أعلن لبنان أمس الحداد والاضراب اثر مقتل القضاة الأربعة في قصر العدل بمدينة صيدا في هجوم مسلح ومنظم حيث شيع آلاف الغاضبون القضاة الأربعة في المدينة قبل مواراتهم الثرى في مناطقهم(واحدهم في الشريط الحدودي المحتل)وتقليدهم أوسمة من رئيس الجمهورية اميل لحود وسط مشاهد انسانية محزنة لاسر القتلى الذين كان بينهم رئيس محكمة الجنايات في الجنوب حسن عثمان الذي كان طالب قبل فترة قصيرة بتغيير مبنى قصر العدل لسوء وضعه. ووسط حداد وطني شامل, واقفال المدارس والجامعات الرسمية والخاصة, شارك ممثلو الرؤساء الثلاثة: الجمهورية, مجلس النواب, ومجلس الوزراء, وعشرات الآلاف من المواطنين المفجوعين والمستنكرين ووري الأربعة, كل في مسقط رأسه, ومنحوا قبل الدفن أوسمة رئيس الجمهورية, ما عدا القاضي عماد شهاب الذي سلم الوسام الممنوح له الى عائلته في بيروت, لانه ووري الثرى فيما بعد في بلدته حاصبيا, الواقعة ضمن الشريط الحدودي المحتل, حيث قلده اياه باسم الرئيس اميل لحود قائمقام المنطقة. وانطلق موكب التشييع من مستشفى حمود, وتقدم المشيعين النواب: محمد رعد, عبد اللطيف الزين, وبهية الحريري, ومحافظ الجنوب فيصل الصايغ, ومطارنة صيدا ومشاخيها وحشد من القضاة والمحامين والمواطنين. وبوصول الموكب الى قصر العدل حمل النعش على الاكف وأدخل قاعة القصر, ووضع فوق المنصة التي استشهد عليها, وقام المحامون الغاضبون باطلاق الهتافات المنددة بالجريمة والمطالبة بانزال اشد العقوبات في حق المجرمين. ثم توجه الموكب الى الزعرورية حيث سارت جنازة حاشدة ووري هناك الثرى جثمانا القاضيين عثمان وعاصم بو ضاهر الذي كان قد نقل الى بلدته مساء أمس الأول, وفي الشمعانية ووري القاضي وليد هرموش الثرى, وتوجه موكب يحمل جثمان القاضي عماد شهاب الى بلدته حاصبيا الحدودية, بعد ان تم استصدار تصريح للدخول الى الشريط المحتل عبر معبر كفر تبنيت. وفي الزعرورية قلد وزير العدل جوزف شاؤول باسم رئيس الجمهورية القاضي عثمان وسام الارز الوطني من رتبة كومندان. كما قلد القاضي بو ضاهر وسام الارز برتبة ضابط, وكذلك الامر بالنسبة للقاضيين هرموش وشهاب. وشارك في تقديم التعازي في الزعرورية والسمقانية رئيس الحكومة سليم الحص والوزراء شاؤول وانور الخليل ونجيب ميقاتي وغازي زعيتر. ثم انتقل الحص الى مدينة صيدا حيث اطلع على مجريات التحقيق الذاتي لكشف منفذي الجريمة. بلدة القاضيين الشهيدين لم يذرف أهالي بلدة الزعرورية في اقليم الخروب في الشوف دموعا كالتي ذرفوها امس وهم يودعون الى المثوى الاخير القاضيين: الرئيس الاول لمحكمة الاستئناف في الجنوب حسن عثمان (63 عاما) وعاصم بو ضاهر (39 عاما). ووسط الدموع تسبح ذكريات الاهالي وانطباعاتهم عن اثنين مشهود لنزاهتهما على منصة العدل, وتحت قوسه, قبل يوم واحد من سقوطه في الجريمة رافق القاضي عثمان وزير العدل الدكتور جوزف شاؤول في الزيارة التي قام بها الاخير الى جزين المحررة. كأنما كان قلب عثمان يحدثه بالوشاح الذي يتضرج بدمائه بعد ساعات, فعلى غير عادته (استغل) وجوده بالقرب من الوزير فحادثه بصوت مسموع وكأنه يوصيه بقصر العدل في صيدا والذي عمل فيه ردحا من عمر كان, فقال متمنيا على شاؤول ضرورة انجاز الاعمال المتوقفة بسبب غياب الاعتمادات في قصر العدل الجديد في صيدا (الجاثم على شاطئ البحر كحورية) حسب تعبيره. وبعد ان صارحه وزير العدل بان الاعتمادات اللازمة وهي خمسة مليارات ليرة لبنانية غير متوفرة حاليا, بادره عثمان وهو الذي اعتاد الا يطلب شيئا لا من وزير أو سياسي او اي كان قائلا: (... ولكن قصر العدل الحالي (صيدا) لم يعد يحتمل, ولم نعد نحتمله, وبات الانتقال منه اكثر من ضرورة, يجب ان يكون من الاولويات) . وفي اليوم التالي كانت الدماء المتقاطرة نزفا من جسد عثمان تحادث الجميع: (ألم أقل ان قصر العدل لم يعد يحتمل) ؟. وسام لابن حاصبيا قبل ان يصل جثمان القاضي عماد شهاب الى بلدته حاصبيا في الشريط المحتل عبر معبر كفر تبنيت, كانت دموع الاهل تتناثر فوق روحه الوديعة, كصاحبها في حياته, وهي موزعة جغرافيا بين الأهل في البلدة الأم, وبعض اقربائه الذين باتوا ليلتهم بالقرب من براد مستشفى حمود الحكومي في صيدا حيث (نام) جثمانه الليلة الأخيرة فوق التراب, وبين منزله في شارع عمر بن الخطاب في منطقة رأس النبع في بيروت. وقبل انطلاق رحلة الوداع الأخير لم يتمكن الوزير القاضي الرصين شاؤول من ان يحبس دموعا خانقة وهو يتقدم من ارملة القاضي شهاب في رأس النبع معزيا ومقدما وساما للفقيد باسم رئيس الجمهورية, فتصرخ منهارة: (ما بدي استلم شيء هيدا (الوسام) الو, وكان لازم هوي يتكرم بحياته ومش بعد موته) . بيروت ــ وليد زهر الدين