انتهت الحرب في كوسوفو وبدأت الخلافات بين المحللين حول نتائج الحرب, فمن جانب يرى الاوروبيون ان الاتحاد الاوروبي خرج موحدا وبكيان دفاعي وسياسي كان حلما وهدفا لسخرية, وزير الخارجية الامريكي الاسبق هنرى كيسنجر في السبعينات عندما قال ان اوروبا ليس لها رقم تليفون يمكن لواشنطن الاتصال به . وحققت الحرب امنية اوروبية المانية بتجسيد صورة الاوروبي الطيب الذي نجح في التفاوض بين الامريكي الشرير والصربي المتوحش. فالتصميم على اظهار الفاعلية والتضامن خلال حرب البلقان دفع زعماء دول الاتحاد الخمس عشرة الى تسوية قضايا تتعلق بالميزانيات والمسؤولين في وقت قياسي ووضعوا اسسا سياسة دفاعية مشتركة. وقال مسؤول فرنسي عقب قمة الاتحاد في كولونيا الاسبوع الماضي (اوروبا خاضت حربا جيدة, حققنا في بضعة اشهر اكثر مما كان يمكن تحقيقه في اي وقت اخر) . وفي مارس الماضي عندما اسقط حلف شمال الاطلسي اول قنبلة على يوغسلافيا خيبت قمة الاتحاد الاوروبي في برلين توقعات الخبراء بان وافقت بسرعة على ميزانية مدتها سبع سنوات للاتحاد تعرف باسم جدول اعمال عام 2000 وعلى تعيين رئيس الوزراء الايطالى السابق رومانو برودي رئيسا للجنة الاوروبية. وفي الاسبوع الماضي عندما قبل الرئيس اليوغسلافي سلوبودان ميلوسيفيتش اخيرا شروط الغرب للسلام في كوسوفو تبنوا خطة تتعلق بسياسة دفاعية للاتحاد الاوروبي واختاروا خافيير سولانا امين عام حلف الاطلسي اول قائد للسياسة الخارجية والامنية. واكد زعماء الاتحاد على انهم يخوضون حرب كوسوفو ليس لاهداف استراتيجية او اقتصادية بل لتكريس القيم الاوروبية المتعلقة بحقوق الانسان والديمقراطية على قارتهم. ورغم بعض الاعتراضات في ايطاليا واليونان تمسكوا بموقفهم عندما اشتد الصراع واستمر لفترة اطول مما توقع اغلبهم. ودفع اعلان ميلوسيفيتش موافقته على الشروط للرئيس الفنلندي مارتي اهتيساري والمبعوث الروسي فيكتور تشرنوميردين بعض الزعماء الاوروبيين خاصة الرئيس الفرنسي جاك شيراك الى الاشادة بالنتائج باعتبارها نجاحا اوروبيا. لكن هناك اخرين يختلفون. قال يواكيم كراوس مدير الدراسات في الجمعية الالمانية للسياسة الخارجية (لم يكن هذا الانتصار للاوروبيين, ما يمكن قوله بامانة هو ان الاوروبيين والامريكيين عملوا بشكل طيب معا باسلوب تقسيم العمل الذي لم يكن متبعا في السابق) . واضاف ان الخطورة تكمن في المبالغة في تقدير دور الاتحاد الاوروبي بعد حملة قدمت الولايات المتحدة فيها اكثر من ثلاثة ارباع القوة الجوية. وتابع (بعض وسائل الاعلام الاوروبية صورت نتائج كوسوفو بشكل بدا من قبيل التمني اكثر منه حقيقة واقعة, في المانيا صورت النتائج وكأن الاوروبيين الخيرين تفاوضوا على اتفاق بين الصرب المتوحشين والامريكيين الاشرار) . واشار كراوس الى ان اهتيساري اصر على انه ليس مفاوضا بل ناقل رسائل, لكنه قال ان صلابة الموقف السياسي الاوروبي ساعدت على امكانية تحقيق هذه النتيجة. واضاف كراوس (الاوروبيون نضجوا وتماسكوا بشكل افضل مما كان عليه حالهم في الماضي ويرجع ذلك جزئيا للالمان) . فقد اظهر المستشار الالماني جيرهارد شرويدر ووزير الخارجية يوشكا فيشر شجاعة سياسية في مواجهة المعارضة المناهضة للحرب داخل حزبيهما الديمقراطي الاشتراكي والخضر ولعبا دورا اساسيا الى جانب فرنسا في اشراك روسيا في جهود الحل الدبلوماسي. ويقول مسؤولون بريطانيون ان الفشل في اقناع الولايات المتحدة باستخدام القوة في كوسوفو في الصيف الماضي عندما وقع اول هجوم صربي كبير هناك كان من العوامل التي دفعت رئيس الوزراء توني بلير لتغيير سياسات بريطانية معمول بها منذ عشرات السنين والضغط من اجل قدرة دفاعية اوروبية مستقلة. وقال احد المسؤولين (لقد ادرك في ذلك الوقت اننا يجب ان نكون قادرين على عمل المزيد لانفسنا في اوروبا) . وقال جيل ادرياني الاستاذ الفرنسي الزائر بالمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية ان صراع كوسوفو اظهر ان اوروبا تعلمت الدرس من الانقسام وعدم الفاعلية في الحرب البوسنية بين عامي 1992 و1995. وقال (في البوسنة كنا منقسمين على الصعيد الاوروبي لا نعرف هل نواجه ميلوسيفيتش بالقوة ام لا وكنا منقسمين عبر الاطلسي وكنا نتحرك ببطء) . وأضاف (في كوسوفو تمكنا من توحيد صفوفنا وادركنا انه يتعين استخدام القوة وابقينا على علاقات طيبة عبر المحيط الاطلسي وتصرفنا بسرعة, البوسنة كانت كابوسا بالنسبة للثقة في اوروبا واحترامها لنفسها وكانت كوسوفو بالتأكيد خطوة افضل) . والسؤال المطروح الان هو ما اذا كان الاوروبيون سيبنون على انجازاتهم في كوسوفو ويدعمون توقعاتهم بشأن قدراتهم ام سيعودون لاساليبهم المشتتة السابقة. وكتب المعلق البريطاني هوجو يونج في صحيفة جارديان يقول ان النتائج التي ليس من المتوقع ان تدوم طويلا ربما تكون انتصارا نتج عن الارهاق. وأضاف ان الاوروبيين سيبقون على قواتهم في كوسوفو والبوسنة وليس هناك خطط لزيادة الانفاق الدفاعي لذلك من المستبعد تكرار مهمة مماثلة لما جرى في كوسوفو. ــ رويترز