بارتفاع معدلات الطلاق, وتجاوز الامريكيين لمؤسسة الاسرة, حيث غدوا ينجبون نحو نصف نسلهم من دون زواج, وغير ذلك من الادواء.. ولكنه انتقل اخيرا ليلعب ادوارا سياسية سافرة, فكان هو الذي تولى تمويل قضايا باولا جونز, التي ولدت قضايا مونيكا لوينسكي, وتعدى ذلك للعب ادوار في السياسة الخارجية دفعة واحدة وكانت قفزة شاهقة اثارت استغراب الجميع وبمن فيهم جيري بوير, مدير المركز نفسه, اذ تساءل في فاتحة المحاضرة التي ادلى بها اخيرا على مدرج جامعة هارفارد: كيف اتيح لشخص مثله ظل عشرين عاما يتحدث حول قضايا الاسرة وحدها ان يدعى اليوم الى جامعة هارفارد ليتحدث في سياسة الولايات المتحدة الخارجية؟! وفي الحقيقة فإن عدة دوافع قد حدت بجيري بوير وغيره من قادة اليمين الديني, لولوج عالم السياسة الخارجية ومنها الهزائم التي الحقها بيل كلينتون, وقضاة المحكمة العليا, بعدد من عناصر الاجندة الهامة لليمين الديني, على صعيد السياسة الداخلية, مثل اباحة الاجهاض وتكريم وحماية الشاذين جنسيا, ثم قرار المحكمة العليا بمنع تدريس الدين بالمدارس الحكومية, مع السماح في نفس الوقت بتدريس (الجنس) في تلك المدارس كمادة اختيارية, وتدريس الجنس في المدارس الامريكية امر مفزع جدا وسيؤدي حقا الى مزيد من تدمير ذلك المجتمع, على الصعيد الاخلاقي, وقد تصفحت مؤخرا عدة مناهج لتدريس تلك المادة ففزعت كثيرا, انني لا ازمع ان اسمح لابنائي وبناتي ان يتلقوا تلك المادة, ولكن مصدر فزعي الشخصي هو ان اتركهم في محيط مثل ذلك يدرس فيه الجنس على انه ممارسة حيوانية محضة, لا قيد عليها من دين او خلق, ولها ضوابط إلا ضابط (الصحة) فقط, وانه لا فرق بين الممارسة السوية والشاذة.. الخ. هذه الهزائم الساحقة قادت خطى الاصوليين الامريكيين الى مجلس آخر على امل ان تثمر فيه جهودهم وتعطي نتائج افضل, وشجعهم على ذلك اكثر حرص الكونجرس الحالي على ممارسة سلطاته كاملة في مجال السياسة الخارجية وعدم تفويضها للرئىس والجهاز التنفيذي. والكونجرس باغلبيته الجمهورية الحالية, هو خير حليف لليمين الديني الاصولي, الذي غدا يرتبط ارتباطا وشيجا باليمين الجمهوري المحافظ وايضا بحركة اليمين الجديد (على وزن اليسار الجديد) التي تدعمها مؤسسة هيريتيدج للابحاث, وهي مؤسسة ابحاث علمانية, ولكنها متعاطفة مع قضايا اليمين الاصولي. اهداف للتنفيذ ابرز استهدافات اليمين الاصولي على نطاق السياسة الخارجية هي منظمة الامم المتحدة وصندوق النقد الدولي والمجموعة الاوروبية والكنيسة الرومانية البابوية, ومن الدول الصين والهند والسودان, ودول عربية واسلامية اخرى. اما الامم المتحدة فهي متهمة بتنفيذ فساد الاسرة على المستوى الدولي, ولذلك افلح لوبي اليمين الديني في العام الماضي في منع الادارة الامريكية من تسديد مستحقات ضخمة للمنظمة على امريكا, واما صندوق النقد الدولي فهو الآخر متهم بتمويل بلدان (كالصين) , تجعل من الاجهاض سياسة مقبولة لتحديد النسل, وقد كاد لوبي اليمين الديني بالكونجرس, ان يسقط مشروع قرار بضخ 81 مليار دولار امريكي في ذلك الصندوق, واما المجموعة الاوروبية فقد كان عداء اليمين الديني لها باكرا منذ ظهرت, وقد استخرجوا لها تسمية تشنيعية من الانجيل فسموها الحيوان المفترس ذا القرون العشرة, كرمز لفساد وفوضى العهد الجديد, ولكن اصيب دهاقنة اليمين الديني بالحرج البالغ عندما انضمت كل من اسبانيا والبرتغال للمجموعة ولم يجدوا سندا اثريا لحيوان مفترس آخر باثني عشر قرنا! واما كنيسة البابا فهي متهمة بالتراخي وعدم الايجابية وبالتفريط في شؤون نشر الدعوة والدفاع عن العقيدة في عهد (العولمة) الذي يعتبره اليمين الديني الامريكي مؤشرا على قرب توحيد العالم على عودة المسيح الثانية. اما الصين والهند فكلاهما معقل صعب الاقتحام على التبشير, فهما تتأبيان باستعلاء على نشر الدعوة فيهما, وربما ووجه النصارى فيهما ببعض التضييق.. اما السودان فيقول قادة اليمين الديني الامريكي انه اعدم مليون نصراني, ويرددون ذلك جهرا في الصحف والاذاعات والتلفزة مع انه لا يوجد اصلا مليون نصراني في السودان! وبقية الدول العربية والاسلامية (اكثر من 45 دولة عربية واسلامية) توجه لها اتهامات منع التبشير النصراني فيها. ان الدولة الوحيدة في العالم التي تمنع التبشير النصراني فيها بقانون اصدره البرلمان هي اسرائيل, ومع ذلك فإن اليمين الديني يرفض ان يشجب ذلك القانون, او ان يهاجم اسرائيل, بل هو يدافع عنها بحرارة منقطعة النظير, ولا يكاد جيري فولويل يتلفظ بعشر كلمات, من دون ان يذكر اسرائيل بالاشارة والتقدير قائلا انها معجزة من معجزات ونبوءات الانجيل وان انشاءها واعادة بناء الهيكل هي من ضمن المهمات الكونية العظمى. من هنا انعقدت علاقة تحالف راسخة بين اليمين الاصولي البروتستانتي الامريكي والمنظمات الصهيونية فقد تناست المنظمات الصهيونية لهؤلاء انهم قبل عقود قلائل كانوا من غلاة اعداء السامية, ودعاة ومؤيدي اضطهاد اليهود, كما تناسوا لهم انهم انما يستبطنون حاليا عداء السامية لانهم يعتقدون ان المسيخ الدجال ـ الذي اذاعوا نبأ ولادته ـ هو يهودي, وانه سينهض لمقابلة السيد المسيح حين عودته, مما ينذر بقدوم صراع ضار بين النصارى واليهود, وتناسوا لهم ايضا ايمانهم المكتوم بأن مصير اليهود, هو ان ينتصروا حينما ينتصر السيد المسيح على المسيخ الدجال. بعقلهم العملي النفعي لا يشير اليهود الى هذه الاعتقادات التي تستهدفهم وهم سعيدون حاليا ومكتفون بالدعم غير المحدود, المادي والمعنوي, الذي تلقاه اسرائيل من تيار اليمين الديني ولعل ابرز اوجه ذلك الدعم حاليا دعوة ذلك التيار في الكونجرس, الى الاسراع بإنجاز اكتشاف علمي للتصدي لخطر الصواريخ البالستية قبل ان تقوم بتدمير الحلم الذي تحقق, بنشأة دولة اسرائيل!!