تكشف انتخابات أعضاء البرلمان الأوروبي التي تجري بعد غد الأحد عن حالة فقدان الثقة في مصداقية الديمقراطية الغربية ومدى قوة وتأثير دول الاتحاد الأوروبي في ايجاد حلول سريعة وحاسمة لمواطني تلك الدول . وأمام انتقال عدوى عدم الاهتمام بالسياسة الخارجية تحديدا من أمريكا الى أوروبا حيث تكشف استطلاعات الرأي عن سطحية شديدة في معلومات الأوروبيين عن السياسة الأوروبية تبدو فرنسا وحدها الأكثر اهتماما بالانتخابات حيث تدور معركة بين اليسار واليمين محورها تغيير خريطة التوازنات لدى البعض وتعويض الخسائر الانتخابية لدى الآخرين. فحالة الاقبال الضعيف على هذه الانتخابات تعد سابقة لم يحدث لها مثيل في تاريخ اية انتخابات أوروبية, سواء على المستوى المحلي أو الأوروبي الموحد, والاقبال الأوروبي الضعيف لم يكن مفاجأة للساسة في الاتحاد الأوروبي, فقد كشفت استطلاعات الرأي التي سبقت هذه الانتخابات ان معلومات المواطنين الأوروبيين عن السياسة الأوروبية سطحية وتفتقر الى معرفة مسارها على الساحة الداخلية والخارجية, وتأتي أهم اسباب فقدان ثقة المواطن الأوروبي في الاتحاد الأوروبي وكافة منظماته السياسية نتيجة للأحداث التي شهدتها المنطقة مؤخرا, خاصة قضايا فساد اللجنة الأوروبية, وفشل الاتحاد الأوروبي في احتواء الأزمة المشتعلة في منطقة البلقان, اضافة لتفجر قضايا تعلقت بصحة المواطنين كأزمة جنون البقر وتلوث المياه ببكتريا اليخونيلا القاتلة, ثم أزمة الدجاج البلجيكي, اضافة الى ان المواطنين داخل الدول الأوروبية فقدوا وضوح الرؤية في تصنيف الهوية بين دعوة الاتحاد لهم بالاندماج, والتنازل عن صف من القوانين والقرارات المحلية لتأتي كلها من بوتقة أوروبية موحدة, وبين تمسكهم بالقومية الخاصة بهم بعد ان ثبت ضآلة المكاسب التي حققها لهم الاتحاد الأوروبي تحت اسم الوحدة, وهذا التمزق بين كون المواطن اوروبي أو هولندي أو الماني ادى الى اتساع الفجوة بصورة حقيقية بين ثقة المواطن الأوروبي وبين مؤسسات هذا الاتحاد, فاللجنة الأوروبية والتي اتهمت مؤخرا بالفساد تملي أكثر من 40% من القوانين على دول الاتحاد الأوروبي. والشيء الوحيد الذي لا يزال المواطن الأوروبي خلفه ويدعمه بقوة هو منح البرلمان الأوروبي مزيداً من الصلاحيات أملا في اقرار ومراقبة العملية الديمقراطية, لكن حتى هذا التأييد الشعبي للبرلمان الأوروبي جاء متناقضا بصورة كبيرة مع عدم الاقبال الملحوظ من قبل المواطنين على التصويت في انتخابات اعضاء البرلمان الأوروبي. يتمتع هؤلاء المرشحون بخبرة كافية عن البرلمان الأوروبي, وترشيحهم يمثل صدمة للمواطن الأوروبي الذي يتعرف عليهم للمرة الأولى من خلال هذا الترشيح نظرا لعدم وجود أية بصمة سياسية لهم تذكر. وكانت جمعية الديمقراطية الأوروبية المستقلة طالبت مؤخرا بتشكيل احزاب أوروبية كحل لترسيخ الديمقراطية, حتى يشارك المواطن الأوروبي بصورة مباشرة في اعمال وقرارات مؤسسات الاتحاد الأوروبي ويشعر بالمسؤولية, على ان تكون هوية هذه الأحزاب أوروبية ولا تتبع تصنيفات سياسية على المستوى المحلي لها, وبهذه الوسيلة سيمكن التصدي لعمليات الفساد والتزوير, بينما تعارض آراء أخرى ما تنادي به هذه الجمعية خوفا من تنمية نزعة القومية الأوروبية حال تشكيل هذه الأحزاب, وان كان الاتفاق أو الاختلاف مع وجهة نظر جمعية الديمقراية الأوروبية, فان الأمر المؤكد هو ان انصراف المواطن الأوروبي عن انتخابات البرلمان انما ترجمة واقعية لمدى ما يشعر به المواطن الأوروبي من فقدان لمصداقية هذه الديمقراطية. وفي فرنسا يبدو المشهد مختلفا بعض الشيء حيث تشكل الانتخابات البرلمانية امتحانا صعبا لكافة الأحزاب السياسية الفرنسية, سواء تلك الطامحة الى الاحتفاظ بمواقعها الحالية في السلطة, أي اليسار المتعدد, أو الحالمة في تغيير خارطة التوازنات والفوز بمواقع تؤهلها اعادة التقاط أنفاسها بعد خسارتها في الانتخابات التشريعية عام ,1997 وهي أحزاب المعارضة الديجولية. وفي الواقع ان هذه الانتخابات تكتسب أهمية خاصة لدى مجمل التيارات السياسية, وعلى الخصوص بالنسبة لقصر الاليزيه وقصر اتنيون, حيث انها المحطة الفاصلة بين انتخابات 1997 التشريعية والانتخابات الرئاسية التي ستجرى في عام ,2002 لذلك فان نتائج الـ 13 من شهر يونيو ستوضح معالم التوجهات السياسية المحلية والاقليمية, ذلك لأن الناخب الفرنسي لم يعد يهتم بالشعارات بقدر اهتمامه بما يمكن انجازه حيث أدرك بأن أعظم الشعارات المرفوعة ستوضع في الخزانات. والناخب الفرنسي على حق في تصوراته لأن الأحزاب الاشتراكية, التي تتألف منها الحكومة الحالية تختلف في نظرها الى المستقبل, حيث يعارض الحزب الشيوعي برئاسة روبي هيو معاهدة مايستريخت وذوبان الهوية الوطنية في البناء الأوروبي, منتقدا اجراءات الحكومة في مجال العمل وتحسين ظروف المواطنين, وهذا لا يبتعد عنه حركة المواطنين الذي يقوده وزير الداخلية جان ــ بيير شوفنمان, الذي يعتقد بأن أوروبا الموحدة هي السلاح الذي يخدم توجهات الادارة الأمريكية لذلك يجب وقف الزحف الأمريكي الى فرنسا. لاهاي ــ سعيد السبكي باريس ــ شاكر نوري