كنا بضعة صحفيين عرب وأجانب نرتشف القهوة عصر يوم الاثنين 28 سبتمبر 1970 في كافيتيريا فندق هيلتون النيل ومعنا بعض الزملاء والاصدقاء المصريون , بعد اليوم ثقيل الوطأة علينا جميعا والذي انتهى على وفاق اردني ـ فلسطيني تحقق في قمة عربية استثنائية, قد يجاز لنا بعدما تكاثرت القمم من قبل ثم من بعد, ان نعتبرها قمة الطوارىء الاولى لأهل القرار العربي. اما القمة الثانية فكانت تلك التي عقدت ايضا في القاهرة في مقر الجامعة (على بعد خطوات من فندق هيلتون النيل الذي شهد قمة الطوارىء التي نشير اليها) يوم الجمعة 10 اغسطس 1990 لمواجهة الاجتياح العراقي للكويت. وفي القمتين كان الانقسام واضحا وكأنما تلك هي سمة القمة عندما تكون (قمة طوارىء) مع ان العكس هو ما يجب ان يسود. امضينا ساعتين يحلل كل منا وفق رؤيته الانجاز الكبير لقمة الهيلتون التي انقذت المقاومة الفلسطينية قبل تمكنها حتى من الانتقال الى لبنان, والتقينا على تسجيل التقدير الكبير للرئيس جمال عبدالناصر الذي تحمل مشقة كبرى وشارك في القمة وسهر عليها, مع ان وضعه الصحي كان على درجة من الدقة كما اوحى الي كبير الزملاء الاستاذ محمد حسنين هيكل الذي كان الى جانب الرئيس جمال عبدالناصر في تلك القمة, تخطيطا وتنسيقا ومشورة وابتكارا لافكار ومقترحات تبين فيما بعد ان القادة الذين شاركوا في القمة ارتاحوا اليها واخذوا بها. وقبل ان يعقد القادة جلستهم الاخيرة ويصدر عنها البيان الختامي الذي اشاع جوا من الارتياح, كانت تصلنا نحن الصحفيين المتأهبين المرابطين في ردهة بعيدة عن المجتمعين اخبار في غاية الاثارة من بينها ان لغة المسدسات كادت تسود داخل القاعة وان الرئيس عبدالناصر تدخل بحكمة لكي يبقى النقاش في دائرة الحوار الموضوعي. في الوقت الذي كان نتباسط ونتبادل التحليلات والاجتهادات كان يحدث في مطار القاهرة مشهد مأساوي هو الفصل الاخير من الفاجعة التي حدثت بعد ساعتين من ذلك المشهد. كان المشهد عبارة عن لحظة توديع بين الرئيس عبدالناصر وأمير دولة الكويت الشيخ سالم الصباح, الذي صادف انه آخر القادة الذين غادروا القاهرة بعد انتهاء اعمال القمة, ولقد روى لنا الزملاء المصريون الذين يغطون اخبار الرئاسة ومصورو الصحف المصرية المسموح لهم بالتصوير والذين ليس مسموحا لغيرهم بذلك, انه لاحظوا عندما كان الرئيس عبدالناصر يعانق ضيفه الشيخ الصباح ان الرئيس يكاد يقع ارضا, وان نقله المثير بمساعدة عناصر الحماية الى سيارته في الطريق الى بيته اكد لهم صحة ملاحظتهم. بعدما عاد كل منا الى الفندق الذي يحل فيه, ولاحظ كيف ان الاذاعات المصرية الغت برامجها العادية وابدلتها بالقرآن الكريم, عدنا من دون تنسيق الى حيث كنا وبدأنا نكثر من الافتراضات والتخمينات حول الامر الذي ربما يكون قد حدث ومن دون ان يخطر في بال احد ان الامر الذي حدث هو ان الرئيس جمال عبدالناصر توفي وان قطع البرامج العادية من الاذاعات والاقتصار والقرآن الكريم كانا لهذا السبب. في اللحظة التي كان هذا الزميل يتكهن بطبيعة الامر الذي يحتمل ان يكون قد حدث ويزيد عليه زميل آخر بتكهن مماثل, اتصل بي الزميل الاستاذ احسان بكر من (الاهرام) الصحيفة التي تربطني بمحرريها وكتابها ارقى العلاقات منذ توثقت علاقتي وزمالتي بكبير الزملاء رئيس تحريرها الاستاذ محمد حسنين هيكل عندما كانت (الاهرام) لاتزال في مبناها القديم في شارع مظلوم, وقال لي الزميل احسان: أين أنت ؟ احضر فورا. وهكذا عرفت ان الرئيس عبدالناصر توفي وهو في منزله, وان نائب رئيس الجمهورية انور السادات سيذيع في العاشرة ليلا (بيانا) يعلن فيه نبأ الوفاة, وينعى الرئيس عبدالناصر الى الامة. اصابني واخافني (الاهرام) ما أصاب الجميع, حالة ذهول وصمت مطبقين, ولا احد يناقش احدا, والكل وأنا منهم في انتظار بيان اعلان الوفاة لنرى ما الذي اصاب الرئيس عبدالناصر ابن الثانية والخمسين من العمر وجعله يرحل هكذا فجأة (ألفت القارىء الكريم الى أنني في الصفحات الاخيرة من المشهد الاول والتي كانت حول الوفاة والتشييع اوردت الكثير من تفصيل الوقائع التي حدثت منذ لحظة الوفاة حتى سفر رؤساء الدول ورؤساء الوفود. واما الخلاصة التي أوردها هنا ومن الاسطر السابقة من المشهد الثاني فإنها للتذكير قبل الخوض في الرحلة التي تلت الوفاة. اذيع البيان فأصاب المصريين زلزال نفسي ووجداني وبدأت مصر تعيش منذ تلك اللحظة حالة جديدة عليها, سمتها الاساسية الحزن المحاط بالتساؤلات والمخاوف مما سيحدث. فقد توفي عبدالناصر وهناك جرح الهزيمة مازال ينزف والارض مازالت محتلة, والجيش مازال في مرحلة اعادة بنائه. في اليوم نفسه وبينما جثمان الرئيس عبدالناصر مسجى على سريره في منزله في منشية البكري, عقد اعضاء اللجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكي ومجلس الوزراء اجتماعا مشتركا استمر حتى الثانية فجر اليوم التالي ولعلها المرة الوحيدة (عدا ايام رمضان) التي تكون مصر بأكثرية ملايينها مستيقظة, تتطلع الى ما سيحدث بعد وفاة رئيسها المفاجئة. وبطبيعة الحال كنا نحن معشر الصحفيين والمراسلين في حال من اليقظة غير معهودة ونترقب القرارات التي ستصدر والاجراءات التي ستتخذ. وحوالي الثانية فجرا, وبعدما كان الاجتماع المشترك قد انتهى, أدلى رئيس مجلس الامة (البرلمان) محمد لبيب شقير ببيان أعلن فيه ان انور السادات (الذي كان آنذاك النائب الوحيد لرئيس الجمهورية) اصبح بموجب المادة 110 من الدستور رئيسا للبلاد.