بدأت القوات اليوغسلافية انسحابها من كوسوفو في الساعة الثانية من ظهر أمس بالتوقيت المحلي (10 بتوقيت جرينتش) غداة توقيع الاتفاق التقني العسكري مع حلف الناتو , لاكمال الانسحاب خلال فترة 11 يوما حسبما طلبت بلجراد, تنتشر خلالها قوات حفظ سلام دولية تشكل القوات البريطانية والامريكية نواتها, تتبعها عملية اعادة نحو 800 الف لاجئ مشردين في البانيا ومقدونيا. وتوقفت غارات حلف الناتو تماما على بلجراد وكل انحاء يوغسلافيا منذ الليلة الماضية, وعاش الصرب فرحة وقف الغارات وبدء حلول السلام, في حين واصلت القوات الصربية قصف الحدود الالبانية حيث يتواجد جيش التحرير. فقد قال مسؤول يوغسلافي كبير ان وحدات الجيش والشرطة اليوغسلافية بدأت في الانسحاب من كوسوفو وفقا لاتفاق السلام الدولي. وقال نبويسا فويوفيتش المتحدث باسم وزارة الخارجية اليوغسلافية في مؤتمر صحفي (بدأت وحدات الجيش والشرطة اليوغسلافية انسحابها من كوسوفو بنظام تام تنفيذا لنظام انسحاب بالغ الدقة والاحكام) . وحضر فويوفيتش المحادثات المطولة التي جرت في مقدونيا بين مسؤولين عسكريين بارزين من حلف الاطلسي والجيش اليوغسلافي والتي أسفرت عن توقيع خطة مفصلة لانسحاب القوات الصربية من كوسوفو. ومنحت بنود الاتفاق بلجراد مهلة حتى مساء امس الخميس لبدء نقل قواتها خارج الاقليم الصربي على ان تنسحب جميع قواتها خلال 11 يوما. وقال مسؤولون من الحلف في وقت سابق في بروكسل ان التحالف رأى علامات على الانسحاب الا انه ينتظر التأكد من ان الانسحاب نهائي. وفي وقت سابق اعلن حلف الاطلسي انه لاحظ (حركة انسحاب) للقوات اليوغسلافية من كوسوفو بعد نشر معلومات تشير الى تحركات عسكرية لالاف الجنود في الاقليم الصربي. وفي المراحل الاولى للانسحاب غادرت نحو عشر آليات على متنها جنود يوغسلاف كوسوفو واستعد طابور من خمسين آلية اخرى للحاق بها, كما افاد مراسل وكالة فرانس برس في مرداري عند الحدود الادارية الفاصلة بين الاقليم وبقية مناطق صربيا. واجتازت الحدود ثلاث شاحنات عسكرية وحافلة تنقل عسكريين واخرى على متنها جنود ومدنيون بالاضافة الى عدد من السيارات. وتجمع صف من نحو خمسين عربة عسكرية وغيرها من وسائل نقل الجنود والعربات المدرعة بين بودوييفو (شمال شرق كوسوفو) ومرداري على بعد 2,5 كلم من الحدود, بانتظار اشارة الانطلاق. وفي سياق متصل قال وزير الخارجية البريطاني روبن كوك ان شاحنات يوغسلافية خالية شوهدت وهي تدخل اقليم كوسوفو في اشارة على ما يبدو على ان بلجراد توشك البدء في سحب قواتها من المنطقة. واضاف لتلفزيون هيئة الاذاعة البريطانية انه يعتقد ان القوات اليوغسلافية ستبدأ الانسحاب في وقت لاحق من يوم امس كما يقضي اتفاق السلام الدولي الذي وقعته بلجراد. وتابع في حديث من كولونيا (نقترب من نهاية اللعبة. الاختبار النهائي هو ما اذا كنا سنرى دليلا على انسحاب القوات الصربية) . نعتقد ان هذا سيحدث في وقت لاحق ولقد شاهدنا بالفعل عدة شاحنات خالية وسيارات تدخل كوسوفو ونأمل ان يكون هذا اشارة على انهم يعدون انفسهم لنقل قواتهم ومعداتهم خارج الاقليم) . ويمنح الاتفاق بلجراد مهلة لبدء نقل قواتها خارج كوسوفو على ان تسحب جميع قواتها خلال 11 يوما. وقال كوك ان حلف الاطلسي يريد ان يبدأ في نشر قواته في كوسوفو فور بدء انسحاب الصرب حتى يتجنب خلق فراغ في السلطة. وكان توقيع الاتفاق العسكري بين الجنرالات اليوغسلاف وحلف الناتو جاء بمثابة تحرك مفاجئ انهى مفاوضات ماراثونية معقدة. ففي تحول مفاجئ للموقف ما زالت ظروفه واسبابه مجهولة عاد الوفد اليوغسلافي فجأة الى طاولة المفاوضات بعد دقائق معدودة فقط على اعلان المتحدث باسم حلف الاطلسي روبين كليفورد ارجاء النقاشات الشاقة للبحث عن السلام في كوسوفو. كانت الساعة (18,15تج) وكان المفاوضان الصربيان الرئيسيان الجنرال ماريانوفيتش من رئاسة اركان الجيش ونيبويا فوكوفيتش المتحدث باسم وزارة الخارجية اليوغسلافية غادرا قبل ساعة ونصف الساعة قاعدة كومانوفو التي تشرف عليها القوات الفرنسية. وامام الخيمة البنية اللون التي كانت تجري فيها المفاوضات تقدم البريطاني روبين كليفورد ليقول للصحافيين ان (فوكوفيتش يجب ان يعود الى بلجراد لاجراء مشاورات على مستوى عال) . واضاف ان قائد قوات الاطلسي في مقدونيا الجنرال البريطاني مايكل جاكسون قرر في ضوء ذلك تعليق المفاوضات حتى يوم امس (الخميس). وبعد اقل من عشر دقائق على هذا الاعلان شوهد عسكريون من الحلف وهو يقومون باشارات كبيرة الى الضباط الاطلسيين الذين يعاونون جاكسون لكي يعودوا ادراجهم. حدث ذلك في وقت كان الصحافيون المحتشدون امام الخيمة وعددهم اكثر من مئة يستعدون لمغادرة المكان. الا ان كليفورد توجه اليهم قائلا (ابقوا, سيحصل شىء جيد بالنسبة اليكم) . وسرعان ما بدأت تنتشر شائعة بان الصرب عائدون. وبعد نصف ساعة عاد فويوفيتش بالفعل في سيارة كبيرة بيضاء زجاجها داكن. واوضح كليفورد ان المفاوضين اليوغسلافيين كانا على الحدود و(من هناك تلقينا منهما رسالة بانهما يريدان استئناف النقاشات) . نزل مفاوضا بلجراد من السيارة ودخلا سريعا الى مبنى صغير نقال اقيم على اقل من 20 مترا من الخيمة. واستؤنف اللقاء مجددا في الساعة 20,25. وقال رئيس الكتيبة الفرنسية الجنرال برونو كوش ان الاتفاق وقع في الساعة 20,25. واثار اعلان الاتفاق موجة عارمة من الفرح في يوغسلافيا ففي بلجراد استقبل اعلان توقيع الاتفاق باطلاق نيران الدفاعات الجوية والاسلحة الخفيفة وترافق ذلك باطلاق ابواق السيارات. كذلك جابت مئات السيارات وسط العاصمة اليوغسلافية مما احدث جلبة وضوضاء مع اقتراب منتصف الليل حيث انه لم يشاهد ابدا هذا العدد الغفير من الناس في وسط المدينة في ساعة متأخرة من الليل منذ بدء الضربات الاطلسية على يوغسلافيا في 24 مارس الماضي. وفي بريشتينا التي تعرضت بقسوة للقصف الجوي وغادرها قسم من سكانها دوت رشقات الاسلحة الرشاشة من حي الى اخر في المدينة, كما ذكر مراسل وكالة فرانس برس. لكن لم تلاحظ اي اشارة الى استعدادات انسحاب الجيش والشرطة خلال النهار. واكد ضباط في الجيش والشرطة امس الاول لوكالة فرانس برس عند الاعلان عن توقيع الاتفاق حول الانسحاب انهم لم يتلقوا اي امر للاستعداد للرحيل. وافتتح التلفزيون الصربي الرسمي نشرته الاخبارية عند الساعة 22,30 (20,30 تج) بنبأ توقيع الاتفاق حول الانسحاب اليوغسلافي من كوسوفو. وردد التلفزيون الصربي (ار تي اس) وعدة محطات اخرى منها (ستوديو بي) و(بوليتيكا) مرات عدة التصريح الذي ادلى به الجنرال سفيتوزار ماريونوفيتش مساعد رئيس الاركان اليوغسلافي في كومانوفو بعد توقيع الاتفاق العسكري. وقال الجنرال ماريونوفيتش ان (ذلك يعني ان الحرب قد انتهت) , مضيفا ان (المفاوضات كانت صعبة لكننا توصلنا في النهاية الى اتفاق) . وخلص الى القول ان (سياسة السلام قد انتصرت, سياسة قادتها يوغسلافيا والرئيس (سلوبودان) ميلوسيفيتش) . ورغم توقف غارات الناتو قالت منظمة الامن والتعاون في اوروبا ان القوات الصربية واصلت قصف قرى في شمال البانيا الليلة قبل الماضية وصباح امس. وقال المتحدث باسم المنظمة اندريا انييلي لرويترز ان مراقبي المنظمة سمعوا اصوات قذائف حول قرى فلاهان وتشاهان وليتاي في شمال شرق البانيا بالقرب من حدود كوسوفو. واضاف (قصفت فلاهان مرة اخرى الساعة الخامسة صباحا (0300 بتوقيت جرينتش) بالعديد من قذائف المورتر والمدفعية) . وافاد سكان في بريشتينا عاصمة كوسوفو بان عمليات نهب تقع في المدينة بينما تتردد اصوات اعيرة نارية في الهواء وسط مشاعر متباينة من الغضب والابتهاج للتوصل الى اتفاق الانسحاب. وقال السكان الذين تم الاتصال بهم تليفونيا من جمهورية مقدونيا المجاورة ان شاحنات تحمل لوحات معدنية عسكرية تغادر المدينة وبعضها محمل ببضائع كثيرة منهوبة تتراوح بين المعلبات الغذائية والاثاث. وقال استاذ جامعي من اصل الباني بالهاتف من المدينة (هناك اطلاق للرصاص في الهواء. يمكنني سماع اصوات رشاشات ومسدسات) . واضاف قائلا (بعض المنازل تحترق0 وهناك شاحنات كثيرة تحمل لوحات معدنية عسكرية تجوب المنطقة) . وفي بروكسل ذكرت وكالة انباء كوسوفو برس انها تلقت مكالمتين هاتفيتين من سكان مذعورين في بريشتينا قالوا ان رجالا مسلحين يقتحمون منازل الالبان في وسط بريشتينا وهو يصيحون (اننا راحلون وسنقتلكم جميعا) . وقالت ربة منزل في المدينة (كما هو الحال دائما فان الصرب يحتفلون بهزيمة كبيرة0 ترى ماذا لديهم ليحتفلوا به) . وقال رجل صربي يعيش منذ فترة طويلة في بريشتينا ان معظم زملائه سيرحلون عن المدينة بشكل مؤقت على الاقل لانهم يخشون هجمات انتقامية. واضاف قائلا (يجب ان نرحل من هنا اولا. ثم ننتظر لنرى ماذا سيحدث. وربما اعود فيما بعد) . ـ الوكالات