مازالت ذاكرة الفلسطيني مثلما حياته حافلة بالمشاهد المؤلمة والموجعة منذ دخول الاسرائيليين بلاد فلسطين وحتى يومنا هذا في محطات تتجدد هنا وهناك يباشر فيها الصهاينة التنكيل والذبح للشعب الفلسطيني في صور مختلفة. وكانت حرب يونيو 1967 واحدة من تلك المحطات التي لا تغيب عن الذاكرة الفلسطينية وفي هذا التقرير نسجل شهادات لاهالي غزة يتحدثون فيها عن مجازر القتل التي اقترفها العدو الصهيوني اثناء الحرب التي كانت نكسة كبيرة. وقال عدلي صادق القائم بأعمال سفارة فلسطين في الجزائر (45 عاماً) من سكان خانيونس في ذكريات تلك الأيام النكدة: كنت ضمن اللجنة التي تتابع الامتحانات الاعدادية في مدرسة عزالدين القسام وفي تمام الساعة العاشرة إلا ربع بالتحديد سمعت أربع قذائف مدفعية تزلزل المكان والصمت الذي كان يخيم على الاجواء بين الطلبة وبعدها انفرط حبل سرادق الامتحانات الذي نصب وانفرطت وحدات كثيرة في حياتنا وبعدها هرع الشباب بالتحديد الى مركز شرطة خانيونس يهتفون (بدنا سلاح.. بدنا سلاح) ونزولاً عند طلب الجماهير قام قائد مركز الشرطة بفتح المخزن على مصرعية وتم توزيع بنادق من نوع البلجيكي القديم (ماوزر) وسرعان ما وجدت نفسي احتضن البندقية التي كانت مع المرحوم عبدالهادي صلاح وبدأت مظاهر المعركة انذاك وتركز الهجوم على ثلاثة محاور في أبو عجيلة بسيناء ومحور الكونتيلا في سيناء ايضاً اضافة الى محور خانيونس. ويؤكد صادق ان محور خانيونس وبشهادة قائد المدرعات الاسرائيلية طال كان الاشرس والاقوى حيث وقعت في خانيونس معركة مريرة لم تتوقف حتى بعد وصول القوات الاسرائيلية للضفة الشرقية لقناة السويس واعترف الاسرائيليون بسقوط 35 قائد دبابة اسرائيلية أحدهم قائد فرقة, الذي شاهدته بأم عيني يسقط في الساعة الثانية ظهراً في شارع جلال بخانيونس حينما مرت من امامنا سيارة مدرعة ضخمة علمنا فيما بعد انها كاسحة حواجز حيث سرت اشاعة بأن قوات عراقية وصلت للمشاركة في الدفاع عن القطاع. وبعد مرور ربع ساعة تقريباً واذا بعربة اسرائيلية من نوع جيب ويلز وبها ضابط أمسك بقابض رشاش ميداني وأقبل علينا مسرعاً قادماً من الجهة العليا لشارع جلال وكانت عند الانعطاف الايمن للشارع قوات جيش التحرير الفلسطيني التي أقامت وحدة من نقاط التزود بالمياه وعند هذه النقطة التي تجمهر عندها جمع من المسلمين, اطلق الضابط النار بشكل افقي وسرعان ما بدأت عملية الرماية من كل الزوايا ومع غزارة الرماية انعطفت بسرعة واصطدم بقائم انبوب المياه وانقلبت عربة الجيب على يمينها وانقض الجميع وبدأنا نشتبك مع سيارات نصف مجنزرة محملة بالجنود الصهاينة تتقدم ببطء وتشتبك ثم تعود وفي المساء انسحبت هذه القوة التي لم يكن يلائمها الاشتباك وسط مناطق مأهولة. ويقول المدرس عمر اسماعيل كشك (50 عاماً) من سكان رفح: فور صدور التعليمات لنا بدأ الجميع يذهب الى الوحدات العسكرية ويستعد أكثر ويتأهب للمعركة ويضيف عندما كنت اجلس مع زملائي في المدرسة في ذلك الوقت جاء أحد الزملاء يقول لنا مش بعيد يحتلنا اليهود مرة ثانية ويرتكبون المجازر مثل عام 1956م وماهي إلا دقائق إلا وسمعنا قصف الطائرات ومجرد وصول هذا الزميل الى بيته وكان اسمه محمود شقفه وقعت دانة مدفع على بيته واستشهد على الفور ثم دخل جيش الاحتلال في منطقة المعسكر وكان يقف في نقطة المعسكر الجندي عطا ابو حمزة فأشهر سلاحه ورفض الاستسلام فاطلقوا النار عليه فاستشهد مع زميله الشرطي حسين ابو عازرة واشتدت المقاومة وبدأ الاحتلال يصدر تعليمات للشباب بالتجمع في الساحات العامة والمدارس واطلاق النار عليهم. وكانت من بين هذه المذابح, تلك المذبحة التي وقعت في حديقة مدرسة ذكور (أ) الاعدادية للبنين حيث قتل العشرات من المواطنين والجنود المصريين الذين استطاع بعضهم كتابة اسمائهم بالدم على جدران المدرسة. كما وقعت مذبحة اخرى بعد اسبوعين من المعركة والحرب قرب منطقة الشيخ عمير في حي الشابورة حيث نسف جنود الغزاة المكان على السكان وأغلبهم من الشيوخ والنساء والاطفال : وأضاف أذكر من بين الشهداء افراد من عائلة فضة وابو وردة وشاهين الذين تم قتلهم بدم بارد. ويؤكد المواطن مصطفى بيومي العقاد انه كان في ذلك اليوم يقدم امتحان الشهادة الاعدادية فسمعت ضربة مدوية فتوقفت عن الكتابة لان الضربة كانت ايذاناً بالحرب ومطلوب منا المقاومة وبالفعل خرج الجميع الى شوارع خانيونس وهم يهتفون (بدنا سلاح..) وذهبت الى شقيقي خالد الذي كان يعمل في مدفعية الطيران ولم نستطع الجلوس وذهبنا مع الشباب للمقاومة واسعاف الجرحى خاصة في شارع جلال الذي تعرضت العمارات السكنية فيه للدمار العنيف لشدة المقاومة فيه. وسيتذكر الشيخ صبري الفرا عضو محكمة الاستئناف العليا الايام التي سبقت الحرب وقال كنت في المقاومة الشعبية التي تم تشكيلها قبل الحرب بستة أشهر وتم اعلان حالة الطوارىء في المنطقة وازداد عدد قوات جيش التحرير الفلسطيني في المنطقة المجاورة لمنزلنا وهي منطقة الكتيبة. واضاف وفي صبيحة يوم الاثنين 15/6/67 فوجئنا بالناس يجرون في الشارع واخبرونا بأن قوات الاحتلال موجودة في الدوار الشرقي للمدينة الذي كان يتواجد فيها مركز التموين واحتشد وقتها المواطنون لاستلام التموين كعادتهم بهذا التاريخ لكنهم فوجئوا باطلاق النار عليهم واستشهد العشرات منهم بعضهم ثم دفنه بسرعة وآخرون لاحقاً. ويضيف الفرا منذ انتشار خبر هذه المذبحة انتشرت قواتنا في شوارع المدينة وبدأت الاستعدادات المكثفة لخوض المعركة ولم تتمكن قوات الاحتلال من دخول المدينة في الأيام الاولى للحرب وفي اليوم الرابع دخل جيب اسرائيلي شارع القسام وكان يقف أحد جنودنا من عائلة ابو الروس عند ورشة القسام وصوب رشاشه تجاه الجيب فسقط الجندي الاسرائيلي الذي كان يضبط بيده على الرشاش المثبت على الجيب وتوقفت السيارة الاسرائيلية عند مدخل الكتيبة فما كان من الجندي الفلسطيني وزميله ملاحقة هذه السيارة واطلاق النار عليها وقتل جميع من بداخلها وتم احضار السيارة الاسرائيلية وطافوا بها شوارع مدينة خانيونس وعندما زادت المقاومة وكانت الشوارع عبارة عن كتلة ملتهبة من النار تم قصف المدينة بالطائرات واذكر انه استشهد امام عيني في بداية القصف المحامي أحمد الاسطل ثم بدأت المدفعية الاسرائيلية تطلق النيران. وقال الفرا: ارتكب الاحتلال عمليات الانتقام والترحيل لابناء المدينة وتوالى القتل الجماعي في المدينة حيث بدأت عمليات الترحيل والتهجير واخلاء المدينة من سكانها. وأهم حدث في ذاكرة الشيخ الفرا حين كان يسير مع اثنين من جنود الجيش الفلسطيني في شارع المحطة وفوجئوا باطلاق النار عليهم من قبل جنود الاحتلال فاستشهدوا على الفور فحاول بعد دقائق مواراتهم التراب وبعد هدوء الاحداث تم ابلاغ الوحدة العسكرية بنبأ استشادهم ودفنهم في المكان المناسب. ويشير عبدالرحيم خليل ابو العمرين (54 عاماً) من سكان خانيونس انه في الثامن من مايو عام 67 اغلق الرئيس المصري جمال عبدالناصر مضائق البحرية الواقعة في العقبة ويسرد ذكرياته ويقول من المفارقات الغريبة في تلك الأيام اني عدت من جامعة عين شمس حيث كنت ادرس هناك في أول يوم للحرب مع مجموعة من قوات عين جالوت الفلسطينية وعندما وصلنا الى منطقة الاسماعيلية المصرية رأينا الطائرات الاسرائيلية على مستوى منخفض ورغم ذلك اصر الجميع على العودة وارتفعت المعنويات للمشاركة في الدفاع عن الوطن وقرر سائق السيارة العودة الى القاهرة وعندما وصلنا الى قناة السويس أخذنا زورقاً واستغرقنا في رحلة طويلة تحت قصف الطائرات المتكرر ومررنا على عدة مواقع تتصدى للطائرات الاسرائيلية وعندما وصلنا الى العريش فوجئنا بالاحتلال وتأكدنا من بوادر الهزيمة التي كانت تعكس ما كانت تتناقله وسائل الاعلام. تقول الحاجة أم العبد اسماعيل (70 عاماً) ان العديد من اهلنا تعرض للقتل امام الاخرين وكان اغلبهم من المواطنين والمدنيين العزل اثناء هروبهم الى منطقة آمنة أو حتى اثناء عودتهم الى بيوتهم وهم يرفعون الرايات البيضاء حسب التعليمات الموجهة لهم تؤكد ان العديد من الابناء ذبحوا في احضان امهاتهم أو ذبح الاباء امام عيون الاطفال وادى هذا الى حدوث حالة من الغليان والتوتر للانتقام لهؤلاء الشهداء وتمثل ذلك في الخسائر الجسيمة التي تكبدتها قوات العدو الاسرائيلي في مدينة خانيونس والتي لم يتمكن من دخولها إلا في آخر أيام الحرب. غزة ــ ماهر ابراهيم