تبدو علاقة التنمية بحقوق الانسان من الناحية النظرية او المفهومية Conceptual بسيطة, غير انها في الواقع معقدة الى حد ما وتتطلب الكثير من التأمل والتحري, فهي علاقة متطورة ومحل جدل قائم. فمنذ الاعلان العالمي لحقوق الانسان سنة 1948 الى تاريخ انعقاد المؤتمر العالمي لحقوق الانسان في فيينا سنة 1993 (اعلان وبرنامج عمل فيينا), مرت منظومة حقوق الانسان بمراحل ومحطات لابد من ابرازها والتوقف عندها لفهم الاشكال المطروح حول علاقة التنمية بحقوق الانسان. فقد تضمن الاعلان العالمي لحقوق الانسان لسنة 1948 مجموعة الحقوق المدنية والسياسية وكذلك الاقتصادية, وهذا الصنف الثاني من مجموعة الحقوق يمكن القول انه يشكل المقومات الاساسية لمفهوم التنمية آنذاك, ويعبر في نفس الوقت عن اشتغالات المجتمع الدولي بعد الخروج من الحرب العالمية طبقا لموازين القوى الدولية السائدة آنذاك والقائمة في ظل غياب اغلبية البلدان النامية التي مازالت خاضعة للهيمنة الاستعمارية. اما المعاهدة الدولية حول حقوق الانسان المدنية والسياسية والمعاهدة الدولية المتعلقة بحقوق الانسان الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المنبثقتان عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر 1966 واللتان اصبحتا نافذتي المفعول بداية من يناير 1976 فقد فصلتا بين نوعين من الحقوق: حقوق مدنية وسياسية من ناحية, وحقوق اقتصادية واجتماعية وثقافية من ناحية ثانية مع التأكيد في ديباجتيهما على الترابط الوثيق فيما بينهما ويمكن اعتبار المعاهدة الدولية حول الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية تعميقا واضافة الى ما صدر في الاعلان الدولي لحقوق الانسان عام ,1948 وتجسيما لمفهوم اكثر وضوحا وبلورة للتنمية وذلك باعتبار هذه الحقوق من المكونات الاساسية المقترحة من طرف المجتمع الدولي في مجال التنمية مع العلم ان هذه الاضافة جاءت تعبيرا عن تواجد البلدان النامية داخل المجتمع الدولي وتكريسا لمبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها, وايضا للمطالبة بتعديل منظومة حقوق الانسان في اتجاه المزيد من العدالة والمساواة بين النوعين من الحقوق. لكن سنة 1986 مثلت بحق منعرجا حاسما ونقلة نوعية في مسار علاقة الحق في التنمية بالحقوق الانسانية, حيث اتفق الجميع على اعتبار هذا الحق جزءا لا يتجزأ من منظومة حقوق الانسان الاساسية. وهكذا ركز هذا الاعلان على محورية الانسان في التنمية فساهم بذلك كثيرا في اقامة علاقة مفهومية بين حقوق الانسان والتنمية. واخيرا فقد حصل في عام 1993 تاريخ انعقاد المؤتمر العالمي لحقوق الانسان بفيينا الذي اقر (اعلان فيينا) والبرنامج المصاحب له, اجماع دولي حول ضرورة الربط بين حقوق الانسان والديمقراطية والتنمية, مع التأكيد على مضمون الحق في التنمية واعتبار كل الحقوق منظومة واحدة لا تقبل التجزئة ويتوجب احترامها والتقيد بمقتضياتها من قبل كل الدول من جهة ومن طرف المجموعة الدولية ككل من جهة اخرى. وقد ركز اعلان فيينا وبرنامجه على قضية التنمية المستديمة ومسؤولية المحافظة على البيئة وقضية مقاومة الفقر, باعتباره انتهاكا صريحا لحق من حقوق الانسان الاساسية. وهكذا نلاحظ ان التطور الحاصل في المضامين المكونة لحقوق الانسان قد ترافق مع تطور في مفهوم التنمية حيث لابد من الاشارة هنا الى ان مفهوم التنمية كان في البداية مفهوما بسيطا جدا اذ يقر بمحورية البعد الاقتصادي للتنمية وتحديده الاحادي الجانب للابعاد الاجتماعية والسياسية والمؤسساتية والثقافية ووفق هذه المفهوم كان الاعتقاد راسخا في ان منافع هذا النمو الاقتصادي ستعم على كل الفئات الاجتماعية (التأثير التساقطي) والفقيرة منها بالخصوص, لذلك كان التركيز على قضية تكوين وتراكم رأس المال لتحقيق النمو الضامن آليا للمساواة الاجتماعية. اما الطرح السياسي والمؤسساتي فقد كان ضربا من ضروب السذاجة آنذاك ان لم يكن منعدما فقد كان الحديث عن علاقة اقتصاد التنمية باشكالية الدولة والمؤسسات امرا نادرا ذلك ان الافتراض الضمني او المعلن يقر ان العنصر الفاعل لعملية التنمية هو الدولة (لغياب الخواص) فالدولة الوطنية هي المتكفلة بوظيفة التنمية والتحديث دون اعتبار اي مرجعية قانونية او مؤسساتية او تاريخية. وهو ما ادى بالتالي الى نفي او تهميش العلاقة بين التنمية الاقتصادية وحقوق الانسان عموما, وبعبارة اخرى اقصاء الابعاد السياسية والقانونية والمؤسساتية للتنمية. ومع مرور الزمن وتطور الاحداث العالمية عرفت ادبيات التنمية تغيرات عكست الى حد ما عمق تلك التحولات ففشل التنمية في عديد من البلدان النامية واتساع ظاهرة الفقر فيها من جهة, ونجاح المسار التحديثي في بلدان جنوب وشرق آسيا من جهة اخرى, وكذلك تكاثر انتهاكات حقوق الانسان الاساسية في غالب البلدان النامية من قبل الانظمة الاستبدادية ودخول بلدان المعسكر الشرقي في ازمة حادة, ادت جميعها الى تعقيد مفهوم التنمية الذي اصبح اكثر عمقا وشمولية والى منح مكانة محورية للانسان في صيرورة التنمية عوضت محورية الاقتصاد. وقد ساهمت هذه المقاربة الجديدة في اعادة الاعتبار إلى البعد الاجتماعي للتنمية والى مكوناته الاساسية كالمساواة والانصاف والتوزيع العادل للخيرات ومقاومة الفقر. كما اعادت الاعتبار الى البعد السياسي وما يقتضيه من ديمقراطية المجتمع وضمان حقوق الانسان وايضا الى البعد البيئي حرصا على الانصاف بين متطلبات الجيل الحاضر ومتطلبات الجيل المقبل. ومن هنا بدأت تبرز مفاهيم ومصطلحات جديدة مثل التنمية البشرية والتنمية المستديمة وكما سنبين فيما بعد فان التنمية البشرية تعطي التنمية بعدا انسانيا وبالتالي تصبح العلاقة بين التنمية وحقوق الانسان علاقة جوهرية. لكن هذا الاتجاه المتمحور حول التنمية البشرية وارتباطها العضوي بمنظومة حقوق الانسان قد رافقه اتجاه مواز روجت له منذ اوائل التسعينات, المؤسسات المالية الدولية (البنك الدولي خاصة) حيث برز مصطلح جديد ذاع واصبح شديد التداول وهو مصطلح Govermance الذي يعرف بأسلوب او نمط توزيع واستعمال السلطة لتسيير وادارة الشؤون العامة بما فيها الموارد الاقتصادية بهدف التنمية. أدبيات المجتمع الدولي ان المبادىء والاهداف التي نص عليها الاعلان العالمي لحقوق الانسان تعد قاسما مشتركا للانسانية, من ذلك كرامة الذات البشرية والسلم والحرية والمساواة والرقي الاجتماعي ويجدر التوقف هنا عند عنصرين هامين مرتبطين باشكالية العلاقة بين التنمية وحقوق الانسان وهما: الحرية والمساواة, والرقي الاجتماعي (حقوق الانسان الاجتماعية والاقتصادية والثقافية). فكثيرا ما يتركز الحديث والاهتمام على الحريات المضمنة في الاعلان العالمي لحقوق الانسان دون ايلاء اهتمام مماثل لمبدأ المساواة ولابد ان نقر بوجود مقاربتين لمضمون حقوق الانسان المقاربة الاولى تركز اكثر على مبدأ الحرية والمقاربة الثانية تركز على مبدأ المساواة والفصل بين هذه وتلك ليس من باب التأمل الفلسفي المجرد بل له ارتباط باشكالية العلاقة المطروحة, ولو عرفنا في البداية مفهوم الحرية لقلنا ان الحرية تتمثل بالاساس في عدم الخضوع الى ارادة قادرة وارتجالية واعتباطية لا يمكن توقع ردود فعلها صادرة عن طرف آخر. وفي هذا الاطار هناك الحرية التي تحرر من الشيء Freedom From اي التي تحمي من النفوذ السلطوي المستبد وهناك الحرية التي تسمح بــ Freedom for والتي تمكن من العمل وهذان الصنفان من الحرية مرتبطان ارتباطا وثيقا فلابد ان (نتحرر من) حتى نستطيع (ممارسة الحرية في) فالحريات السلبية هي التي تحمي سلامة وامن الاشخاص والممتلكات واما الحريات الايجابية فهي التي تسمح بــ (التنقل, التعبير, الاجتماع, الاقتراع) وكل هذه الحريات يضمنها القانون (سلطة القانون). في حين ان المساواة هي مطمح وهي من قبيل المثل العليا التي تتضمنها منظومة حقوق الانسان ويعني مبدأ المساواة انه رغم وجود فوارق بيننا فلابد ان نعامل على قدم المساواة, وهو ما يفترض الالتزام بعدم التمييز وحظر الاستبعاد والاسترقاق والمساواة امام القضاء والمساواة في الاقتراع العام هذا هو المستوى الاول في مفهوم المساواة, لكن هناك مستوى ثانٍ يقر بالسعي الى الموازنة والمساواتية بالاعتماد على التعويض واعادة التوزيع للحد من الفوارق والتقليص منها. وفق هذا المنطلق ومن وجهة نظرنا فإن ما تضمنه الاعلان لحقوق الانسان من حقوق اقتصادية واجتماعية وثقافية يعد محاولة من اجل التجسيم الفعلي لمبدأ المساواة في الفرص المتاحة وفي الامكانيات وفي توزيع الموارد والمداخيل. ان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المنصوص عليها: كالحق في الضمان الاجتماعي وفي العمل وفي الراحة وفي الصحة وفي الحد الادنى من الرفاهة وفي التعليم الملزم والمجاني, هي من الحقوق المكرسة لمبدأ المساواة, لهذا نجد ان هناك من يركز في تناوله منظومة حقوق الانسان على الحريات والمساواتية عن طريق التعويض واعادة التوزيع وبالتالي نراه متحفظا ازاء الحقوق الاقتصادية والاجتماعية, في حين نجد من يركز على المساواة التي تولي اهتماما اكثر الى التماسك الاجتماعي وجدوى تحقيق المساواتية. وفي اعتقادنا فإن المقاربة المركزة على مبدأ المساواة تمكن من اعطاء الحقوق الاقتصادية والاجتماعية بعداً قيميا ومعياريا Normative وأخلاقيا Ethics حيث ان هذه الحقوق, كما أوردنا سابقا, يمكن اعتبارها محاولة لتجسيم المساواتية تحقيقها للمساواة. ويمكن اختزال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية كالآتي: 1 - الحق في الضمان الاجتماعي لكل فرد أقصد ضمان كرامة الإنسان. 2 - الحق في العمل, بمعنى تمكين كل فرد من ممارسة شغل بكل حرية وفي ظروف منصفة وعادلة مع الحماية ضد البطالة, وتلقي أجر مرض ومنصف يمكن من العيش الكريم ويضمن كرامة الإنسان (المساواة في العمل تساوي المساواة في الأجر), علاوة على حق الدفاع الشرعي عن النفس والحق. 3 - الحق في الراحة. 4 - الحق في الصحة والرفاهية بمعنى تحقيق مستوى عيش كاف يوفر لكل فرد ولعائلته الصحة والرفاه وذلك بواسطة التغذية والكساء والمأوى والخدمات الصحية والحماية الاجتماعية الضرورية (في حالة بطالة, عجز, اعاقة...) كما يؤكد هذا الحق على خصوصية الاحاطة بالأمومة والطفولة ورعايتهما. 5 - الحق في التعليم الالزامي والمجاني على الأقل في مرحلته الابتدائية والاساسية, حيث تعد الزامية ومجانية التعليم, تكريسا لمبدأ المساواة في الفرص. ولو جمعنا هذه الحقوق لتمكنا من تصور المفهوم الضمني للتنمية المنظورة, فالهدف الضمني للتنمية هو تحقيق الرفاهة للإنسان بتأمين الصحة والتعليم والشغل وبالتالي التدخل الجيد لصيانة كرامة الإنسان. إن هذا المحتوى الضمني للتنمية يشكل في الحقيقة المرجعية والخلفية لمفهوم التنمية البشرية اليوم. بناء على ذلك فان ادراج الحقوق الاقتصادية والاجتماعية ضمن حقوق الإنسان, انما هو تأكيد على ان هذه الحقوق المجسدة ضمنيا لمفهوم هي جزء لا يتجزأ من منظومة حقوق الإنسان ولو انها رتبت في آخر هذه المنظومة. وبالتالي فإن التنمية التي تحقق هذه الحقوق وتجسدها مرتبطة أشد الارتباط بحقوق الإنسان الأساسية, حيث انها تكريس لحقوق لا يمكن ولا يجوز فصلها عن الكل. الحق في التنمية ينص الاعلان الدولي حول الحق في التنمية الصادر عام 1986 ولأول مرة على تعريف لمفهوم التنمية بصفتها مسارا اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وسياسيا شاملا, يهدف إلى النهوض المطرد برفاهة كل الناس بالاعتماد على مشاركتهم الفاعلة والحرة, والتقاسم العادل للخيرات الناتجة عن تلك المشاركة. وهذا التعريف يقر بمحورية الإنسان في عملية التنمية, وينص على شمولية التنمية مع التأكيد على ان التنمية للناس (الرفاهة) ومن الناس (المشاركة الفاعلة) وتعتمد على مبدأ المساواة وهو ما يفترض التقاسم العادل للمنافع. كما أكد الاعلان عن تكامل وترابط وعدم تجزئة الحقوق, مع ايلاء نفس الاهتمام اليها جميعا واعتبار حقوق الإنسان منظومة واحدة متكاملة, وبالتالي فإن التمتع ببعض الحريات الأساسية يبقى منقوصا في حالة انكار أو انتهاك الحقوق والحريات الأخرى. ويؤكد البند الثامن للاعلان ان حق التنمية يتمثل في تحقيق المساواة في الفرص للتمكن من الموارد الأساسية (التعليم, الخدمات الصحية, التغذية, المسكن, العمل), وكذلك في التقاسم المنصف والعادل للمداخيل. كما يؤكد الاعلان ان كل الجوانب المتعلقة بحق التنمية مترابطة, وبالتالي أصبحت التنمية حقا وجزءا لا يتجزأ من منظومة حقوق الإنسان, فهو حق كوني لا يقبل التفريط فيه. وهكذا باتت العلاقة بين التنمية وحقوق الإنسان علاقة احتوائية, فالتنمية حق متفرع إلى حقوق اقتصادية واجتماعية وثقافية, ومؤلف ومكون لمنظومة حقوق الإنسان. وفي المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان بفيينا تم التأكيد على الأمور التالية: * كونية الحقوق وترابطها وتكاملها وعدم تجزئتها. * أهمية الحق في التنمية واعتبارها حقا عالميا وجزءا لا يتجزأ من حقوق الإنسان. * الشروط والظروف الضرورية لتثبيت حق التنمية. * سياسات إنمائية ناجعة وفعالة. * علاقات دولية منصفة (قضية الديون الخارجية). كما تم التركيز خلال المؤتمر على: * البعد البيئي للتنمية. * مقاومة الفقر, باعتباره انتهاكاً لحقوق الإنسان. * الربط الصريح بين الديمقراطية وحقوق الإنسان والتنمية. لقد طرح التأكيد على الحق في التنمية من جديد اشكالية المسؤولية الدولية المشتركة في ذلك الحق بحيث اننا إذا وضعنا علاقة التنمية بحقوق الإنسان ضمن هذا الاطار, أي إذا ما اعتبرنا التنمية حقاً من حقوق الإنسان مشروعاً وملزماً, فلا بد حينئذ من مساءلة كل دولة والمجموعة الدولية ككل وخاصة تلك الدول التي تلعب الدور الفاعل في صياغة نمط العلاقات الدولية. وما يجدر استنتاجه في هذا السياق, هو ان مؤتمر فيينا أعطى في نهاية الأمر بعدا معياريا للتنمية بتأمينه واقراره لحق من حقوق الإنسان الأساسية. ومن هذه الزاوية وفر امكانية اعتماد المشروعية القانونية للمطالبة والمحاسبة والمساءلة.. التي من شأنها أن تدخل الشفافية والنجاعة في صيرورة التنمية. التنمية البشرية وحقوق الإنسان لقد عرف البرنامج الانمائي للأمم المتحدة التنمية البشرية بأنها عملية توسيع الخيارات المتاحة أمام الأفراد. وأوضح أول تقرير للتنمية البشرية سنة 1990 بأن هذه الخيارات ليست نهائية وباتة من حيث المبدأ وتتغير بمرور الزمن. الا ان أهم هذه الخيارات في نظر أصحاب القرار هي ان يحيا الإنسان حياة طويلة خالية من العلل, وأن يحصل على المعرفة وأن يتمتع بمستوى معيشة كريمة (دخل مناسب) على أن هناك خيارات أخرى مثل الحرية السياسية والاقتصادية والاجتماعية وضمان حقوق الإنسان وتحقيق الإنسان لذاته. إن هذا التعريف يوعز بابداء الملاحظات التالية: 1 - إن مفهوم التنمية البشرية يعد أحد جوانب الخيارات لكن هناك عناصر أخرى لا تقل أهمية كالصحة والتعليم والحرية. 2 - لا يمكن تحقيق التنمية البشرية من دون نمو فالنمو الاقتصادي (ارتفاع دخل الفرد) ضروري للتنمية لكنه لا يكفي في حد ذاته لان القضية ليست قضية كم بل قضية كيف حيث ان نوعية العملية الاقتصادية مسألة محورية لكي تكون التنمية قائمة على مشاركة الناس ولكي تكون فوائدها موزعة توزيعا عادلا وقابلة للاستمرار. وفي هذا الصدد, يمكن اختزال المقومات الأساسية المكونة للتنمية البشرية في العناصر التالية: * النمو (الاندماج في الحياة الاقتصادية: الشغل والدخل). * المساواة في توزيع الدخل ومقاومة الفقر. * ديمومة المعادلة بين التنمية والمحافظة على البيئة. * المشاركة في عملية التنمية. وبالتالي يصبح الجهد المبذول من أجل تحقيق التنمية البشرية غير ذي جدوى إذا غابت بعض أو كل الحقوق الأساسية. ومن هذا المنطلق لا يمكن تصور استمرار التنمية وعلى المدى المتوسط أو البعد في ظل تمادي وتفاقم مظاهر الفقر والحرمان والحيف الاجتماعي وطالما بقيت الحدود والحواجز تقف أمام ممارسة الحريات الأساسية. ويبقى استمرار العملية التنموية واستقرارها مرهونا بتوفر حقوق الإنسان, وفعليتها وبالتالي فسوف تكون علاقة حقوق الإنسان بالتنمية على المدى المتوسط والبعيد علاقة توافق وترافق وتلاؤم وانسجام. أما فيما يخص الاستقرار السياسي المتصل بدوره بالحريات الأساسية فيمكن الاشارة إلى دراسة أخرى في نطاق منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية OECD, بينت الترابط الوثيق بين العنف السياسي والتنمية الاقتصادية وتمحورت الدراسة على تأثير بعض الأحداث (الاحتجاجات والمظاهرات العنيفة, الاعدامات والجرائم السياسية) على وضع حق الملكية بالاعتماد على الفرضية القاضية بأنه بقدر ما يكون حق الملكية غير ثابت ومشكوك في ضمانه ودوامه بقدر ما يتوقع ضعف الحوافز والمردودية في مجال الاستثمار مما يؤثر سلبا على النمو. وأخيرا, وفيما يخص الفساد بوصفه استغلال الممتلكات العامة لأغراض وفوائد شخصية, فإن ما تجدر الاشارة إليه بايجاز هو ان الفساد مرتبط بعناصر اقتصادية كوجود وفرة الموارد الطبيعية وسياسات توزيعية وتعويضية وندرة الخدمات العامة, وسياسات التقييد والترخيص وضعف دخل الموظفين... إلخ. ولا يسمح المجال هنا لتغطية كل المسببات الاقتصادية للفساد لذلك فإن ما نريد التركيز عليه أساسا ان الفساد قد يرتبط في عديد الحالات بغياب جملة من حقوق الإنسان التي بدورها تعني انعدام ممارسة المساءلة والشفافية وسيادة القانون. كما يؤثر الفساد بدوره سلبا في عملية التنمية حيث يضعف أو يلغي امكانية المتابعة والمراقبة. ويمكن أن يحدث دور الدولة في توظيف الموارد وتوزيعها خللا في الانفاق العام يشجع على التهرب من دفع الضرائب كما قد يتسبب في هدر الطاقات فيوجهها نحو البحث عن مزايا ريعية عوضا عن الاتجاه نحو الانتاج فتطغى بذلك ظاهرة الاجرام داخل القطاع الخاص. وبالرجوع إلى منظمة Transparency International التي تعد سنويا مؤشرا للفساد يتراوح قياسه من (0) (فساد كبير) إلى (1) (فساد منعدم) فإن البيانات تشير إلى وجود ترابط ايجابي قوي بين نسبة الفساد ومستوى دخل الفرد عموما. كما ان هناك ارتباطا بين نسبة الفساد ونمو الاستثمار ونمو دخل الفرد. ومايمكن استخلاصه في هذا الصدد الاقرار بترابط الفساد مع انعدام احترام حقوق الانسان وتلازم الفساد سلبا بالنمو. وهذه المقاربة التي تربط الفساد بحقوق الانسان تستحق في رأينا الاهتمام والتمحيص. كما يجب أن نقر في خاتمة حديثنا بأن مفهوم أسلوب الحكم وان كان لا يزال محل جدل كبير فقد يكون منفذا للاقرار باشكالية العلاقة بين التنمية وحقوق الإنسان بصفة مقبولة وان بدت منقوصة. إن الديمقراطية والتنمية واحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية أمور مترابطة يعزز بعضها بعضا. وفي السياق الآنف الذكر, ينبغي أن يكون تعزيز وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية على المستويين الوطني والدولي مقصدا يسعى الجميع من أجله, وأن يجري دون فرض شروط. وينبغي للمجتمع الدولي أن يدعم تقوية وتعزيز الديمقراطية والتنمية واحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية في العالم أجمع.