أعاد حلف الناتو وواشنطن الى الأسماع نغمة نشاز سبق وأن عزفتها الآلة الاعلامية والاستخباراتية خلال حرب البوسنة, باطلاق التحذيرات وبث المخاوف من وجود جسد عسكري وسياسي يمثل المسلمين في اقليم كوسوفو, ويدفع عنهم خطر الابادة والتهميش , ولتفتح الباب واسعا أمام قراصنة سرقة حق مسلمي وألبان كوسوفو في قيام كيان وحكم ذاتي يعبر عن طموحهم. وقبل ان يوقع العسكريون اليوغسلاف صك الاستسلام لحلف الناتو, لبدء الانسحاب الفعلي من كوسوفو, حذرت وزارة الدفاع الأمريكية وقيادة القوات الحليفة, وأجهزة الاستخبارات الأمريكية والغربية جيش تحرير كوسوفو من استمرار حمل السلاح,و وتصويره وكأنه عقبة في سبيل تحقيق السلام في كوسوفو, ووعدته بجزاء سنمار, بعد ان تحمل الجيش مهمة القتال على الأرض ضد القوات الصربية وجعلها هدفا متاحا لغارات الحلفاء. ويكمن خلف تحذيرات الناتو وواشنطن لجيش تحرير كوسوفو ومطالبته بالقاء السلاح, هدف مزدوج الأول فتح الطريق أمام من يعتبرهم الحلفاء معتدلين ليتصدروا خشبة المسرح, ويستأثروا وحدهم بالحصاد السياسي وثمرة نضال جيش التحرير والثاني استئصال شأفة من يعتبرهم الناتو متشددين سياسيين طامحين في كيان سياسي يحقق لهم هويتهم الاسلامية والوطنية. وبينما ضعف التأييد لروجوفا المعتدل سياسيا تنامت قوة جيش تحرير كوسوفو المتشدد في الاقليم الذي كان يضم قبل عمليات التطهير العرقي مليوني نسمة من بينهم تسعون في المائة ينحدرون من أصول ألبانية. ويقول الادميرال توماس ويلسون كبير مسؤولي المخابرات فى قيادة الاركان الامريكية المشتركة ان هناك مابين 15 الى 17 ألف جندى تابع لميليشيات جيش تحرير كوسوفا يعملون داخل الاقليم حاليا مقابل أقل من خمسة الاف فقط قبل أن يبدأ القصف الجوى في 24 مارس الماضي. وحذر المعلق الامريكي كريس هيدجز في مقالة نشرها بمجلة (فورين أفيرز) الامريكية من أن النعرة الوطنية والقوة المتصاعدة لجيش تحرير كوسوفو ستكون عقبة في وجه أتفاق السلام قائلا ان الجيش سيشن حرب عصابات ممتدة يمكن أن تتسع لتجر اليها مقدونيا المجاورة وألبانيا وربما ايضا اليونان وبلغاريا. وقد شكل جيش تحرير كوسوفو حكومة في المنفي مؤخرا (استبعد منها روجوفا ورجاله تقريبا) وجاء على رأسها هاشم تقى (29 عاما) الذى تعترف به حكومة البانيا المجاورة0 ويشغل رجال جيش التحرير كل مقاعد الحكومة الموقتة عدا مقعد واحد لعصبة كوسوفو الديمقراطية وهو الحزب الذى يرأسه روجوفا بينما استبعدت الحركة الديمقراطية المتحدة التى يرأسها ريحيب كوساى تماما. ويقول هيدجز أن روجوفا صار رمزا على الاعتدال غير المعبر عن اغلبية شعب كوسوفو الذى لم يعد يثق في الصرب وامكانية العيش معهم حتى في ظل الحكم الذاتي (كما ان شعب كوسوفو فقد الثقة في الغرب بعد ان اشاحت الدول الغربية النظر بعيدا طوال عقد من الزمان بعد ان ألغى الرئيس اليوغسلافي سلوبودان ميلوسيفيتش سلطات الحكم الذاتى للاقليم في عام ,1989 وفقد الغرب الكثير من مصداقيته قبل أن يبدأ حلف الاطلسى غاراته) . ويصف المحلل الامريكي جيش تحرير كوسوفو وقادته بأنهم (يفضلون الغموض والسرية ويعانون من عقدة الاضطهاد والتطرف في النعرة الوطنية والانقسام بين فصيل يجنح الى الفاشية واخر يميل الى الشيوعية) . ويوضح ان الفصيل الاول من احفاد اليمينيين الالبان من اتباع الميليشيات الفاشية التى قاتلت في الحرب العالمية الثانية او انضمت الى فرقة كانت تحت رعاية النظام الالمانى النازى وشاركت في اعتقال اليهود آنذاك, بينما الفصيل الثانى وينتمى اليه معظم قادة جيش التحرير ينحدرون من جماعات ستالينية كانت تلقى الدعم من دكتاتور البانيا السابق انور خوجة الذي مات في منتصف الثمانينات. ويؤكد هيدجز (الذي امضى ثلاث سنوات مراسلا لصحيفة (نيويورك تايمز) في البلقان حتى عام 1998 (ان جيش تحرير كوسوفو المنقسم بين اليساريين المتشديين واليمينيين المتطرفين مصر على استقلال الاقليم بل وضم اجزاء من جمهوريتى الجبل الاسود ومقدونيا حيث تعيش اقليات البانية وذلك من اجل انشاء ألبانيا الكبرى. ولم تكن الادارة الامريكية (التي قامت طائراتها العسكرية على مدى الشهرين الماضيين بتعبيد الطريق أمام جيش تحرير كوسوفو) تختلف كثيرا العام الماضى مع هذا التحليل المتشائم حيال جيش تحرير كوسوفو بل ان روبرت جيلبارد المبعوث الامريكى الخاص لازمة البلقان صرح في فبراير العام الماضى بان جيش التحرير (دون شك جماعة ارهابية) . وهو تصريح نظرت اليه الحكومة اليوغسلافية انذاك على انه ضوء امريكى اخضر من اجل تكثيف الملاحقة العسكرية ضد جيش التحرير. ويدعى هيدجز نقلا عن مسؤولين أمريكيين أن ملايين الدولارات تدفقت من خلال هذه القنوات وأنه تم رصد صلات بين جيش تحرير كوسوفو ومنظمات اسلامية بينما يدعى المسئولون الصرب (الذين لا ترقى تصريحاتهم فوق مستوى الشك) انهم وجدوا متطوعين من السعودية واليمن وافغانستان والبوسنة وكرواتيا والبانيا في صفوف جيش التحرير. وبغض النظر عن هذه التقارير فان وجود خمسين الف جندى تابعين لحلف الاطلسي وخمسة الاف من روسيا في اقليم كوسوفو تنفيذا لاتفاق السلام المبدئى الذى وافقت عليه بلجراد أخيرا يمكن أن يمنع التطاحن وحرب العصابات بين جيش تحرير كوسوفو من ناحية وبين بقايا الميليشيات والاقلية الصربية في الاقليم من ناحية اخرى. ولكن هذا يعنى ان تبقى هذه القوة بصفة شبه دائمة في الاقليم (وليس ثلاث سنوات فقط كما كان ينص اتفاق رامبوييه للسلام) وهو أمر له تكاليف سياسية لا تطاق واقتصادية باهظة سواء للادارة الامريكية أو للمجموعة الاوروبية. ويقول هيدجز (ويبقى الاحتمال أن الجانبين الصربى والكوسوفي سوف يلتقطون أسلحتهم مرة أخرى بعد رحيل هذه القوات, وفي نهاية المطاف وتحت قيادة جيش تحرير كوسوفو سينفصل الاقليم عن صربيا سواء سلما أو حربا) . ــ ا.ش.ا.