الطريق الاسهل لفهم السر في اننا نقف حيث نحن الآن في كوسوفو هو استرجاع ما قاله بل كلينتون في اوائل 1991 عندما قام الكونجرس بمنح الرئيس جورج بوش الصلاحيات الدستورية للهجوم على العراق. ولقد كان رد فعل كلينتون حاكم ولاية اركنساس في ذلك الوقت هو قوله: اعتقد انني كنت سأصوت مع الاغلبية اذا كان ذلك التصويت قد تم بشكل سري, ولكني اتفق مع الاطروحات والحجج التي قدمتها الاقلية. وهنا تجد نفسك امام رجل ذي مبادىء ولا تعوزه الارادة للدخول في مجازفات سياسية كبيرة للدفاع عن آرائه. وبعد مضي ثمانية اعوام من ذلك الوقت والنتيجة هي حرب اطلق لها العنان, مع وابل متصل من التصريحات واللغة المنمقة التي تنزع ولدرجة بعيدة للتحدث عن الشر المستطير لسلوبودان ميلوسيفيتش ومازالت تلك الحرب وتلك اللغة تتواصلان مع قدر كبير من العجز والقيود التي فرضت نفسها على هذا الواقع وصار ضحاياها الرئيسيون هم ابناء كوسوفو انفسهم الذين يدعي الغرب مساعدتهم, ويعود اصل هذه القيود الى عدم رغبة او ممانعة الرئيس كلينتون في طرح موقفه على الاقتراع العام او في استطلاعات الرأي للخطر والتراجع او ان تتعرض الطموحات المستقبلية للديمقراطيين في الانتخابات المقبلة لهذا الخطر وذلك التراجع ان هذه التباينات تبدو غير سارة بل وسلبية اذا ما قورنت بسلوك الرئيس بوش في حرب الخليج, فعلى الرغم من ان بوش كان متيقنا من نتيجة التصويت لصالح قراره, الا ان افعاله لم تكن تنم عن ذلك. وفي نوفمبر 1990 وبينما كان يجري اعداد القوات, فإن استطلاعا للرأي قام به معهد جالوب طلب من المشاركين فيه تحديد الخيار بين القيام بهجوم بري او بحرب جوية على العراق وبنسبة 74% اي 17% فضل هؤلاء المشاركون الهجوم الجوي. ان الجبن والتخوف الشديد لدى كلينتون من مواصلة الحرب جعلا من الامر قضية بالغة الحرج. ويقوم ذلك الحرج على حجة ان كوسوفو لا تشغل او تمثل ابدا مصلحة من المصالح ذات الاهمية بالنسبة للولايات المتحدة. وهذه حقيقة بكل تأكيد, فلو كانت هناك مصالح لافضت الحرب الى تحفظات اقل مما هي موجودة الآن. ولكن ــ وكما يقولون ــ فإن التدخل عمل على تحطيم السياسة الخارجية للولايات المتحدة, واضر بالعلاقات مع كل من روسيا والصين. وان الاستخدام الخاطىء وغير الملائم لقوة الولايات المتحدة سوف يجعل إثناء الامم الاخرى عن ارتكاب مثل هذا الخطأ امرا اكثر صعوبة في المستقبل, وسوف تظل هذه القضايا تراوح مكانها حتى لو ارغم ميلوسيفيتش في النهاية على سحب قواته, ولكن هناك موضوع اخر, وهو دور او مكانة الاخلاق في السياسة الخارجية. وكوسوفو ربما صارت بمثابة الحرب الاولى في تاريخ الولايات المتحدة التي تأخذها على عاتقها لدواع اخلاقية. وفي مقال كتبه لجريدة (النيويورك تايمز) قال كلينتون: ان شعوب البلقان لم يحتم عليها القدر ان تكون في قلب الظلام الاوروبي وفي منطقة للمساجد التي تفجرها القنابل ومكانا لقصف الرجال والصبية بالسلاح من الخلف ومسرحا لاغتصاب النساء الشابات. ان رد الفعل القوي هذا لتلك الافعال التي تشمئز لها النفوس يعكس مشاعر معظم الامريكيين, وكان الرئيس كلينتون مصيبا حينما قال ان عدم مقدرة امريكا على منع وقوع كل تلك الفظائع والاعمال الشريرة هناك لا يعني انها لا تستطيع ان تحد من وقوع بعضها. وان محصلة كوسوفو هو انها حرب النوايا الطيبة ولسوء الطالع فإن كلينتون تجاهل الاجابة على السؤال الصعب في هذه الظروف وهو: إذا كنت قد بدأت حربا لدواع اخلاقية وخضتها بأسلوب فاتر وطريقة تفتقد للحماس فهل سيظل سلوكك ايضا يتصف بالاخلاقية في هذه الاحوال؟ وبطريقة تجنبه اعطاء اجابة قاطعة ليحتفظ لنفسه برهاناته احتال كلينتون وتدبر للامر بشن حملة عنيفة لنصرة القيم والمبادىء الاخلاقية فصارت الحملة ذاتها عملا يفتقر للاخلاق وبالنتيجة فلقد واجه كلينتون خيارين عسيري الهضم وبقدر متساو. احدهما هو ان يبقى خارج نطاق القضية, لان الانخراط في حرب في كوسوفو يحدث اضطرابا اكثر مما يحققه من جدوى, ولربما تكون هذه الرؤية هي التي اجبرت كلينتون على مواجهة النقد القاسي بأنه ايضا يعتبر شريكا في جريمة قتل الكوسوفيين الابرياء, اما الخيار الثاني فهو التدخل بقوات كبيرة العدد والعتاد للترجيح ومنح الافضلية لاهالي كوسوفو وتمكينهم من مواجهة ما يتعرضون له, والمخاطر الماثلة من جراء التدخل الامريكي في كوسوفو تتلخص في النسبة العالية من القتلى او الجرحى بين جنود الولايات المتحدة والتي يمكن ان تنجم عن هذا التدخل وايضا الرأي العام الشرس فيما اذا صار ذلك واقعا. وهكذا فإننا نرى أن كلينتون اختار سياسة معينة لتقليل درجة المخاطر السياسية, وكان بمقدوره التدخل ولكن بالاسلوب الذي يقلل للحد الادنى امكانيات الاصابة, او الخسائر في صفوف القوات الامريكية. ومن غير شك فإن هذه الطريقة كانت حلا سياسيا انيقا وتفسيره انه اذا ما كانت الحرب عملا يفي بتغطية فاتورة الاشغال العامة, فإنه ربما يكون جائزا الدفاع عنها, اما هنا فإن مثل هذه التبعات يبدو الدفاع عنها متعذرا. ومن الناحية الاخلاقية فإن كلينتون قام بتحويل كل مقدار المجازفة في السياسة الامريكية تقريبا وحمله الى مواطني كوسوفو. والمأزق الذي هم فيه الآن لا يحتمل ان يزداد سوءا. بل انه ربما كان الوضع سيكون افضل مما هو عليه اليوم اذا كان كلينتون لم يقم بفعل شيء من الاساس, فعندما بدأت قوات حلف الناتو القصف, لم تكن هناك قيود على تصرفات ميلوسيفيتش ووقائع النفي المبكرة للرئيس كلينتون التي تفيد بأن القوات البرية لن يتم استخدامها مطلقا جعلت ميلوسيفيتش لا يرى سببا يمنعه من الاستمرار في افعاله, وكان ذلك موقفا متهورا لكلينتون جانبه التوفيق بل وفي حقيقته موقفا اجراميا على وجه التقريب. وسوف يقول المدافعون عن الرئيس الامريكي انه كان وكما هو حتى الآن مقيدا بمشكلات عملية منها الانقسامات في اطار الناتو والرأي العام والتضاريس الصعبة للارض في منطقة البلقان ويبدو كل هذا صحيحا, وهو صحيح ايضا عند نشوب اي ازمة, فلقد جابه الرئيس بوش صعوبات هائلة في منطقة الخليج ومنها انه واجه حلفاء يقاومون سياسته او لا يرغبون في المشاركة ما عدا الوضع بالنسبة لبريطانيا, ومنها اعتبارات مراعاة المشاعر العربية تجاه الازمة والقدرة والكياسة في اقناع الشعوب العربية على الدخول في التحالف الدولي ومنها ايضا المسافات الهائلة التي كانت تفصله عن الخليج. وعودة الى الموضوع الاساسي, فإن هذا هو موضوع فشل واخفاق الرئيس كلينتون ولكن هذا الفشل يسلط الضوء ايضا على اشكالية من اشكاليات السياسة الخارجية كيف يمكن للمرء ان يكون وفيا للقيم الامريكية وان يكون في الوقت ذاته مقرا (معترفاً) بحدود قواتها؟ يريد الامريكيون اعطاء فكرة صحيحة عن حقيقة قناعاتهم وما يؤمنون به لبقية الامم في العالم, ولكن هذا الايمان بالتفوق في قيمهم جعل الامريكيين ايضا متشككين في الاجانب, وهذه المسألة تعمل على ايجاد حلقات او دورات زمنية تستشرف الصفات والمبادىء الدولية تارة وتعود الى الانكفاء والانعزالية تارة اخرى, لقد اراد كلينتون الوقوف الى جانب اي شيء يرى انه حسن وصحيح, ولكنه لم يحزم امره بصورة كافية ليصل الى ما هو حسن وما هو صحيح. ومن المحتمل ان معظم الامريكيين يحسون ذات الاحساس, اما ما هو الدرس الذي تعطيه لنا ازمة كوسوفو فهو الذي يقول لنا ان النوايا الطيبة لا تكفي وانه حينما تتخذ مواقفك بشكل ارعن فإن ذلك يقودك الى النتائج السيئة.