ترغب ادارة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون ومعظم مؤسسة السياسة الخارجية في واشنطن بتجنب المشكلات المتنامية في العلاقات الأمريكية ــ الصينية (والناجمة عن قصف سفارة الصين في بلجراد والادعاءات بالتجسس) والتي تهز بعنف سياسة التواصل مع الصين, وتعود بالذكرى السنوية لتيان آن مين مرة أخرى في هذا السياق لتثير التساؤل حول الكيفية التي يتوجب بها على الغرب ان يتعامل مع الصين. إن أفضل ما يمكننا القيام به لأجل الصين خلال الأعوام القليلة المقبلة هو ان نتبع سياسة تواصل ثابتة مع تلك البلاد بشروطنا, اضافة لشروطهم, فالثبات لم يكن العلاقة الأبرز لسياسة الغرب. ولابد ان فقدانه كان أمرا مسببا للاضطراب بالنسبة لبكين, فقد انتقلنا في غمضة عين من ذروة غضبتنا الاخلاقية إلى أعمق أعماق السياسات الودودة, داعين الصين لتحتل مكان الأولوية علينا جميعا. ان التسامح مع تصرفات الصين الداخلية والخارجية لن يؤدي إلا إلى تشجيعها على الاستمرار في نهجها الحالي , ولابد ان الأمر كان مفاجئا كثيرا لقادة الصين, وهم يرون اذعانا غربياً لبعض من أسوأ ممارساتهم السياسية ذات مرة تتلوها اتهامات ومهاترات مرة أخرى. وبالتأكيد فاني في هذا المقام لا أدعو لاحتواء الصين, لأن ذلك سيكون عبثا, فكيف يتأتى لأي أحد أن يفكر باحتواء 20 إلى 25% من البشرية؟ نحن نريد ان نجر الصين نحو المجموعة الدولية الشاملة والمسؤولة, وليس اغلاق الباب أمامها, لكن التواصل شيء والتملق الأحمق العقيم شيء آخر. اقتراحي الأول بهذا الصدد هو ألا نتمادى في سعينا هذا, ويجب ألا نبدو وكأننا نطارد الصين خطبا لودها, محاولين ان نصوغ ما يناسب كل ما يروق لأمزجة من في بكين, لقد حان الوقت لنرتد قليلا, ان لم ننه سياسة التواصل تماما. الصين بلاد ذات شعب هائل ذي مواهب وطموحات وفرص كبيرة يكبح جماحها نظام لينيني أفل يعيش على ما يستطيع ان يضيفه من هامش اضافي على زمن ولى, والصين ليست تهديدا استراتيجيا ولا قوة اقتصادية عظمى, وبالتأكيد ليست أيضا (جزيرة استقرار) كما وصفها وزير المالية الأمريكي الأسبق روبرت روبن, فالبيروقراطية السياسية الصينية تعرف تماما إلى أي حد وصل تزعزع البلاد, وكذلك فالصين لا تشكل فرصا اقتصادية واسعة للاستثمارات الغربية, فدعونا إذن نتعامل مع الصين اعتماداً على ما هي عليه حقا, وليس على ما نتخيله نحن او نخشى ان تكون. وعلينا ان نتذكر أيضا كم هي ضئيلة الانجازات التي حققتها سياسة التواصل المتراخية, لقد اعتدنا على أن نسمع عبارات من نوعية ان نكون لطفاء مع الشيوعية الصينية, سيقدم تطورات جيدة لمسألة حقوق الانسان, ومشاركة صينية أكبر في تحمل المسؤولية عن القضايا الأمنية والاستراتيجية, وفرصا استثمارية وتجارية أوسع لأعمالنا, لكن ما هي النتيجة والخلاصة التي خرجنا بها من قمع للمعارضة الصينية وقعقعة للسلاح في خليج تايوان والادعاءات بسرقة التقنيات العسكرية ولا مبالاة الصين في مجلس الأمن ( حيث عارضت ارسال قوات حفظ السلام من الأمم المتحدة لمقدونيا), اضافة لاكتشاف العديد من رجال الأعمال الأمريكيين والأوروبيين مصاعب بل وتضاؤل الفرص التجارية للعمل في الصين؟ الآن يظل الحفاظ على علاقة دافئة مع الصين الطريقة الوحيدة القادرة على منع هذه الظواهر من التحرك نحو الأسوأ, وأريد ان اقترح ستة مسارات, يمكن ان تتخذها سياسة تواصل غربية مع الصين, ولكنها تناسب الغرب والصين معا. 1 ــ مادام سجل حقوق الانسان في الصين يتدهور, فعلينا ان نبقى ننتقد ذلك علنا, ومالم تصادق الصين على المعاهدة الدولية للحقوق المدنية والسياسية, فعلينا كل عام وخلال مؤتمر الأمم المتحدة لحقوق الانسان في جنيف ان نضع على الطاولة معاناة الديمقراطيين في الصين, بل وان نعمل بجد لتحرير مذكرة بهذا الخصوص من المؤتمر. 2 ــ نحن نريد أن نرى الصين داخل منظمة التجارة الدولية, لكن ذلك يجب ان يكون قد تقرر بناء على أرضية تجارية, وليس سياسية, واذا ما كانت الصين جادة في رغبتها بعضوية المنظمة, فلنر اذن ما هي مستعدة لفعله لكسر حالة الجمود الراهنة. ومن جانبنا, يفضل أن نتوقف عن اطلاق التهديدات الفارغة حول ربط القضايا التجارية بالسياسية. 3 ــ الفائض التجاري الكبير الذي يتمتع به ميزان الصين مع الولايات المتحدة الأمريكية يظهر بجلاء من بحاجة للآخر أكثر. نحن سنتوقع من الصين ان تفتح اقتصادها, كما أننا لن نقوم بعد الان بتنظيم (زيارات استعراضية) لقادتنا السياسيين والاقتصاديين الى الصين, تلك الزيارات التي تنتج (رسائل نوايا) أكثر مما تنتج وظائف ومبيعات. 4 ــ السياسة التي حكمت مضيق تايوان حتى الان اعتمدت على مفهومين أساسيين: أولاً ألا يدعم الغرب استقلال تايوان, وألا تهدد الصين بالاستيلاء على تايوان عنوة. لكن إنزال الصين لصواريخها في مضيق تايوان هو محاولة لتغيير ذلك. على الصين أن تفهم أننا لن نسمح لنظام شمولي بأن يتنمر على ديمقراطية يمارسها 20 مليون نسمة لا يطيقونه. والوحدة الصينية تعتمد أولاً على التغيير السياسي في الصين. 5 ــ قد لا تكون الصين عدواً, لكنها بالتأكيد ليست صديقاً. ولذلك فلا نستطيع أن نغض بصرنا عن عملية نقل التكنولوجيا الشرعية وغير الشرعية لأهداف عسكرية. والتجسس الصيني المزعوم على الأسرار النووية الأمريكية ليس بالتأكيد طريقة لتصرف (شريك استراتيجي) للغرب. 6 ــ على الحكومة الصينية ان تبدأ حواراً مع الدلاي لاما حول مستقبل أكثر استقلالاً ذاتياً للتبت داخل الصين. وحتى تفعل ذلك, سنكون نحن سعداء برؤية الزعيم الروحي للتبت حيثما أراد, على الرغم من احتجاجات الصين الوقحة. أيضاً فإن التواصل الدافىء والثابت يجب أن يتماشى دبلوماسية الزيارات ذات المستوى الرفيع والتي ندفع لأجلها ثمناً سياسياً باهظاً. وخلال زيارته التي طالت تسعة أيام العام الماضي للصين, عقد الرئيس كلينتون أربع ساعات من الحوار مع نظيره الصيني, لكن لتحقيق أي مكاسب كان ذلك؟ لا أحد يدري حتى الان. على كل حال فبينما نلملم البساط الأحمر ونضعه جانباً الى حين, يجب ان نستمر في الترويج للتبادل الثقافي والتعليمي, وأن نرحب بالطلاب الصينيين في جامعاتنا, وأن نقدم المساعدة للصين في مجالات مثل حماية البيئة ورفع آداء المؤسسات الحكومية, ان التخفيف من هرولتنا نحو الصين الان, والحرص على قراءة كل نبرة تصدر منها, ستكون له ميزة مضافة. فهذا سيعطينا الفرصة للالتفات أكثر لأصدقائنا الحقيقيين بل وشركائنا مثل اليابان والهند ولدول مثل أندونيسيا التي تمر بظروف سيئة وبأمس الحاجة للمساعدة. نعم, قد تصبح الصين يوماً ما صديقاً وشريكاً, لكن أن نستمر بالتصرف بنفس الأسلوب الذي نتبعه الان, أي أن نعرض نفسنا لمخاطر سياسية نحن بغنى عنها لنحمي قادة الصين من المخاطر, لن ينجح إلا بتحقيق شيء واحد وهو تأجيل ذلك اليوم المنتظر السعيد. الحاكم البريطاني الأخير لهونج كونج