اعتبارات عدة وضعت البروفيسور ابراهيم أحمد عمر على رأس قائمة من استصوبنا محاورتهم في شأن الوفاق . فالرجل الذي يشغل منصب وزير التعليم العالي هو أحد القادة المتنفذين من (ذوي القول الفصل) في النظام. وهو إلى جانب عضويته في المكتب القيادي والمجلس القيادي للمؤتمر الوطني الحاكم, كان أحد أبرز من تصدروا توقيع (مذكرة العشرة) الشهيرة التي أحدثت انقلابا في مسيرة الحزب الحاكم, وكرست قيادة الفريق عمر البشير للحزب خصما على صلاحيات مطلقة كان يتمتع بها الزعيم المتنفذ حسن الترابي. وهو إلى جانب كل ذلك يتمتع بصراحة ورحابة صدر يفتحان الشهية الصحافية إلى طرح محاور أخرى نجد تفاصيلها في الحوار التالي: هل ما وصلت إليه حكومة الانقاذ الآن من اتجاه بحماس للوفاق أمر مخطط له أم كان نتاجا لضغوط؟ ــ حكومة الانقاذ منذ ان قامت كانت تود أن ترجع بالناس لحياة الحرية والشورى والديمقراطية ولذلك كل الخطوات التي اتخذتها والمراحل التي مرت بها كانت تؤدي إلى هذه النتيجة, الانقاذ ليست انقلابا عسكريا محضا كما يظن الناس وانما هي مشروع هدفه الأخير العودة بالناس لنظام الشورى الحر المتدين, لذلك فان المراحل التي مرت بها كلها كانت تهدف لهذه الغاية. ما حدث الآن أرى أن يؤخذ بهذه الصورة لان بعض الناس ما زال يظن ان الحرية تعني نهاية النظام الحاكم وانهياره, وبعض الناس يتحدثون ان العودة للديمقراطية لا تكون الا بزوال ما هو قائم, هذا فهم خاطئ والفهم الصحيح عندي ان هذه خطوة في الاتجاه الصحيح من منطلق قناعات حقيقية, قناعات بأن يشارك السودانيون في حكم بلادهم مجتمعين وبصورة جادة, وأحب أن أؤكد على ان هناك جدية كاملة من قبل الحكومة في هذا الامر وانه شيء طبيعي واحدى غايات الحكومة التي تسعى لتحقيقها. نظرة استراتيجية بوصفك أحد القيادات الراديكالية للحركة الاسلامية السودانية والتي ترى ان الأحزاب الطائفية (الأمة - الاتحادي) أحد أعدائها كيف تنظر إلى التقارب الذي بدأ يظهر الآن بين هذه القوى الثلاثة؟ ــ التقارب مطلوب لان الفترة التي سبقت قيام الحكومة الحالية كانت فترة تمزق وتشتت وتسبب ذلك في عدم وضوح الرؤية لكثير من العناصر السياسية, والأصل أن تكون فترة حكومة الانقاذ قد مكنت الناس وخاصة العناصر التي لم تنهج اتجاها (استراتيجيا) من معرفة الخيارات الاستراتيجية لأهل السودان وبالتالي التقارب من هذا المنطلق, قبل هذه الحكومة كانت العداوات والخصومات والمواقف السياسية لا تنطلق عند كثير من الأحزاب من رؤى استراتيجية تؤمن عقيدة أهل البلد وأرض ومصالح وسياسات البلاد, ولهذا آمل أن تكون السنوات العشر الماضية قد مكنت هذه القيادات من معرفة أهمية اعمال الرؤية الاستراتيجية لهذه القضايا, فالتقارب الذي تم حتى الآن بين الحكومة والجماهير التي كانت تحت قيادات طائفية كانت أنصارية أو ختمية أو خلافه, ان تكون هذه بداية لرؤية موحدة حول هذه القضايا الاستراتيجية وألا يكون تقارب) سياسيا وقتيا حول الحكم واقتسام السلطة فقط, وان يكون هناك تقارب استراتيجي يحفظ لأهل السودان كيانهم وكينونتهم الفكرية والسياسية ومصالحهم. ما رميت له من السؤال هو ان الحركة الاسلامية تقوم على الاسلام السياسي الشورى والأحزاب الطائفية رؤيتها للاسلام تختلف عن رؤيتكم, فهل بدلت الحركة الاسلامية ثوبها أم انها تريد من هذا التقارب حرية أوسع للعمل داخل قواعد هذه الأحزاب بعد أن وقفت بعض العوائق أمامها مثل رفض الشعب السوداني بطبعه للحكم الشمولي؟ ــ قلت ان فترة حكم الانقاذ هي مرحلة لبعض القيادات التقليدية للتفكير مليا واعادة النظر في تاريخها وحاضرها, هذا الكلام يعني ان عودة هذه العناصر لا يمكن أن تكون بنفس الرؤى والمفاهيم والخطط السابقة, وأتوقع من الأحزاب التي كانت طائفية ومحدودة النظر ان تعود وهي أكثر تفهما لطبيعة الدين الذي قامت عليه, وان تكون أكثر انفتاحا عليه وأقل مطالبة بالولاء الذي كان في السابق لان (الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين) , من هنا أتوقع أن يكون التقارب ممكنا ان كانت هذه القيادات وبعض من يدور في فلكها قد تطورت رؤيتها للتعامل مع الإنسان السوداني المسلم, فإذا حدث هذا يكون من الطبيعي أن يستجد التقارب ليس على حساب أحد الأطراف بقدر ما هو تحقيق للاسلام, والقضية المهمة أن تتجنب الأحزاب الطائفية القديمة والحركة الاسلامية الاحتفاظ بثيابها القديمة, ومن هنا نأمل أن يكون قد حدث في الواقع السوداني ما يمكن هذه الأحزاب ان تفهم التعامل الاسلامي بغير الذي كانت تفهمه من قبل. قيادات النظام الحاكم كانوا يتحدثون حتى قبل لقاء جنيف بيوم واحد عن زعماء هذه الأحزاب بلهجة العداء الصارخ والآن الأمر أختلف وتوج بارسال أحد أكبر القيادات للقاء الصادق المهدي, ما هي التداعيات التي أحدثت هذا التحول؟ ــ بعد تردد كرر خلاله كلمة (الامر) ثلاث مرات قال: الامر لا ينبني على كلمة قالها شخص ما, وانما ينبني على سياسات امتدت لعشر سنوات تدرجت من مجلس عسكري الى مجلس وزراء الى رئاسة جمهورية معينة الى رئاسة جمهورية مختارة الى مجلس وطني منتخب .. الاحداث الكبيرة ــ يجب أن ينظر اليها في هذا الاطار وليس في اطار كلمة تخرج من هنا او هناك من أحد منسوبي الحركة الاسلامية. ضغوط واقعية السؤال بصورة أكثر وضوحا هناك حديث عن الحكومة واجهت ضغطا متمثلا في ان تقدم تنازلا للمعارضة أو يتم ضرب مشروع البترول السوداني؟ ــ هذا الحديث ان كان الغرض منه ان هناك جهات أملت شروطا بهذه الكيفية على الحكومة أقول لك ان ذلك لم يحدث, اما ان كان مبنيا على ان الحكومة درست المعطيات الواقعية وخرجت بهذه النتيجة فذلك ما حدث, لأن هناك استهدافا وتآمرا وان القتال في الشرق والجنوب دائر والحرب الاقتصادية مستعمرة, ولهذا كان علينا ان نتخذ من التكتيك ما يهزم عدونا وينصرنا نعم هذا هو الواقع الذي درسناه, فالنظام يحارب بالبندقية والسياسة ويمتلك مجموعة كبيرة من العقول المفكرة لذلك التعامل مع الواقع حقيقة, ونعم هناك ضغوط أملاها علينا واقعنا وتعاملنا معها, ولكن لم يحدث ان اجتمع بنا مسؤول أمريكي أو غيره ليملي علينا شروطا. هذا الحديث له علاقة بمذكرة العشرة الشهيرة في اجتماع هيئة الشورى والتي قيل ان خلفها بعض الدوائر الأجنيه وان هؤلاء العشرة يمثلون لتلك الدوائر؟! وما يحدث الآن من خطوات تم بدفع منهم؟ ــ من يقول بهذا التحليل انسان (مسطح) لايعرف ما ذا يتم داخل حكومة الانقاذ من تطور, الذي تم في المذكرة وانا كنت أول الموقعين عليها, اننا ذكرنا بهذه الخطوات التي أوردتها, وهي ان الانقاذ عندما قامت في الثلاثين من يونيو 1989 كانت بشكل غير ما هي عليه, الآن واضح ما يكون هذا التغير في صورة المؤسسات والحريات والشفافية, فان كان هذا تعامل الدولة مع الآخرين فمن باب أولى أن ينعكس هذا داخل (المؤتمر الوطني) الذي هو عماد النظام الحاكم, لذلك دعونا الى (مؤسسية فرقت بين هيئة الشورى والجهاز التنفيذي ممثل في رئيس الجمهورية والأمين العام, دعونا الى ان يكون هناك مكتب قيادي حتى لايكون الأمين العام أو رئيس الجمهورية هو الذي يتصرف كما يشاء, فالمذكرة هي عبارة عن وقفة ليكون المؤتمر الوطني شوطا أكثر مما كان ويعمل بالمؤسسية بصورة أفضل من تلك التي كانت وان تكون المسؤوليات محددة والشفافية متوفرة. لقاء جنيف سؤال بصورة مباشرة ماذا دار في جنيف؟! ــ لم يحن الوقت بعد لكشف هذا الأمر. مؤتمر المصالحة أول ما ظهر مما دار في جنيف هو عقد مؤتمر المصالحة الوطنية فهل هذا يعني بديل المعارضة للمؤتمر الدستوري؟! ــ أولاً ما تطالب به المعارضة هو مؤتمر دستوري كان الاشتراط لقيامه عدم الاعتراف بالدستور القائم, الآن نحن لم نقبل هذا ولن نقبله, اللقاء والحوار الذي تم والذي سيتم سيكون في اطار الدستور, يمكن ان يعدل الدستور ولكن الاهم ان نعلم ان الحوار سيتم في وجود الدستور وعدم الغائه, والمؤتمر المعلن عنه ليس مؤتمرا لوضع دستور لانه يوجد دستور قائم ونافذ, الثاني اقامة مؤتمرات في وقت سابق وعلى استعداد على اقامة المزيد من المؤتمرات ويمكن ان تكون هناك تعديلات للدستور, واذا كان الناس يتحدثون الآن عن تعديلات دستورية قبل مجيء المعارضة فهذا ليس نكوصا عن رفض ما دعت له المعارضة من الغاء للدستور واقامة مؤتمر دستوري وانما هو تعامل في ظل ما هو قائم من دستور. ولكن هناك الكثير مما تراه حكومة الانقاذ بأنه (ثوابت) ويراه البعض غير ذلك, بمعنى ان كانت الحكومة جادة في الاحتكام لرأي الأغلبية وما يسفر عنه مؤتمر المصالحة الوطنية فإنها ستضطر لقبول الكثير من التعديل فيما تراه ثوابت؟! ــ فلنتفق اولا انه حتى المعارضة تخلت عن فكرة المؤتمر الدستوري بالفهم الذي كانت تطرحه أولاً, اذا اتفقنا على هذا نقول نحن الآن مقبلون على لقاء جامع هو (مؤتمر) نعم لا نمانع من ان تحضره اي جهة من الجهات ولكن في اطار الدستور, هذا المؤتمر اذا عقد, نحن متمسكون بما نراه ثوابتا لهذه الأمة, ولكن صدرنا مفتوح والقلب ايضا لنستمع للآخرين, ولكن لا أحد يستطيع أن يفرض علينا وعليهم ان يقبل رأي أخيه مسبقا, ولكن في اطار الدستور القائم نحن سنستمع لوجهات النظر وأرى اقتراحات بالتعديل خاصة المتعلقة بقضايا المواطنين وهي قضايا يتحدثون عنها حاليا بغض النظر عن حضور المعارضة الخارجية أو عدمه. اذا سلمنا جدلا بأن هناك نقاط التقاء ما بين الجبهة الاسلامية وحزب الأمة والاتحادي الديمقراطي لكن ما لاشك فيه ان اليسار والجبهة لايمكن ان يلتقيا أبداً فهل ستقدم الجبهة الاسلامية تنازلا بالسماح لليسار باقامة منابره وفتح دوره وكيف ينتظر البروفيسور الى التنازلات التي ظلت الحركة الاسلامية تقدمها مقارنة بما كانت تدعو اليه قبل أن تتحكم؟ ــ أولا هذا الكلام ان اطلق بهذه الصورة أقول لك انه ادعاء غير واضح, فلابد ان تقول لي ان في الأمر كذا, كان للحركة الاسلامية ذاك الموقف والآن لها هذا الموقف, ولكن اذا اردنا ان نأخذ بعض القضايا مثل هل يسمح لأحزاب اليسار ان تمارس عملها في ظل حكم الحركة الاسلامية, الجواب أقول انه في اطار الدستور والدستور من ثوابته الشرعية, ونقول ان احزاب اليسار هي التي تخلت عن كثير من الاشياء التي كانت الحركة الاسلامية في السابق تأخذها عليها, يعني لماذا كنا في الحركة الاسلامية ضد الشيوعيين اكثر من الأحزاب الأخرى؟ السبب الرئيسي هو ان الماركسية التي يتبناها الحزب الشيوعي نظرية إلحادية فاذا تخلوا عن الالحاد والادعاء بأن الدين أفيون الشعوب وعملوا في اطار دستور يثبت الشريعة الاسلامية فأنا أعتقد ان كثيرا من الاسلاميين قد يجدوا تقاربا مع كثير من الشباب الذي كان في اليسار لأن شباب اليسار فيه صفات قد لاتوجد في الأحزاب الاخرى, نحن عشنا في الجامعات والمدارس ونعلم أين هي العقد الرئيسية فان هي زالت قد تعجب من العلاقات التي ستنشأ بين اليساريين والاسلاميين. حاوره : عثمان فضل الله