سنوات قليلة وتختفي التجارة بنمطها التقليدي لتحل محلها تجارة عصرية تناسب الالفية الثالثة تبرم خلالها الصفقات عبر الاثير دون حاجة للانتقال من مكان لآخر فقد بدأت التجارة الالكترونية التي تجاوز حجمها عالميا حدود الـ 300 مليار دولار في فرض نفسها على الشركات متعددة الجنسية العملاقة وتغيير رؤية اصحاب المال والاعمال تجاه اساليب التجارة والتسويق التقليدية, وباتت هذه التجارة الالكترونية الوسيلة المفضلة للتجارة استيراد وتصدير وبدأت الشركات العالمية سباقا محموما لحجز موقع متميز على شبكة الانترنت لتدشين تعاملها باسلوب التجارة الالكتروني الذي يوفر الجهد والمال ويمتلك القدرة على التغلغل واختراق كافة الاسواق دون الحاجة لاساليب التسوق المعمول بها حاليا. وبينما يسعى العالم وتكتلاته الاقتصادية لاقامة البنية الاساسية اللازمة كقاعدة قوة للتجارة الالكترونية وسيلة لتكوين علاقات تجارية مع اسواق متعددة في كافة انحاء العالم لزيادة حجم صادراتها, نجد ان حجم تجارة المستقبل في العالم العربي مازال متواضعا ولا يتجاوز 11 مليون دولار من اجمالي 300 مليار دولار وهي حجم تجارة القطر العربي البينية والخارجية, ويبدو ان اتخاذ قرارات حاسمة حيال التوسع في هذه النوعية من التجارة العصرية لن يكون قريبا خاصة وان خبراء التجارة ورجال الاعمال والمسؤولين عن الملف الاقتصادي العربي مختلفون حيال هذا الوافد الجديد على التجارة العالمية حيث يفضل البعض الاستمرار في اسلوب التجارة الحالي لحين تكوين قاعدة من البنية الاساسية اللازمة لممارسة التجارة الالكترونية ويرون ان تكاليف تهيئة المؤسسات والشركات العربية لهذه التجارة الحديثة سيكون باهظ التكاليف, في حين يؤيد فريق اخر البدء فورا في تبني التجارة الالكترونية والسعي لفهم ابجدياتها حتى لا تضطر في المستقبل لقبولها مفروضة علينا من الاخرين حتى ننقذ تجارتنا ونحافظ على اسواق منتجاتنا. ماهية التجارة الالكترونية وتعرف ماجدة اسماعيل نائبة رئيس لجنة التجارة الالكترونية التابعة لمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء المصري التجارة الالكترونية بأنها اسلوب جديد يستخدم في شبكة الانترنت ويقدم ثلاثة انواع مختلفة من الصفقات اولها تقديم خدمات الانترنت نفسها وشرح طريق الوصول لهذه الشبكة بالنسبة لرجال الاعمال المستهلكين والثانية التسليم الالكتروني لخدمات بما يعني تسليم صفقات المنتجات الخدمية للمستهلك في شكل معلومات رقمية والثالثة استخدام الانترنت كقناة لتوزيع الخدمات حيث يتم شراء السلع عبر الشبكة, مشيرة الى ان التجارة الالكترونية تتيح مجالات متعددة للمنتجين ورجال الاعمال والمستهلكين فتسمح للمنتجين فرص عرض كل منتجاتهم وتتيح للمستهلكين والعملاء فرصة سهلة وميسورة وسريعة للحصول على السلع والخدمات المعروضة في مختلف الاسواق العالمية حيث يمكن اعداد صفحات على شبكة الانترنت تعرض فيها المؤسسات والشركات والدول منتجاتها وخدماتها والفرص الاستثمارية المتاحة والمشروعات المطلوبة المشاركة في تمويلها دون حاجة لتحمل تكاليف سفر واقامة وفود تجاريا ورسميا لعرض تلك المشروعات في الخارج, موضحة ان وسيلة التجارة الالكترونية تستطيع الوصول لمعظم رجال الاعمال والمؤسسات والشركات في مختلف انحاء العالم بينما لن تتمكن الوفود من تحقيق هذه الميزة إلا في فترة زمنية طويلة وتكاليف باهظة. واضافت ان العالم العربي يمكنه ممارسة مجالات اقتصادية متعددة من خلال التجارة الالكترونية اهمها الخدمات المصرفية حيث يعتبر اتمام الخدمات المصرفية الكترونيا من اقدم المجالات التي تتم فيها التجارة الالكترونية, مشيرة الى ان معظم المصارف والبنوك العالمية تتبني الاسلوب الالكتروني في تنفيذ معظم صفقاتها واعمالها المالية وان البنوك التي مازالت تقدم خدماتها المصرفية بشكل مباشر وتقليدي لن تستطيع الاستمرار في هذا الاسلوب لفترة طويلة لاسيما وان تكلفة الطرق التقليدية في ممارسة مهام العمل المصرفي توازي نحو مائة ضعف نظيرتها التي تستخدم التجارة الالكترونية عبر الانترنت. تقديم الخدمات المتخصصة واوضحت ان استفادة التجارة العربية من تبني التجارة الالكترونية لن تقتصر على تسهيل اداء الخدمات المصرفية حيث يمكن من خلال هذه الوسيلة تقديم الخدمات المتخصصة التي تشمل جميع انواع الاستشارات في المجالات الطبية والتعليمية والمحاسبية لاسيما وان هذه الخدمات الضرورية اصبحت متاحة وبشكل كبير عبر الانترنت, مشيرة الى ان وصول الانترنت للافراد والشركات الصغيرة سيضاعف من قدرتها التسويقية ويساند الاعمال التجارية الصغيرة على المنافسة في الاسواق العالمية, محددة نوعين من المنتجات اولهما يمكن تسليمها الكترونيا كالخدمات المتخصصة واخرى يتم طلبها ودفع ثمنها على الخط ولكن تسلم للمستهلك بشكل ملموس, موضحة ان شراء السلع بهذه الطريقة لايختلف عن طلب السلع ودفع ثمنها بالتليفون او البريد وكذا فإن السلع المطلوبة التي يتم استيرادها تخضع للتعريفات المفروضة والالتزامات الاخرى الواردة في اتفاقيات منظمة التجارة العالمية. أسواق مترامية الاطراف وتؤكد ماجدة اسماعيل: ان تنامي الاعتماد على الكمبيوتر في الوطن العربي وانتشار اجهزة الحاسب الآلي المتطورة سيساهم في زيادة رقعة الاسواق التي يمكن التصدير اليها وتنوع هيكل الصادرات العربية ومضاعفة حصة السلع الصناعية والزراعية, مؤكدة انه بفضل هذه الاجهزة المتقدمة لن تكون سوق التجارة الخارجية قاصرة على منطقة جغرافية معينة وتستطيع التحرك بحرية في كافة اسواق العالم الامر الذي يضاعف فرص الحصول على حصة كبيرة من النقد الاجنبي. البنوك اكثر تكيفا مع التجارة الالكترونية ويعتبر حافظ غندور مدير عام وعضو مجلس ادارة البنك الاهلي المصري التجارة الالكترونية احد اهم التطبيقات العملية لعصر المعلومات الذي بات الموضوع الاكثر اهمية في ادارة السياسة الاقتصادية في الزمن المعاصر مشيراً الى ان القطاع المصرفي يتصدر قائمة القطاعات الاقتصادية من حيث القابلية والقدرة على التأقلم والتكيف مع التطورات الحديثة التي تمس الاقتصاد وذلك لمرونته وكونه حلقة الاتصال والممول الرئيسي لمختلف الانشطة الاقتصادية وتحركات الاستثمار, موضحا ان التطور المتزامن مع التوسع في تطبيق التجارة الالكترونية سيحدث تطورا مماثلا في طبيعة حركة التجارة الداخلية والاتحادية والدولية تؤدي لتغيير هيكل العملاء الامر الذي يعني عدم جدوى الاساليب المصرفية التقليدية المستخدمة في معالمة التجارة الخارجية وضرورة تطويرها بما يتلاءم مع الاوضاع والمتغيرات الجديدة في ظل نمو ظاهرة الاسواق الشاملة والتكتلات الاقتصادية. واضاف ان المصارف والبنوك العربية التي تجاوز عددها حوالي 343 بنكا ومصرفا عاما واستثماريا وخاصا ومتخصصا تمثل العمود الفقري لهيكل الاقتصاد العربي الذي يصل ناتجة المحلي لحوالي 600 مليار دولار وعليها ان تبادر بادخال هذه النوعية من التجارة كمحاولة منها لزيادة حجم التجارة العربية البيئية التي لم تتجاوز 30 مليار دولار سنويا وكذا حجم الاستثمارات المتبادلة الذي وقف عند حدود 5,2 مليار دولار سنويا, موضحا ان شريحة مصقولة من البنوك العربية باتت تتمتع بكل مواصفات البنوك العصرية الشاملة بينما لا تزال اغلبية البنوك بحاجة لاعادة نظر, مشيرا الى ان تنمية التجارة الالكترونية العربية يتطلب من البنوك القيام بدور فعال في عنصرين اساسيين اولهما الفهم والاستيعاب التام لمفردات هذه التجارة من اجل استخدامها بفاعلة وكذا تحديث خدماتها بما يتلاءم مع المتغيرات الجديدة وزيادة فاعليتها على المستويات المحلية والاقليمية والعالمية من اجل تلبية احتياجات العملاء وتقديم الخدمة ذات النوعية الافضل والتكلفة الاقل والسرعة المناسبة, بالاضافة الى تكوين شبكة مصرفية عربية متطورة تكون بمثابة جسر الكتروني بين البنوك العربية من جهة وبين الشركات والعملاء من جهة اخرى. البنوك العربية تتطور الكترونيا ويؤيد سمير منصور نائب رئيس بنك القاهرة السابق وجهة النظر تلك موضحا انه من الطبيعي ان يتغير التدور التقليدي للبنوك العربية في عصر المعلومات والتعامل مع التجارة الالكترونية بجدية باعتبارها تجارة الغد والوسيلة التي قد تخلص التجارة العربية البينية من قيودها وتمنح رجال الاعمال ورؤوس الاموال والاستثمارات حرية الحركة اللازمة لتفعيل التعاون الاقتصادي العربي مؤكدا انه الطفرة التي حدثت في الأنظمة المالية الالكترونية على المستوى العالمي تحتم على القطاع المصرفي العربي المبادرة بادخال هذه الأنظمة والتوسع في استخدامها لاسيما وان صناعة الوساطة المصرفية أصبحت تأخذ في جزء منها ترتيبات التجارة الالكترونية من خلال شبكة الانترنت وعمليات الدفع وخدمات المقاصة الالكترونية في اطار المتغيرات العالمية ونمو الأسواق الالكترونية, مشيرا الى ان البنوك العربية تسير في اتجاه التطوير وادخال الأنظمة الالكترونية حيث تقلصات العديد من العمليات التقليدية منها تبادل الشيكات بين المصارف يدويا حيث يتم الآن التبادل الكترونيا مما يوفر الجهد والوقت, كما اختفت طوابير الانتظار أمام المصارف حيث ان آلات ATM حلت هذه المشكلة من خلال تداول البطاقات البلاستيكية بأنواعها المختلفة, بالاضافة الى ان الهاتف المصرفي الذي يعمل 24 ساعة يوميا وفر على العملاء عمليات الانتقال الى البنوك للاستفسار عن حساباته وتعاملاته أو أية أوعية ادخارية, وكذا استبدال العملات الأجنبية عن طريق البنك من خلال آلة خاصة تقوم بهذه المهمة وتخرج ايصال للعميل في ثوان معدودات ولا تجعله مضطرا للتقيد بمواعيد استبدال ثابتة مع البنك الذي يتعامل معه, علاوة على دور البنك في الوساطة المالية بين العميل والشركات التجارية متعددة الجنسية حيث بات بامكان العميل عقد الصفقات مع الشركة من خلال شبكة الانترنت مع خصم قيمتها من حسابه الجاري من خلال بطاقة الفيزا أو الماستر كارد. وأضاف ان نمو الأنظمة المالية الالكترونية سيكون لها دورها المباشر في تغيير أنماط التعاملات داخل الاسواق العربية حيث انها ستؤدي لاتساع نطاق المعاملات التجارية لاسيما بعد دخول التجارة الالكترونية على شبكة الانترنت الدولية وامكانية التعامل بين التاجر والمورد من خلال هذه الشبكة بكل سرعة ودقة حيث يقوم التاجر باختيار المواصفات المطلوبة للسلعة التي يرغب في شرائها من الانترنت ثم يتصل بالمورد من خلال عنوانه المدون بالشبكة ويعقد معه الصفقة ثم يخصم المورد قيمة الصفقة من حساب التاجر ويتم ارسال البضاعة حسب الاتفاق دون حاجة لانتقالات واجتماعات ومفاوضات ومراسلات عديدة, كما ان قيام البنك بدور تقديم خدمات المعلومات وتجهيز البيانات الحديثة عن الاسهم والأوراق المالية والاسواق المحلية والدولية وبثها لرجال الاعمال من خلال الحاسبات الشخصية لديهم في أماكن عملهم تساهم في تنشيط حركة التجارة العربية بكفاءة عالية. دور الحكومة العربية ويرى الدكتور حمدي عبد العظيم أستاذ الاقتصاد بأكاديمية السادات للعلوم الادارية ان شبكة معلومات التجارة العربية التي أنشئت عام 1995 من خلال برنامج تمويل التجارة العربية بالتعاون مع الأمم المتحدة ومركز التجارة الدولي في جنيف تعكس رغبة الدول العربية في تبوء مكانتها على الساحة الدولية للتجارة الالكترونية من خلال تزويد الشركات بالمعلومات الكاملة عن التجارة العربية وتوفير معلومات وبيانات شاملة عن المصدرين والمستوردين والقوانين والتشريعات والانظمة التي تحكم حركة السلع في الدول العربية. وحدد دور الحكومات العربية لتنمية التجارة الالكترونية في توفير البيئة الاساسية للتجارة الالكترونية من خلال التنسيق بين الهيئات الحكومية المختلفة لتفعيل سياسات التجارة الالكترونية والتعاون مع المنظمات الدولية المتخصصة للاستفادة من امكانياتها الفنية والتطبيقية, وتحسين البنية التحتية للاتصالات ورفع الكفاءات ونشر الانترنت على نطاق واسع موضحا ان تبادل التجارب والخبرات بين الدول العربية والأجنبية في مجال التجارة الالكترونية سيساهم في تفهم هذا الاسلوب الجديد والتعرف على مزاياه عن قرب, معتبرا ان نقاط التجارة الدولية المعمول بها في مصر من أهم تطبيقات التجارة الالكترونية حيث يبرز بشكل واضح دور الحكومة في تفعيل هذا المفهوم والاستفادة منه لتسهيل وتبادل العمليات التجارية خاصة وان الدعم الذي تحصل عليه نقاط التجارة الدولية استهدف تكوين مراكز لتسهيل التجارة من خلال توفير المعلومات الخاصة بشركاء التجارة الحاليين والمستقبليين والفرص المتاحة في الاسواق الدولية وكذا تشريعات هذه الأسواق. معوقات وفي المقابل رصد الخبير الاقتصاد المصري الدكتور محسن الخضيري معوقات تحول دون التوسع في التجارة الالكترونية العربية أبرزها الافتقاد الى خطوط اتصال ذات كفاءة عالية وبنية تحتية قوية اذ تعتمد شبكة الانترنت اساسا على خطوط اتصال يجب توافرها في مواقع الانتاج والتسويق لتستوعب أكبر كم من البيانات صوتاً وصورة وفيديو تعمل بسرعات عالية جدا حيث ان ضياع لحظات عند عرض أي منتج عبر شبكة الانترنت يمكن ان يترتب عليه ضياع صفقات كبيرة الأمر الذي يستلزم وجود شبكات اتصال متطورة وحديثة في مختلف مواقع الانتاج مشيرا الى ان هذه الشبكات تتطلب استثمارات عالية يجب على القطاع الخاص ان يتحمل الجزء الأكبر منها لاسيما وانه سيكون الأكثر استفادة. وحدد الدكتور محسن الخضيري عوامل أخرى تعوق انتشار التجارة الالكترونية العربية خاصة في المرحلة الراهنة منها محدودية انتشار أجهزة الحاسب الآلي حيث ان الوطن العربي لا يستوعب سنويا سوى 600 ألف جهاز موزعة بين الحاسب الآلي والكمبيوتر الشخصي رغم الانخفاض المستمر في أسعار هذه الاجهزة التي بدونها لن تكون هناك تجارة الكترونية, وموضحا ان الامر يتطلب في البداية ضخ استثمارات في مجال تطوير هذه التكنولوجيا في مراحل التعليم المختلفة ومراكز التدريب لتخريج جيل جديد على علم ودراية باستخدام شبكة الانترنت لزيادة المعرفة وتبادل الخبرات والبحث العلمي والتسويق والتجارة الالكترونية, مشددا على انه ليس من المنطقي تحقيق طفرة في تجارة الدول العربية الالكترونية في ظل غابة التشريعات واللوائح الحكومية المتعارضة بين الدول العربية والتي تؤدي لدخول المتعاملين في منازعات قانونية كثيرة بالاضافة الى تعدد الانظمة الجمركية والضريبية العربية وعدم وجود تحكيم تجاري متفق عليه يتناسب مع التجارة الالكترونية. القاهرة ـ يوسف شاكر